مركز تحميل دليل برامج العاب

روابط مفيدة : للإعلان بالموقع | استرجاع كلمة المرور| طلب كود تفعيل العضوية | تفعيل العضوية

ينتهي في 9/3/2012
ينتهي في 17/2/2012



منتديات حلم عابر

 
العودة   منتديات حلم عابر اكبر موقع تطبيقات للجوال > المنتديات العامة > ملتقى الطلاب والطالبات
 

ملتقى الطلاب والطالبات ابحاث كاملة لجميع اخواننا الطلاب ومواضيع مفيدة لهم بمختلف مراحلهم الدراسية

سلسلة: قراءة الإمام نافع عند المغاربة من رواية أبي سعيد ورش

ملتقى الطلاب والطالبات

بسم الله الرحمن الرحيم تصـديـرللبحث: الحمد لله بجميع المحامد، أقصى ما يبلغه الحامد، وأشهد أن لا إله إلا الله، له

إنشاء موضوع جديد رد
 
أدوات الموضوع
قديم 01-07-2010   رقم المشاركه : 1
المعلومات الشخصية
نعيم البيلي
:: مشرف ملتقي الطلاب ::
 
الصورة الرمزية نعيم البيلي








الحالة
نعيم البيلي غير متواجد حالياً

 علم الدولة :

مشاهدةالبومات صور نعيم البيلي


للتواصل

افتراضي سلسلة: قراءة الإمام نافع عند المغاربة من رواية أبي سعيد ورش

بسم الله الرحمن الرحيم
تصـديـرللبحث:
الحمد لله بجميع المحامد، أقصى ما يبلغه الحامد، وأشهد أن لا إله إلا الله، له الدين الواصب، والسلطان الغالب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي العاقب[1] المبعوث بأشرف البقاع وأزكى المناقب. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وحملة كتابه، والداعين إلى سنته والموقرين لجنابه، ما ترادفت الأعصار، وتعاقب الليل والنهار.
ورضي الله تعالى عن خلفائه الراشدين، وسائر الصحابة أجمعين، والتابعين لهم على الهدي المبين، ومن اقتفى منهم الآثار، وخصوصا الأئمة القراء نجوم الهداية في الحواضر والأمصار، الذين تجردوا لقراءة القرآن وضبط رسومه وحروفه، من القراء السبعة المشهورين ومشايخهم ممن تحملوه عن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الوجوه التي تلقوه بها من مشكاة النبوة غضا طريا، ونهجوا في تلاوته وأدائه بقواعده لمن جاء بعدهم منهاجا رضيا، وصراطا سويا.
وأخص بمزيد الرضا علم هذه الكوكبة، وفارس تلك الحلبة، إمام دار الهجرة النبوية، سيد قراء المدينة، الإمام المخصوص بالتجلة والإكبار: نافع بن أبي نعيم المدني: قدوة أهل المغرب وما والاه في قراءة كتاب الله، وإمامهم في تلاوته وتأدية حروفه من زمنه وإلى يومنا ثم إلى ما شاء الله، اختيارا يربو عليه الصغير، ويكبر فيه الكبير، من رواية صاحبه وراويته أبي سعيد عثمان بن سعيد المصري، وطريق تلميذه وقيدوم حملة طريقته أبي يعقوب الأزرق المدني ثم المصري.
وبعد فإن أشرف العلوم ما يتصل منها بكتاب الله، وأسناها قدرا وأجلها ما عليه تتوقف تلاوته وينتظم به أداؤه، وهو علم الرواية المصحح لنقل القرآن، الضابط لطرق النقل وقواعد الأداء، إذ لا سبيل إلى تفهم القرآن والفقه في أحكامه، والنفاذ إلى أسراره، دون تحقيق حروفه ومعرفة كيفية أدائه، ومواضع وقفه وابتدائه، وقواعد رسمه وضبطه، وخصوصيات كتابته وخطه، وما يتعلق به.
وذلك أمر لا ينتهض به إلا أهل الهمم العالية من الصفوة الباقية، الذين هم في كل جيل، حلية أهل العصر. ونخبة النخبة في كل صقع ومصر، فهم السفرة الكرام في تحصيل هذه العلوم، والبررة المنتدبون لحفظها والذود عنها، والمعلمون القيمون عليها نشرا وتعليمًا، وتوجيها وتفهيما، وتقريبا وتيسيرا، لتستمر بذلك رسالة السلف في تربية الخلف، على ما فهمه وعلمه علماء هذا الشأن في هذه العلوم بمختلف شعبها وفروعها، من جريانها على التوقيف والأخذ، لا على الاجتهاد والرأي والاختراع وإعمال الفكر.
ولا فرق عندهم في ذلك بين المقروء والمرسوم، فكل ما بلغهم بطريق النقل المتوارث عند أهل هذا الشأن أخذوا به واعتمدوه، ووجهوه ونصروه، وحفظوه على وجهه، غير عادلين به عن سبيله، ولا ناكبين عن قبيله، نزولا على قول قائل، أو دعوة مأفون جاهل.
ولقد أحسن الإمام البغوي أبو محمد الحسين بن مسعود رحمه الله (ت 510هـ) في مقدمة كتابه في التفسير المسمى بمعالم التنزيل في الإشارة إلى هذا التلازم بين المباني والمعاني فيما تضمنه ما بين الدفتين من المصحف الشريف فقال: "والناس كما أنهم متعبدون باتباع أحكام القرآن وحفظ حدوده، فهم متعبدون بتلاوته على سنن خط المصحف الإمام، وأن لا يجاوزوا فيما يوافق الخط ما قرأ به القراء المعروفون الذين خلفوا الصحابة والتابعين واتفقت الأمة على اختيارهم"[2].
وبهذا يتبين أن الأمة كما أنها متعبدة بهذا القرآن علما وعملا، فهي متعبدة به أيضا حفظا ووعيا، وأداء وتجويدا، وبيانا وتفسيرا، "ولم تزل العلماء تستنبط من كل حرف يقرأ به قارئ معنى لا يوجد في قراءة الآخر، والقراءة حجة الفقهاء في الاستنباط، وحجتهم في الاهتداء"[3].
ولذلك كان طلب هذه العلوم والتخصص في فروعها واجبا من الواجبات الكفائية على المسلمين، قال أبو محمد بن حزم في "رسالة التلخيص" متحدثا عن الواجبات الكفائية:
"ثم طلب علم القرآن واختلاف القراء السبعة فيه، وضبط قراءتهم كلهم، فرض على الكفاية، وفضل عظيم لمن طلبه إن كان في بلده كثير ممن يحكمه وأجر جزيل، قال عليه السلام: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، فكفى بهذا فضلا، وقد أمر - عليه السلام - بتعلم القرآن ممن تعلمه، فهو خير، ولو ضاع هذا الباب لذهب القرآن وضاع، وحرام على المسلمين تضييعه، وذهابه من أشراط الساعة، وكذلك ذهاب العلم"[4].
مقدمــــة البحث وموضـــوعه:
ثم أما بعد فهذا جهد متواضع مني أردت به الإسهام بنصيب في خدمة هذا الكتاب والتأريخ لقراءته ورجاله ومدارسه في هذه الجهات من ديار العروبة والإسلام، بذلت فيه غاية وسعي، وصرفت في إعداده وإنجازه طرفا من عمري، الملم من أشتات مادته ما تناثر في الخزائن، وأؤلف من تفاريق مباحثه ما تبعثر في الأوراق والمصنفات، جعلته لقراءة نافع ومدارسها الفنية في هذه الديار بمنزلة الدليل، لعل القارئ الكريم يجد فيه ما يتعلل به منه ولو بالقليل، إن لم يصل إلى شفاء الغليل، وتتبعتها في مسارها غداة دخولها برواياتها وخاصة منها تلك الرواية التي ارتضع المغاربة أخلافها فدرت عليهم بأزكى اللبان، ووردوا مناهلها في أرض الكنانة فانبجست لهم منها أعاذب العيون وأطايب الخلجان، أعني رواية الإمام أبي سعيد ورش عميد المدرسة النافعية في بلاد مصر. فتتبعت مسارها في سراها نحو الديار المغربية في ركاب أهل الرحلة من طلابها، أتنقل معهم عبر القرون من عصر إلى عصر، وعبر الآفاق أتجشم معهم عناء السفر من قطر إلى قطر، أتوقل الأوعار حينا مع من توقلها، واعتسف المجاهل آنا آخر مع من اعتسفها، ولربما عدت مع العائدين حافل العيبة بعد طول الغيبة، مملوء الوطاب، وربما انقلبت خاوي الوفاض راضيا من الغنيمة بالإياب.
وإني لا أريد أن أمن هنا على القارئ الكريم إذا شكوت إليه بثي، وناجيته بما عانيت في إعداد هذا البحث وكتابته، فإني صرفت في ذلك أعواما عديدة أجافي جنبي طويلا عن مضجعه، وقد هجعت النفوس ونامت العيون، فأبقى إلى الهزيع الأخير من الليل، أسامر السراج وأنادم الكتاب، أرجع البصر في سفر عتيق، أو أفحص في المظان عن قارئ مغمور، أو أنقب عن أصل من أصول الأداء، أو أنقر عن ترجمة أخذتني من جرائها البرحاء.
ولربما بكرت بعدها إلى مثل ذلك بكور الغراب، فأصبحت وأمسيت في بيتي لأيام معدودات "رهين المحبسين": الكتابة والكتاب، يمر بي الشهر الكامل لا أميز بين أعجازه وهواديه[5] والأسبوع الحافل لا أفرق بين مفاريده ومثانيه، تستبد بي فكرة لاحت، أو تسنح لي فائدة سنحت وأسعفت بعد أن اعتاصت علي زمانا وامتنعت، فتتملكني نشوة الظفر، تملك من أحرز قصب السبق وقضى اللبانة وأدرك الوطر.
وقديما قالها إمام أهل البصرة في القراءة ورواية اللغة وآدابها أبو عمرو بن العلاء، وكان يومئذ هاربا مع أبيه من أمير العراق الحجاج بن يوسف الثقفي، فلما كانا ببعض الطريق خرج فسمع منشدا بنشد:
"ربما تكـره النفـــوس من الأمر له فرجـــة كحــــل العقـــال"
قال: وسمعت عجوزا تقول: مات الحجاج، قال: فما أدري بأيهما كنت أسر؟ بقول المنشد "فرجة" بالفتح، أو بقول العجوز: "مات الحجاج" ! [6].
لقد حببت إلي في ذلك المعاناة، فكنت أكابد في عنت البحث رهقا جميلا، وأصابر من ألقاهم من أهل القراءة وحفظة الخزائن طويلا طويلا، فربما لاقيت بلا سابق معرفة أخا كريما أو ابن أخ كريم، وربما جمعتني الصدفة بآخر "مناع للخير معتد أثيم"، حتى ظنني بعضهم أتعاطى كتابة الحروز، واعتقدت امرأة أرسلت إليها أريد أن تطلعني على خزانة زوجها المتوفى، أني أبحث عن تقاييد الدفائن وأحترف استخراج الكنوز، فقلت في نفسي كما قال القائل:
راحت مشـرقة ورحت معـربا شتــان بــين مشرق ومغرب
ومع هذا كنت أحتسب مثل هذا العنت احتسابا، وأطرق المظان أسمع عنها بابا بابا، وخاصة بيوت المعروفين في جهتنا في الجنوب المغربي من بقايا القراء الذين كنت آنس عندهم بغيتي، وأتوقع الدلالة على طلبتي، فكان فيهم الغث والسمين، والأصيل والهجين، ومع ذلك ما من رحلة شددتها بحمد الله إلا عدت منها بشيء قل أو كثر، حتى أصبت بطول الصبر والمطاولة ما لم يكن يدور لي بالحسبان في السنوات الأول، ووصلت يدي إلى كنوز، لم تدرك قيمتها تلك العجوز، منها ما وقفت عليه في الخزائن العامة، ومنها ما وقفت عليه في الخزائن الخاصة، ومنها ما وصل إلي مصورا عن نسخه الخطية بالمشرق، ومنها ما وصل إلي مطبوعا قبل أن تعرف نسخه المطبوعة حتى الآن في التداول.
ولقد طالما أعياني في السنوات الأولى لنحو ثمانية أعوام أن أقف على جامع البيان لأبي عمرو الداني أو كتاب "التحديد" له، أو "الموضح"، أو على "تبصره" مكي و"هادي" ابن سفيان و"كامل الهذلي" وتلخيص أبي علي بن بليمة"، و"تجريد ابن الفحام"، و"عنوان" أبي الطاهر بن خلف، و"مفتاح" ابن عبد الوهاب و"كافي" ابن شريح، و"إقناع" ابن الباذش، و"تكملة القيجاطي" و"أرجوزة الهوزني" في المخارج والصفات و"بارع" ابن آجروم في قراءة نافع، و"نافع" الجادري فيها و"مختصر ابن جزي" في ذلك وسواها كثير، فما لبثت أن سيقت إلي بعون الله جميعا حتى قضيت منها الوطر، وعرفت بها وأفدت منها، وأثبت نصوص بعضها بتمامها إنقاذا لها من الضياع، وخاصة منها ما لا أعلم لنسخه وجودا في الخزائن كالهوزنية المذكورة والبارع والنافع وعمدة البيان المسماة أيضا بـ"الخراز القديم"، و"تبصرة الاخوان في مقرأ الاصبهــان" وغيرها كثير مما أثبته بنصه في هذه الدراســة أو عرضت قسما منه للتعريف به.
على أني وضعت تصميمي لهذا البحث وليس في الساحة من كتب القراءات المطبوعة إلا عدد يسير جدا كالنشر والغاية لابن الجزري ومنجد المقرئين له، وسراج القارئ لابن القاصح والنجوم الطوالع للمارغني، ثم كتاب السبعة لابن مجاهد والكشف لمكي بن أبي طالب.
بل إن كتب أبي عمرو الداني الأمهات لم يكن يومئذ منها بالمكتبات شيء، لنفاد طبعاتها منذ زمان كـ"التيسير" في القراءات السبع و"المقنع" في الرسم، و"المحكم" في الضبط، ولم تظهر طبعاتها الجديدة إلا في العهد الأخير.
وهذا أمر قد تطلب مني إعادة كتابة عدد من فصول البحث كلما جد جديد في الميدان بوقوفي على كتاب لم أكن قد تمكنت من العثور عليه مطبوعا أو مخطوطا، وتكرر ذلك علي كثيرا حتى بت أشفق منه بقدر ما أغتبط به.
وأخرى ينبغي أن ألفت نظر القارئ الكريم إليها، وهي أنى سجلت موضوع أطروحتي هذه سنة 1981 وميدان البحث في علوم القراءة في المغرب يومئذ خال مهجور، لا سيما ما يتعلق منه بقراءة نافع وتاريخ المدرسة المغربية في القراءة، إذ لم يكن قد ظهر في هذا الميدان إلا بحوث يسيرة منها ما هو عرض سريع، ومنها ما يلامس الموضوع بشكل جانبي[7].
ثم نشطت الرسائل الجامعية مؤخرا وخاصة في شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب بالرباط فسجلت في جوانب من هذا الموضوع رسائل عديدة تحت إشراف أستاذنا الدكتور التهامي الراجي الهاشمي اتجه كثير منها إلى تحيق شروح "الدرر اللوامع" لابن بري، وشروح "مورد الظمآن" للخراز، وبعض كتب "ابن غازي" وشروحها وكتب أبي زيد ابن القاضي وأبي سرحان مسعود جموع السجلماسي والشيخ ابن عبد السلام الفاسي مما يعالج بعض الجوانب التي تناولتها في موضوعي هذا بتركيز أو إيجاز، وقد أثبت في أواخر هذا البحث قائمة تشتمل على أهم عناوين تلك البحوث وأسماء طلبة الدراسات الذين سجلوها في بحوثهم الجامعية استنادا إلى منشورات كنت أحصل عليها من حين لآخر، في متابعتي لما جد في الموضوع كما تقتضيه طبيعة البحث ويقتضيه منهجه المعتاد[8].
ولقد استفدت من بعض تلك البحوث التي تمت مناقشتها، ولم أجد غضاضة في الإشارة إليها وإن كان بعض أصحابها قد انتفعوا ببعض ما كتبته أو جمعته حينما كانوا في طور الإعداد، فأمددتهم بما تيسر لي رغبة في تحقيق الاستفادة، وتأثما من كتمان العلم أو احتكاره عن طلابه مهما كانت الدوافع والأسباب.
ومهما يكن فلقد لمست من خلال هذه الرحلة المباركة في رحاب المدرسة المغربية في مسيرتها التاريخية الطويلة الأمد كيف تغلغلت قراءة نافع وأرست جذورها في البلاد، وبسقت فروعها فأزهت وازدهرت وأثمرت في كل الجهات، وكيف كان لرواية ورش من بين رواياتها المتعددة الحظوة الكاملة والمكانة البارزة التي لم تزاحمها عليها قراءة ولا رواية، وتبين لي كيف وشجت هذه الرواية في الكيان المغربي فأصبحت جزءا لا يتجزأ منه حتى اشتقت منها الأسماء والألقاب فقيل لمن يتقن بعض الروايات عن نافع "نافع"[9]، ولمن يغلب عليه الاشتغال بروايتها أو اقرائها "الورشي"[10]، ولمن يتقنها وحدها "الوراشي"[11].
وبلغ الغلو مداه عند بعضهم حتى زعم أن قراءة أهل الجنة برواية ورش"[12].
وزعم آخر أنه "رأى الطلبة مناما يقرأون القرآن جماعة برواية ورش بين يدي الله تعالى في الجنة"[13].
وحسبك بهذا الغلو والهوس دليلا على مقدار انبهار بعض المغاربة بهذه الرواية إلى حد التعصب لها. ولكنك أنت بعيدا عن هذا الغلو والتعصب تستطيع أن تكتشف أثر هذه الرواية على المغاربة بصفة عامة علمائهم وعامتهم، فأنت لا تخطئ أثرا من قراءة نافع في كتابات التونسيين ومحاضراتهم وهم يذكرون النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ "النبيء" بالهمز كما هي قراءة نافع[14].
وأنت يمكنك أن تعرف موضع المغربي في الصف في الصلاة وهو يؤمن خلف الإمام بلفظ "آمين" يمد الهمزة فيها مدا وسطا أو مشبعا، وهو أثر من آثار رواية ورش، وتسمعه في الأذان والإقامة يفخم لام "حي على الصلاة" وفي دعاء الختم تسمع "الاخرة" بالمد وإسقاط الهمزة، وتسمع "النبيء الأمي" مهموزا في الأولى مخففا في الثانية، وقل مثل ذلك في لهجاتهم حينما يتحدثون عن "الأرض" و"الاخرة" وحينما يخبر المغربي أنه "يأخذ" و"يأكل" و"يؤذن المؤذن" بإبدال الهمز في كل ذلك، وحينما يذكر ما تقدمت فيه الكسرة على الراء فيرققها نحو "الكراء" "والشراء" أو تقدمت الياء الساكنة فتسمعهم يرققون الراء من "الجيران" و"الغيرة" و"السيرة" و"المسيرة" ونحو ذلك مما يعتبر مظهرا من مظاهر تأثير القراءة التي يقرأون بها وتنطبع بها ألسنتهم وطباعهم . يستوي في ذلك العالم بالتجويد والجاهل به.
ولقد شجعني على المضي في بحث هذا الموضوع ما استشعرته من خلو الساحة من موضوع مثله يسد فراغا كنت أشعر بوجوده، ألا وهو التعريف بالمدرسة المغربية في القراءة تعريفا وافيا ينتظم حركة التاريخ وتطورها معه في أعصارها المتعاقبة من زمن الفتح إلى وقتنا أو قريب منه.
ذلك أني رأيت الدعوة إلى العودة إلى الأصالة قد اتجهت إلى الجانب المذهبي في الميدان الفقهي مركزة عليه حتى كادت تجعله الواجهة الوحيدة التي تبلورت من خلالها الأصالة المغربية وعبرت عن نفسها منه الشخصية الاعتبارية والحضارية لهذا الجناح من البلاد الإسلامية.
وكنت أرى أن هذا على ما فيه من سداد في جانب منه هو في الوقت ذاته إجحاف بجوانب أخرى لا ينبغي غض الطرف عنها، وفي طليعتها "القراءة الرسمية" التي وجدتها تشكل مع المذهب الفقهي نوعا من التكامل والتلاحم لا يمكن فصمه وتجاهله أو الغض من قيمته وأثره في بناء الشخصية المتميزة ورسم معالمها الحضارية والعلمية.
فقد لاحظت أنه قد كتبت في الجانب المذهبي والفقهي البحوث والمؤلفات، وعقدت له اللقاءات والندوات، وسجلت في رصد بعض قضاياه ودراستها الرسائل الجامعية العديدة، بينما كان التقصير باديا بالنسبة لقراءة نافع عند أهل هذه المنطقة مع أنهما كانا معا جنبا إلى جنب القناتين العظيمتين اللتين تدفق منهما عطاء المدرسة المغربية، وتبلور من خلالهما إسهامها الثري في المجالين القرائي والفقهي على السواء.
ولهذا السبب كنت وأنا أتلمس الطريق في اختيار موضوع أطروحتي للدكتوراه أستشعر مقدار الحاجة إلى بحث واف يستكشف جوانب هذه المدرسة، ويتوجه على وجه الخصوص إلى إبراز أثر هذه القراءة في تحديد المسار الذي سارت فيه المدرسة في سعيها نحو إثبات الذات، والانعتاق من التبعية لغيرها، لا في الجانب الفكري والمذهبي فقط كما اعتادت الأبحاث والدراسات المذكورة أن تقف عنده، وإنما في الجانب القرائي أيضا، وذلك لما ستلاحظه من قدرة "المدرسة المغربية" في القراءة على امتلاك نموذجها الخاص وطرازها المتميز في التلاوة والأداء وغيرهما، وأن تعمل من جهة ثانية على مقاومة التأثيرات السلبية التي كانت لا تزال تفد عليها مع رواد الرحلة العلمية حتى استطاعت على عهد "الأقطاب" في أواخر المائة الرابعة ـ كما سنرى ـ أن تظهر في الميدان بطرازها المغربي القح الكامل متمثلا في نوعية خطها في الكتابة، وترتيب الحروف الهجائية والأوضاع المعتمدة في الرسم والنقط والضبط، والألوان المستعملة في نقط المصحف، والرموز التي يشار بها إلى الحركات والسكنات وعلامات التشديد والتخفيف والهمز وغير ذلك، بالإضافة إلى اعتمادها على رواية خاصة من طريق خاصة من اختيارات خاصة ظلت تجري عليها ما شاءت من التحقيق حتى انتهت منها إلى ما استقرت عليه في التلاوة والأداء.
ولقد كان لي قبل أن يستقر بي الاختيار على "قراءة نافع عند المغاربة" هوى خاص في يعسوب هذه المدرسة وواضع تصميمها في هيكلها العام الشيخ الإمام الحافظ أبي عمرو عثمان بن سعيد الداني صاحب الاختيارات التي أخذ بها المغاربة في الرسم والضبط وسائر علوم القراءة والأداء، وكنت أريد أن أجعل دراسة شخصيته من هذه الناحية موضوعا لأطروحتي، إلا أنى عندما عرضت هذا الاقتراح على السيد مدير دار الحديث وناقشه معي تفضل فاقترح علي أن أتوجه إلى دراسة هذا الأثر الذي لأبي عمرو الداني وغيره في المدرسة المغربية بصورة أوسع توفر للدراسة آفاقا أرحب وأفسح، وكان اقتراحه أن يكون العنوان كما أثبته في أول البحث: "قراءة الإمام نافع عند المغاربة"، فتلقيت اقتراحه بالقبول، فلما عرضت هذا الاقتراح على أستاذي المشرف لينظر فيه قابله بالاستحسان والارتياح، إذ كان الموضوع ما يزال بكرا لم يوفه أحد بعد ما يستحقه من الدراسة.
وأقبلت على الإعداد للموضوع الجديد، وقد خيل إلي أن الأمر لا يزيد على تغيير في العنوان، لا في الجوهر، فلما بدأت أعالج جوانب الموضوع تفتحت علي منه أبواب وشعب ما كانت يومئذ في الحسبان، وبدا لي الدرب طويلا عريضا يقع أبو عمرو الداني منه في منعرج كبير وخطير، ولكنه ليس المنعرج الوحيد، بل قبله وبإزائه وبعده مهامه فيح تحار فيهن القطا أو كما قيل:
"تكاثرت الظباء على خـراش فما يدري خراش ما يصيــــد".
وقطعت في الإعداد والكتابة بضع سنين أتقدم بالدراسة والبحث صاعدا مع الزمن أريد أن لا تفوتني حقبة ولا ناحية من نواحي المغرب الكبير دون أن أعرج عليها وأتحدث عن مستوى القراءة فيها من خلال الترجمة لقرائها والتركيز على الرحلات العلمية المنطلقة منها، حتى اتسع بي المجال، وتراحبت الجوانب والآفاق.
ولم أجد عندها بدا من إعادة النظر في الحقبة التاريخية التي يتناولها البحث، فعدت إلى أستاذي المشرف وإدارة الدار أستأذن في تقليص هذه الحقبة لأقف بالمعالجة في حدود مشارف المائة العاشرة من الهجرة على أن أعمل على إدراج القرون الباقية ضمن امتدادات آخر مدرسة معتبرة أقف بالبحث عندها لأن إشعاعها العلمي ـ كما تبين لي ـ قد انتظم سائر الآفاق في الجهات التي تنتشر فيها قراءة نافع من رواية ورش في الأقطار المغربية، فكانت الموافقة على ذلك حافزا جديدا على التركيز على الجوانب المهمة من الموضوع ومحاولة إيفائها ما تستحقه.
وأحسب أني بعملي هذا قد سددت بعض الفراغ، فجمعت أشتات المادة، ورسمت المسار العام الذي سارت فيه المدرسة المغربية في القراءة، وعرفت تعريفا كافيا بأقطابها وأئمتها ومشايخ الإقراء بها ممن كان لهم مذهب في القراءة ورسمها وضبطها وأصولها وقواعد تجويدها وأدائها، أو كان لهم مؤلفات أو منظومات أسهمت في تيسير هذه العلوم وكان لها صدى عند القراء والمتعلمين.
وكنت حريصا على أن أضع مواد البناء قبل الشروع في العمل، فاقتضى مني ذلك بضعة أعوام، أجمع الجذاذات وأسجل في المذكرات، وأقرأ في كتب التراجم والرحلات وبرامج العلماء وفهارس المخطوطات، وأقوم بجولات واسعة في المكتبة التاريخية والأدبية وكتب الطبقات المختلفة وفي بعضها المطولات التي تقع في مجلدات، وأضم ذلك كله إلى ما تجمع عندي من أراجيز ومنظومات وأسانيد وإجازات وغيرها مما أمست معه المواد الأولية جاهزة على كثرتها ووفرتها وتنوعها.
ثم أخذت أعيد النظر في التصميم الأولي الذي كنت وضعته للبحث غداة اقتراحه وتسجيله متبعا في بنائه وترتيب أبوابه وفصوله ومباحثه "المنهج التاريخي"، ومراوحا بينه من حين إلى آخر وبين "المنهج الاستقرائي" وذلك حسب ما تمليه طبيعة البحث في جوانب الموضوع.
وقد حاولت من خلال ما قدمته في هذا البحث أن أجيب عن عدد من الإشكاليات المطروحة أهمها ما يلي:
ما موقع المغاربة من التاريخ العلمي للأمة الإسلامية تعلما وتعليما وتأثيرا ؟
2- ما موقعهم بصفة خاصة في مجال القراءة وعلومها رواية ودراية ورحلة وتصنيفا وتدوينا ونشرا ؟
3-هل يمكن الحديث في هذا الصدد عن "مدرسة مغربية" لها مقوماتها البنائية وأصولها الفنية، أو عن مجموعة مدارس على الأقل يتألف من تلك المجموعة ما يمكن تسميته "المدرسة المغربية الجامعة" ذات الطراز المغربي الخاص، في مقابل "المدرسة المشرقية" أو مجموعة المدارس المشرقية المنصهرة في "مدرسة جامعة" تشترك في كثير من مقوماتها البنائية ومكوناتها الفنية على نحو ما نجده في مدرسة "الحافظ ابن الجزري" من خلال كتاب "النشر" أو "طيبة النشر" اللذين سيطر من خلالهما على ساحة الإقراء بالمشرق سيطرة مطلقة كاملة.
4- كيف استطاعت المدرسة المغربية أن تبني كيانها في هذا الجناح القاصي من البلاد الإسلامية مع اعتمادها منذ البداية على نقل "النموذج المدني" ثم "النموذج المصري" ثم انفتحت على نماذج أخرى من الشام والعراق وغيرها؟ وكيف تأتى لها أن تعبر عن ذاتها وشخصيتها دون أن تتعبدها النماذج المذكورة؟
5- أين يتجلى النبوغ المغربي وتتمثل العبقرية والإبداع عند القارئ المغربي، وهو مع هذا يتعامل في إطار سداه ولحمته الرواية والنقل؟
للإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها كان علي أن أتنقل في البحث في أبواب وفصول متناسقة الحلقات ممسك بعضها ببعض مترقيا صعدا مع تطورات القراءة منذ دخولها إلى هذه الجهات ابتداء من القيروان وأفريقية وصقلية، ومرورا بالأندلس في فترات التأسيس، وانتهاء إلى نشوء المدارس الفنية في عهد "الأقطاب"، وانسياحا معها في مختلف امتداداتها في الآفاق في حواضر إفريقية والأندلس ثم في الحواضر المغربية بعد تداعي المجد العلمي في الحواضر الأولى إلى السقوط بسبب الغزو الهمجي حينا وحركة الاسترداد الصليبية في أحيان أخرى.
وكانت لي من خلال ذلك وقفات طويلة عند بعض شخصيات هذه المدرسة أدرس معالم حياتهم العلمية في رحلاتهم ومدارسهم ومؤلفاتهم وتلامذتهم وإشعاعهم، مما أرجو معه أن أكون قد وفيتهم ما يستحقونه أو أكثر.
وقمت في هذا الإطار بالتعريف بكثير من المصنفات التي كان لها أثر ملحوظ في ساحة الإقراء، وأثبت عن كل كتاب عرفت به معلومات مفيدة، وربما عرفت ببعض الكتب المفقودة اعتمادا على بعض النصوص المنقولة عنها في بعض المصادر وذلك لما لها من أهمية وما كان لها من تأثير في موضوعها عند الآخذين بها والمعتمدين عليها.
وناقشت في خلال ذلك الكثير من القضايا، وصححت العديد من الأوهام التي كنت أقف عليها، ونبهت على عدد من قرائنا المغمورين الذين لا تكاد تجد لهم ذكرا في كتب التراجم ممن ضاعت في مجاهل التاريخ شخصياتهم وآثارهم، وبقيت في الميدان العملي اختياراتهم وآراؤهم، وخاصة في ميدان رسم المصاحف وضبطها وبعض قواعد التجويد وأصول الأداء. وأوردت مجموعة كبيرة من قصائد المغاربة وأراجيزهم في قراءة نافع بعد تصحيح متونها ومقابلتها على ما وفقت عليه من نسخها الخطية، كما أثبت بعض هذه الأراجيز التي لا أعلم لها وجــودا في أيدي الناس بعد أن طــال بحثي عنــها ـ كما تقدم ـ حتى وفق الله إلى الحصول عليها في نسخة وحيدة.
وتتبعت إشعاع تلك القصائد والأراجيز التي استعرضتها أو سقت نصوصها الكاملة، فأوردت ما تيسر لي من أسماء أو مطالع القصائد أو الأراجيز التي نسجت على منوالها معارضة لها أو شرحا أو تذييلا وتكميلا أو اختصارا لها.
ووقفت من خلال معالجة مذاهب الأئمة على عدد من الخصومات العلمية والمعارك النقدية بين علماء المدرسة المغربية، واستعرضت في آخر البحث المحور العام للأسانيد المغربية في قراءة نافع من رواية ورش، كما عقدت الفصل الأخير لخصائص التلاوة المغربية في ضوء اختيارات الأئمة الأقطاب مع التنبيه على أهم مسائل الخلاف، وبيان ما استقر عليه العمل فيها، وتوقفت بصفة خاصة عند عدد من القضايا الأدائية التي زاغت فيها التلاوة المغربية عند المتأخرين عن الطريق القاصد الذي رسمه الأئمة، وما ألف في ذلك من الرسائل والردود تصحيحا وتوجيها.
وترجمت في صلب الموضوع لمشاهير الأئمة وأصحابهم في مواضعها من البحث، وترجمت لآخرين منهم ومن غيرهم بالهوامش تراجم مختصرة أكتفي فيها في الغالب بذكر مصدر أو مصدرين رغبة في الاختصار، وربما أحلت على الترجمة دون أن أدخل في التفاصيل.
ووثقت سائر النقول التي أوردتها في البحث بتسمية المصادر أو المراجع التي استقيت منها، كما وضعت كلام غيري سواء سميت صاحبه أم لا بين مزدوجتين لأشير عقبه بالهامش إلى القائل والمصدر الناقل مع ذكر الجزء ورقم الصفحة إذا كان المصدر أو المرجع مطبوعا أو رقم الورقة إذا كان مخطوطا أو مصورا عن خزانة عامة، وأكتفي أحيانا بكتابة لفظ (مخطوط) بين هلالين إذا كان مخطوطا أو مصورا عن خزانة خاصة.
ونبهت على ما رجعت إليه من المخطوطات في الخزائن العامة غالبا بالتصريح بأسمائها، وفي أحيان أخرى أذكر رموزها كالتالي:
م خ ع = مخطوط الخزانة الـعامة بالربـاط.
م خ ح = مخطوط الخزانة الحسنية بالرباط.
م خ ت = مخطوط الخزانة العامة بتطــوان.
م خ ق = مخطوط بخزانة القــرويين بفـاس.
وأسمي في غيرها مواضع المخطوطات في مثل خزانة ابن يوسف بمراكش والصبيحية بسلا والناصرية بتمكروت والمحجوبية بسوس وأوقاف آسفي بهذه المدينة، إلى جانب الخزائن المشرقية كدار الكتب المصرية وبلدية الأسكندرية وخزانة الجامعة بالمدينة المنورة وغيرها مما حصلت منه مباشرة أو بالواسطة على عدد من المصورات أفدت منها في التعريف والدرس والبحث.
وربما رجعت في أول البحث إلى بعض المؤلفات كـ"التيسير" لأبي عمرو الداني و"الإقناع" لأبي جعفر بن الباذش وغيرهما في المخطوطات، ثم ظهرت مطبوعة فعدلت عن المخطوطات إليها في طبعاتها الجديدة.
وتخففت في أثناء البحث من الإشارة إلى مواضع الآيات أو حروف القراءة في سورها وأرقام آياتها إلا في القليل النادر، وذلك اعتبارا مني لخصوصية الموضوع، إذ لا يكون المهتم به والمتعامل معه في الغالب إلا حافظا للقرآن حفظا كاملا لا يبقى معه محتاجا إلى من يدله على موقع الآية أو الحرف من سورته وموضعها من المصحف الشريف.
كما لم أكثر من تخريج الأحاديث والآثار والشروح اللغوية إلا عندما تستدعي الحاجة شيئا من ذلك فأعلق بالهامش باختصار.
هذا، وإني بعد هذا لأزجي خالص الشكر لكل من ساعدني أو أنجدني في مضايق البحث أو أشار علي فيه برأي أو أسدى إلي فيه نصحا في الجملة، وأبتهل إلى الله جلت قدرته وتعالت كلمته أن يجعل هذا العمل عنده من الباقيات الصالحات، وأن يكتبه لصاحبه في صحائف القربات وديوان الحسنات، وأن يجازي عنه كل من قدم له يدا في الإشراف والإعداد والتوجيه والنشر وغير ذلك مما ارتبط بإنجاز هذا العمل وتيسير بلوغه إلى القراء، كما أسأله سبحانه حسن القبول والمغفرة الشاملة لي ولوالدي ولمن علمني الخير وأعانني عليه ولجميع المسلمين، والله ولي التوفيق.
لا إلـــــه غيــــره، ولا رب ســـــواه.

- د. عبد الهادي حميتو
عنوان البحث:











"قراءة الإمام نافع عند المغاربة
من رواية أبي سعيد ورش"
دراسة وبحث في مدارسها الفنية ومقوماتها الأدائية
وامتداداتها في المغرب والأندلس
إلى أواخر القرن العاشر الهجري


مـــدخــل:
تقتضي منا أصول المنهج العلمي في البحث قبل الدخول في صلب هذا الموضوع أن نزود القارئ الكريم بطائفة من المصطلحات التي سيجدها كثيرة الدور من خلاله ليكون على بينة من مدلولاتها في مواقعها من السياق، ويردد غالبها في النقول التي أستعين بها من كلام الأئمة فيحتاج القارئ إلى التوقف عندها وربما التبس عليه أمرها. وأبدأ هذا البيان بتحليل مكونات العنوان لتحديد المقاصد منها قبل الدخول في تفصيل جوانب الموضوع.
فأما قولي "قراءة نافع" فالمراد به ما ينسب إلى الإمام أبي رؤيم نافع بن عبد الرحمن المدني إمام دار الهجرة النبوية في القراءة من حروف أخذ بها في اختياره في القراءة وأصول في أدائها قرأ بها عليه رواة قراءته على اختلاف بينهم في ذلك، منها ما وافق سائر القراء السبعة وغيرهم، ومنها ما خالفهم كلا أو بعضا.
وأما قولي "من رواية أبي سعيد ورش" فهو قيد أردت به تحديد الرواية التي أريد إدارة هذا البحث عليها، وهي رواية أبي سعيد عثمان بن سعيد المصري المعروف بورش الذي اختار المغاربة روايته هذه واعتمدوها في التلاوة "الرسمية".
وأما قولي "عند المغاربة" فقيد آخر المراد به الطريق الخاص الذي أخذ به جمهورهم في هذه الرواية إلى أن اجتمع عليه الجميع، وهو طريق أبي يعقوب يوسف بن عمرو بن يسار الأزرق المدني ثم المصري عميد مدرسة ورش بمصر. وهذه الإضافة "عند المغاربة" أردت بها التوجه بالدرس إلى نمط خاص في قراءة نافع من هذه الرواية والطريق المذكورين اشتهر بنقله أئمة القراءة والأداء من المغاربة الذين رحلوا في طلب هذا الشأن وتصدروا له وعكفوا بعد ذلك على استنباط قواعده وتأصيل أصوله وعزو ذلك وتوجيهه وبيان مستنداته رواية ودراية.
ولفظ "المغاربة" نسبة شائعة الاستعمال قديما وحديثا، إلا أن مفهومها القديم كان أوسع دلالة من مفهومها في وقتنا، إذ يراد به ما يقابل "المشارقة" بوجه عام، وهذه النسبة إلى "المغارب" الأدنى والأوسط والأقصى هي كذلك باعتبار قربها أو بعدها عن عواصم المشرق العربي التي تنقلت فيها مراكز الخلافة كما أطلق عليها ذلك بعد الفتح ومضى عليه الاصطلاح في الصدر الأول ثم في سائر العصور بعده.
ثم جرى عرف القراء بعد قيام "المدرسة المغربية" في القراءة وعلومها وظهور "الطراز المغربي" في الرسم والضبط وعلوم الأداء على إطلاق هذا اللفظ "المغاربة" في مقابل "المشارقة" للتنبيه على بعض الفوارق والمذاهب التي استقل بها هؤلاء عن أولئك أو العكس، وذلك شائع كثير عند عدد من شراح "الشاطبية" من المشارقة كأبي شامة والجعبري وابن القاصح، وعند غيرهم كابن الجزري في "النشر" والقسطلاني في "لطائف الإشارات لفنون القراءات" وأحمد البنا الدمياطي في "إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر".
ومن أمثلة ذلك قول الحافظ ابن الجزري في باب الراءات من "النشر" عند ذكر "فرق" من سورة الشعراء: "فذهب جمهور المغاربة والمصريين إلى ترقيقه... وذهب سائر أهل الأداء إلى التفخيم[15].
وقال البنا في "الإتحاف" عند ذكر المد المتصل: "ذهب أكثر العراقيين وكثير من المغاربة إلى مده لكل القراء قدرا واحدا مشبعا"[16].
وربما عبر بعضهم عن "المغاربة" بـ"أهل المغرب" كقول أبي عمرو الداني "أهل المشرق"ينقطون الفاء بواحدة من فوقها، والقاف باثنتين من فوقها، و"أهل المغرب" ينقطون الفاء بواحدة من تحتها والقاف بواحدة من فوقها"[17].
وربما استعمل أهل الأندلس هذه النسبة يريدون بها أهل افريقية والمغرب الأقصى أو أهل القيروان كقول أبي عمرو الداني: "وكان قوم من "المغاربة" يرون ترقيق الراء الساكنة إذا كان بعدها ياء مفتوحة للكل وبعضهم لورش"[18]. وكقول أبي جعفر بن الباذش في مد نحو "ءامنوا" وقد تنازع القراء في هذا الأصل، فمنهم من أخذ فيه لورش بالمد الطويل المفرط، وعلى ذلك "المغاربة"[19].
فالمراد بالمغاربة عندي القراء المنتسبون إلى هذا الإطار الجغرافي بمفهومه القديم الذي يمتد في طوله من ضفة النيل بالإسكندرية من جهة المشرق إلى مدينة سلا من جهة المغرب، وينفسح عرضا عن يمين وشمال ليشمل سائر بلاد الجريد الليبية (الزاب الأعلى)، وافريقية (المغرب الأدنى) والمغرب الأوسط (الزاب الأسفل) إلى مدينة تاهرت ثم ينتظم سائر "بلاد العدوة" أو المغرب الأقصى من سبتة وطنجة في الشمال إلى بلاد تامسنا ومراكش وسلاسل الجبال وبلاد السوس الأقصى والصحراء المغربية، ويشمل في العدوة الأخرى سائر الجزر البحرية المسامتة للشواطئ المغربية كصقلية ومالطة وسائر البلاد الأندلسية[20].
فاستعمال لفظ المغرب والنسبة إليه في أكثر استعمالاته في هذا البحث يرادف مفهوم مصطلح "الغرب الإسلامي" ويشمل الأقطار الداخلة اليوم في "الاتحاد المغاربي" الذي يشمل ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريطانيا".
إلا أن هذه النسبة ستأخذ منذ أواخر المائة السادسة تنكمش لتدل على الامتداد الجغرافي الذي يعرف اليوم بـ"المغرب الأقصى"، وذلك بعد سقوط صقلية وتفكك وحدة المغرب السياسية في القرن السابع الهجري وسقوط الحواضر الأندلسية تباعا إلى أن كان الجلاء العام عنها، وهكذا يضيق مفهوم هذه النسبة منذ هذا العهد ليتطابق فيه المفهوم المراد بالمفهوم السياسي الحالي.
ولفظ "قراءة" الوارد في أول العنوان يراد به كما تقدم ما ينسب إلى الإمام نافع من حروف وأصول أدائية. ولكن هذا اللفظ كثير الدور في أثناء البحث وقد يراد به غير هذا المعنى، وقد يعبر بدلا منه بلفظ "رواية" أو بهما لمعنى خاص كقولنا: "قرأ نافع من رواية ورش"، وربما قلنا: "من طريق "التيسير" أو "الشاطبية" فناسب الأمر أن نذكر بالفروق بين هذه المصطلحات وغيرها مما يكثر استعماله في البحث.
وقد تعرض لبيان ذلك أكثر المؤلفين في القراءة لضرورة معرفة القارئ بالفروق المذكورة، إذ يتوقف عليها التمييز بين مواضع الاتفاق والاختلاف بين القراء والرواة والطرق عنهم.
وقد نبه الشيخ أبو الحسن علي النوري الصفاقسي في "كتاب غيث النفع في القراءات السبع "على هذه الفروق فقال:
"إن كل ما ينسب لإمام من الأئمة فهو قراءة، وما نسب للآخذين عنه ولو بواسطة فهو رواية، وما نسب لمن أخذ عن الرواة وإن سفل فهو طريق، فنقول مثلا: "إثبات البسملة ـ يعني بين السورتين ـ قراءة المكي، ورواية قالون عن نافع، وطريق الاصبهاني عن ورش. قال:
"وهذا ـ أعني القراءات والروايات والطرق ـ هو الخلاف الواجب، فلا بد أن يأتي القارئ بجميع ذلك، ولو أخل بشيء منه كان نقصا في روايته.
"وأما الخلاف الجائز فهو خلاف الأوجه التي على سبيل التخيير والإباحة، فبأي وجه أتى القارئ أجزأه، لا يكون ذلك نقصا في روايته، كأوجه البسملة، والوقف بالسكون والروم والإشمام، وبالطويل والتوسط والقصر في نحو "متاب" و"العالمين" و"نستعين" و"الميت" و"الموت"[21].
فنحن إذن في موضوعنا نريد هذه المعاني كلما استعملنا هذه الألفاظ، إلا أننا ربما وجدنا بعض المؤلفين لا يراعي هذا الاصطلاح أحيانا فيستعمل "قراءة" في مكان "رواية" فنتركه على لفظه كما هو، كقول ابن الباذش مثلا:
"فأما "ألـم": الله" في قراءة الجماعة و"ألـم أحسب الناس" في قراءة ورش فمن أهل الأداء من يراعي اللفظ فلا يزيد في تمكين الياء من هجاء "ميم" فيهما لتحرك الميم"[22].
والطريق الذي نعنيه في بحثنا كلما ذكرنا "التلاوة المغربية" هو الطريق التي عليها الأداء والأخذ. ولفظ "طريق" يذكر ويؤنث، "فأهل الحجاز يؤنثون، وبنو تميم يذكرون"[23].
والمراد بـ"المدارس" في عنوان البحث مجموعة الخصائص البنائية والفنية التي تمثل أسلوب إمام معتبر من أئمة القراءة ومناحيه في اختياراته في الأداء وغيره، وكذلك يستعمل على سبيل التوسع فينتظم مجموعة المدارس الناشئة في جهة أو منطقة على أسس تركيبية متشابهة أو متقاربة فيطلق على مجموعها اسم مدرسة، وذلك ما نريده حينما نعمم فنقول "المدرسة المغربية" أو "المشرقية" أو "القيروانية" أو "الأندلسية"، فإذا أردنا المعنى الأول كقولنا "مدرسة أبي عمرو الداني" أو "مدرسة أبي الحسن الأنطاكي" تحرينا الدقة اعتبارا بجملة المقومات الفنية التي تكون الطابع الخاص به واتجاهه العلمي والفكري والأدائي.
وتكملة لما في العنوان نورد هنا مجموعة من الألفاظ الاصطلاحية الأخرى التي تعتبر في هذا الفن بمنزلة الأدوات التي تساعد القارئ والمؤلف والموجه على التعبير عن مراده، ويعتبر العلم بمدلولاتها بمنزلة المفاتيح الضرورية لولوج الميدان.
فمن ذلك لفظ "التلاوة" و"الأخذ" و"الأداء" و"العرض" و"القارئ" و"المقرئ" و"المقرأ" و"الحروف" و"الأصول"، ومصطلحات أخرى نعرف ببعضها في مكان ورودها من البحث.
فالتلاوة مصدر تلا إذا قرأ الحروف والكلمات متتالية، ومنه قوله تعالى "اتل ما أوحي إليك من ربك".
وقد حاول الشيخ محمد بن علي بن يالوشة التونسي ـ رحمه الله ـ بيان الفرق الدقيق بين لفظ التلاوة والنظائر الكثيرة الاستعمال في معناه فليرجع إليه في موضعه[24].
كما أحصى الإمام أبو الأصبغ عبد العزيز بن علي الأندلسي المعروف بابن الطحان المتوفى بحلب سنة (ت 560) أو حولها[25] جملة " الأصول الدائرة في القراءة على اختلاف القراءات المتعاقبة على أنواع الروايات" فقال: "عشرون أصلا يحققها الإقراء، ويحكمها الأداء" فسماها فذكر منها "البسملة" و"المد" و"اللين" و"القــصر"
و"الإدغام" و"الإظهار" و"تحقيق الهمز" و"تخفيفه" و"الإمـالة" و"التغليط" و"الترقيق" الخ[26].

وهناك مصطلحات أخرى كالحدر والتدوير والتحقيق لأنواع الأداء ومراتب التلاوة كما سيأتي، والإفراد والجمع، والإرداف، والتصدير والتشهير و"الرمزيات" و"الرسميات" و"الحطيات" ومصطلحات أخرى كثيرة ترد في أثناء البحث ننبه عليها في مواضع ذكرها بعون الله.
ثم التعويل بعد هذا على فطنة القارئ الكريم وحذقه في التعامل مع لغة هذا الفن الذي يفتقر كسائر العلوم والفنون إلى لغة خاصة تفي بالتعبير بحقائقه، وتؤدي عن مقاصده ومعانيه.
والله عز وجل المسؤول أن يوفقنا للسداد، وأن يسلك بنا وبسائر المسلمين سبيل الخير والرشاد وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين.

[1]- هو من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، وفسر بأنه الذي ختم به الأنبياء فلا نبي بعده يعقبه ويتبعه.

[2]- معالم التنزيل للبغوي: 1/37.

[3]- إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر للشيخ أحمد بن محمد البنا الدمياطي 1/67.

[4]- رسالة التلخيص لوجوه التخليص لأبي محمد علي بن حزم الأندلسي (مجموعة رسائل ابن حزم 3/161-162).

[5]- أي أوائله وأواخره.

[6]- ينظر الخبر في إنباه الرواة على أنباه النحاة لأبي الحسن الفقطي 4/134-135 وجمال القراء وكمال الإقراء لأبي الحسن السخاوي 2/453.

[7]- من الرسائل التي لامست الموضوع رسالة السيد عبد السلام الكنوني وهي بعنوان "المدرسة القرآنية في المغرب" وقد طبع الجزء الأول منها منذ زمان. ومنها مقدمة تحقيق كتاب "إيضاح ما ينبهم على الورى من قراءة عالم أم القرى" لأبي زيد بن القاضي تحقيق السيد بلوالي محمد، ومنه نسخ مرقونة بخزانة دار الحديث بالرباط. ومنها الدراسة القيمة التي صدر بها الدكتور الحسن وكاك لكتاب "تقييد وقف القرآن الكريم "للشيخ محمد بن أبي جمعة الهبطي، وقد طبع مؤخرا.

[8]- يمكن الرجوع إلى قائمة الرسائل الجامعية في آخر عدد من هذه السلسلة.

[9]- لقب بهذا اللقب القارئ سعيد بن محمد النحوي أبو عثمان القرطبي لقبه به كما سيأتي الشيخ أبو الحسن الأنطاكي نزيل قرطبة لكثرة ما قرأ عليه القرآن بحرف نافع، فقال له: "أنت نافع" وسينفع الله بك، فجرت عليه (يمكن لمزيد من المعرفة به الاطلاع على ترجمته في موضعها من البحث.

[10]- نسب هكذا من قراء قرطبة محمد بن أحمد بن عبد الأعلى "نسب إلى قراءة ورش لاشتهاره بها" نفح الطيب للمقري 2/413.

[11]- لا يزال هذا الاستعمال شائعا إلى اليوم في البوادي المغربية ويعبر به عمن يتقن هذه الرواية أو من يعرفها وحدها دون غيرها من الروايات.

[12]- ينظر في ذلك حاشية الشيخ يوسف بن سعيد السفطي المالكي على متن الجواهر الزكية في حل ألفاظ العشماوية".. وكذا "إتحاف القراء المتحزبين" للحسن بن محمد ابعقيلي السوسي 56.

[13]- كتب هذا الهراء الشيخ المعروف بالحاج الحسن بن محمد بن أبي جمعة البعقيلي الولتيتي السوسي نزيل الدار البيضاء في رسالة له بعنوان "إتحاف القراء المتحزبين"، وهي رسالة واسعة الانتشار في أيدي أتباع الطريقة التيجانية كتبها في أوائل جمادى الأولى عام 1364هـ وأسلوبها مهلهل أقرب إلى كلام العوام.
ومما جاء فيها قوله: "فحفاظ كتاب الله يدخلون الجنة متحزبين تلاوة معلومة برواية ورش، وذلك كشفنا ووجداننا" ص 56.

[14]- من أمثلة ذلك بعض الدروس التي كان يلقيها الشيخ محمد الفاضل بن عاشور بالمجالس الحسنية بالرباط.

[15]- النشر 2/103.

[16]- إتحاف فضلاء البشر 1/158.

[17]- المحكم في نقط المصاحف 37.

[18]- نقله الجعبري في "كنز المعاني" عند قول الشاطبي: "وما بعده كسر أو الياء فما لهم بترقيقه نص وثيق فيمثلا".

[19]- الإقناع لابن الباذش 1/474.

[20]- هذا التحديد والتفصيل مستفاد من "البيان المغرب" لابن عذاري المراكشي 1/5-6 وكتاب "الاستبصار في عجائب الأمصار" لمؤلف من أهل السادسة ومن أهل مراكش 110-139 وما بعدها وكتاب "صفة جزيرة الأندلس الجزء المقتبس من "كتاب الروض المعطار" للحميري 1-2. والمعجب للمراكشي 13-18.

[21]- غيث النفع لأبي الحسن النوري بهامش سراج القارئ لابن القاصح 33-35

[22]- الإقناع 1/479-480.

[23]- معاني القرآن للأخفش 1/167.

[24]- انظر كتابه الفوائد المفهمة في شرح الجزرية المقدمة: 20.

[25]- ستأتي ترجمة ابن الطحان في أصحاب أبي الحسن شريح الرعيني-.

[26]- الإحصاء المذكور في كتابه المسمى "مرشد القاري إلى تحقيق معالم المقاري" وهو ما يزال مخطوطا أشار بعضهم إلى وجود نسخة منه مخطوطة في تشيستر بيتي برقم 3925 ذكره الدكتور حسن علي البواب في تحقيقه لكتاب ابن الجزري "التمهيد في علم التجويد" 53. وقد نقل مادة هذا الكتاب أيضا القاضي أحمد بن عمر بن محمد بن أبي الرضا الحموي (ت 791) في كتابه المسمى " القواعد والإشارات في أصول القراءات" ابتداء من ص 42 وأشار إليه في مواضع منه ص 47-50.
يتبـــــــــــــع

sgsgm: rvhxm hgYlhl khtu uk] hglyhvfm lk v,hdm Hfd sud] ,va hgYlhl hglyhvfm v,hdm sud] sgsgm uk] rvhxm khtu









التوقيع


إن عشت فعش حراً
أو موت كالأشجار وقوفاً

 

التحكم

  

رد مع اقتباس
قديم 01-07-2010   رقم المشاركه : 2
المعلومات الشخصية
نعيم البيلي
:: مشرف ملتقي الطلاب ::
 
الصورة الرمزية نعيم البيلي








الحالة
نعيم البيلي غير متواجد حالياً

 علم الدولة :

مشاهدةالبومات صور نعيم البيلي


للتواصل

افتراضي

تمـهيـد:
لا يستطيع أحد في نظري أن يماري في مجال تفوق المغاربة في حفظ القرآن والعناية البالغة بعلوم القراءة، وإحراز قصب السبق في مضمار الرسم والضبط والمعرفة بوجوه القراءات وطرقها حتى قيل: "ان علم القراءات هو الميدان الوحيد الذي سيطر عليه المغاربة سيطرة تامة"[1] وان المتتبع لتاريخ القراءات في هذه المناطق، والمتصفح لتراجم القراء في كتب الطبقات، لا يخطئه أن يدرك هذه الحقيقة، ولا أن يجدها ماثلة واضحة، وانه ليزداد يقينا بها كلما تقدم وتدرج في الحقب التاريخية، حيث يلاحظ بجلاء استيلاء أئمة القراء في المغرب على الأمد الأقصى في تحقيق القراءات وتحرير الروايات والطرق، والرحلة في طلبها إلى الآفاق، والعكوف عليها بالدرس والتصنيف والتأليف، وتقريبها من الطلاب والمتعلمين بالبسط والتيسير والتعريف نظما ونثرا، إلى الحد الذي استأثر معه أئمتهم لقرون طويلة بمراكز الصدارة، واستحوذوا من خلال مؤلفاتهم فيها وقصائدهم السائرة في كل فرع من فروعها على ميدان القراءة وكراسي الإقراء في المغرب والمشرق على السواء، بل تم لهم ذلك حتى في أعظم المدارس التي تخرجت منها طلائعهم الأولى في الحجاز ومصر والشام وغيرها.
وما تزال شواهد هذا النبوغ حية ماثلة إلى اليوم في مؤلفاتهم الجامعة التي وصلت إلينا، أو وصلت إلينا أصداؤها في هذه العلوم والفنون، والتي ما تزال حتى الساعة معالم نيرة يهتدى بها عند علماء هذا الشأن، ويعتمد عليها في جميع ما يتصل بالقراءة والتجويد والرسم والضبط والوقف والابتداء ومعرفة عدد الآي وغير ذلك، وخاصة من لدن الهيئات العلمية التي تتولى مراجعة المصاحف الشريفة وإعدادها للطبع والنشر في كافة الأقطار الإسلامية. وما تزال أحفل كتب المتأخرين بذكر مذاهب القراء كالنشر لابن الجزري ولطائف الإشارات لأبي العباس القسطلاني، وإتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر للبناء الدمياطي وغيرها من أصدق الشواهد على ما ذكرناه لأئمة القراء بالمغرب من شفوف في هذا الميدان، ونبوغ فيه على الأقران، كما تفصح عن ذلك أسماء مصنفاتهم التي ظلت وما تزال عمدة كل باحث، ومنهل كل وارد، ورصيد كل قارئ، إذ كان أقصى ما يطمح إليه القارئ أن يصل طريقه في القراءات بطرقهم، وأن يحظى في رحلته العلمية بسماع بعض مؤلفاتهم والإجازة ببعض قصائدهم ومصنفاتهم.
وتمهيدا منا لإعطاء صور زاهية عن هذا التفوق وذلك النبوغ، لاسيما فيما يتصل بقراءة الإمام نافع بن أبي نعيم إمام دار الهجرة النبوية في القراءة، من رواية أبي سعيد عثمان بن سعيد ورش رائد هذه القراءة وحامل لوائها في مصر، نرى من المفيد أن نقدم بين يدي ذلك حديثا موسعا نقف من خلاله على معالم من تاريخ المدرسة القرآنية بالمغرب من أول الفتح الإسلامي لهذه الديار، إلى حين تعرفها على قراءة نافع على أيدي روادها، واعتماد المغاربة لها قراءة رسمية جامعة، وذلك حتى يتأتى لنا بناء هذا البحث بناء تصاعديا نراعي فيه المسار التاريخي الذي سلكته القراءة على امتداد العصور الإسلامية، بقصد وضع هذه القراءة التي اخترنا إدارة هذا البحث حولها في إطارها الزماني والمكاني، باعتبارها القراءة المغربية المختارة من جهة، واعتبارها أيضا إحدى القيم العليا التي تشكل منها الطراز المغربي وتبلور من خلالها إسهامه في بناء الحضارة الإسلامية في هذه الجهات، وهي حضارة تعرضت مع الأسف لكثير من المعوقات حالت بينها وبين الحفاظ على وحدتها وامتداداتها. فضاع جهادها في غمار الفتن الحالكة والعهود المظلمة، ولم يبق منها في بعض الجهات إلا الذكريات، حتى وصفها بعض شعراء المشرق بحق أو بغير حق بقوله:
"حضارة رقدت فيها السيوف على أغمادها، وأفاقت فوقها الكتب"[2]
وهدفنا من هذا البحث أمران أساسيان:
أحدهما محاولة إبراز مظاهر النبوغ المغربي في هذا الجانب الرفيع من الثقافة الإسلامية، وتقدير مدى إسهام المغاربة في خدمة كتاب الله والتبريز في علومه، والحفاظ عليها عبر العصورإلى اليوم.
وثانيهما التعرف على المسار الذي سارت فيه قراءة نافع في الجهات المغربية في زحمة القراءات المأثورة الأخرى، وكيف كانت أحد أهم العوامل التاريخية والحضارية التي ساعدت على تعميق الإحساس بالوحدة الفكرية والمذهبية بين الأقطار والجهات المغربية عبر القرون الماضية، وتوثيق الروابط بين أصقاعها المترامية بصورة مكنتها من الحفاظ على شخصيتها الاعتبارية، والصمود في مواجهة مختلف التيارات المذهبية والفكرية المتعاقبة التي غزتها في مختلف العهود.
ولسنا نعني هنا أننا سنقف على الأحداث السياسية والاجتماعية والتاريخية مؤرخين ومفصلين، وإنما نعني أن تتبعنا لتطور القراءة في المناطق والجهات، يقتضي منا بين الحين والآخر، أن نلم ببعض الأحداث التاريخية التي كان لها إلى جانب أبعادها السياسية والاجتماعية في المناطق المغربية، أبعاد مماثلة في التأثير على حركة الإقراء وتوزيع القراء في الرقعة الفسيحة الممتدة عبر الجهات المغربية في افريقية والأندلس والمغرب الأقصى، ثم في الامتدادات المشرقية بعد ذلك، وخصوصا بعد تداعي الحواضر الأندلسية إلى السقوط وانفراط عقد الوحدة السياسية بين الأقطار المغربية، وسوف نرى أن هذه الأحداث المؤلمة كثيرا ما كانت حافزا للقراء على الهجرة من هذا القطر إلى ذلك، والتنقل عبر البلاد، في ظروف بالغة الحرج في كثير من الأحيان، إلا أن الغريب في الأمر أن ذلك كان كثيرا ما يجري لصالح القراءات، إذ لا يكاد القارئ يغادر بلده، حتى يجد الترحيب الزائد والاستقبال الحفي في غيره، مما يتألق معه نجمه أكثر وأوفر مما كان لو بقي في بلده، وسوف نرى مصداق ما ذكرناه مع طائفة من الأئمة الذين اضطرتهم الفتن والقلاقل إلى النزوح عن ديارهم، كيف أنهم سرعان ما استعاضوا منها المنازل العالية والدرجات الرفيعة في الديار التي احتلوها في البداية مهاجرين ولاجئين.
وقبل أن نمضي قدما في الحديث عن مظاهر هذا النشاط، وكيف تبلور في مدارس القراءات من خلال جهود أولئك الأئمة وآثارهم في القراءة على العموم وفي قراءة نافع على الخصوص، تقتضي منا طبيعة البحث الإلمام بأولى الخطوات التي خطتها المسيرة القرآنية في الغرب الإسلامي، واستجلاء معالم الطريق الذي عبرت منه طلائع القراءات في رحلة العبور إلى هذه الديار، وذلك من خلال الفصول الأربعة التالية
الفصل الأول:
المدرسة القرآنية في الغرب الإسلامي
ومؤسساتها ومقوماتها التعليمية
يرتبط تاريخ المدرسة القرآنية في الأقطار المغربية بتاريخ دخول الإسلام وانتشاره بها ذلك لأن الفتح الإسلامي إنما هو في حقيقته تمهيد للبلاد وإزالة للعوائق التي تحول دون بلوغ دعوة القرآن إلى العباد، وتحقيقا لهذه الغاية، كانت الدعوة إلى كتاب الله شعار الفاتحين من الصحابة والتابعين، والتعليمات النبوية والتوجيهات الرسمية التي كانت توجه إلى قادة الفتح وإلى الدعاة على حد سواء كانت كلها تلتقي على الدعوة إلى كتاب الله والعمل به، وتأمر بالمسارعة إلى تقديمه للناس بعد تحقق الاستجابة لدعوته والإذعان له، وهكذا نقرأ في السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم "لما بعث خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، أمره أن يدعوهم إلى الإسلام ثلاثا قبل أن يقاتلهم، فإن استجابوا فليقبل منهم، وإن لم يفعلوا فليقاتلهم، فخرج حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وبذلك أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ان هم أسلموا ولم يقاتلوا"[3].
وفي السيرة أيضا نقرأ أنه لما بعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عمرو بن حزم إلى اليمن داعيا زوده بهذا الكتاب المتضمن لبيان مهمته:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا بيان من الله ورسوله، يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، من محمد رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن، ويفقههم في الدين، وينهى الناس فلا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر"[4].
وهكذا كانت سيوف الفتح محكومة بدعوة القرآن وتعاليم النبوة، وليست متروكة للأهواء فكان "قوام الدين بالمصحف والسيف"[5]، جريا على السنن القويم والمنهاج المستقيم الذي رسمه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للجهاد فيما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "أمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نضرب بهذا ـ يعني السيف ـ من عدل عن هذا ـ يعني المصحف ـ"[6].
ولا يخفى ما كان لهذه السيرة من أثر في نشر الإسلام وعموم دعوة القرآن وتقبل الكافة لها تقبلا سريعا، وبذلك "انتشر الإسلام في أرض العرب كلها، وتعدى إلى الممالك المصاقبة لهم كممالك الروم والعجم والقبط والحبش وغيرهم من ممالك الأطراف"[7].
وهكذا كان القرآن الكريم يسير حيثما سارت راية الفتح والجهاد، وسرعان ما كان يقبل أهل البلاد المفتوحة على تعلمه والتفقه في أحكامه، وكان الخلفاء وأولياء الأمور يجعلون العناية بتعليم كتاب الله رأس ما يهتمون به في الأقاليم المفتوحة عقب فتحها، كما تشهد بذلك التعليمات الرسمية.
فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يبعث إلى أهل الولايات بالشام والعراق قائلا: "إنما بعثت عمالي إليكم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم"[8].
وهذا عامله على البصرة أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يشرح لأهل البصرة أسس مأموريته فيقول: "ان أمير المؤمنين بعثني إليكم أعلمكم كتاب ربكم وأنظف طرقكم"[9].
ولم يكن نصيب البلدان المغربية المفتوحة من هذا دون نصيب غيرها من البلدان المفتوحة قبلها، بل ان تأخر فتحها عن معظم البلدان المشرقية قد أعطاها فرصا أقوى للاستفادة من هذه العناية المبذولة، وذلك بسبب تفرغ كثير من فقهاء الصحابة وقرائهم لهذا الأمر، ومشاركتهم الواسعة في الحملات الجهادية التي كانت توجه إلى هذه الجهات، انطلاقا من بلاد مصر التي تم فتحها مبكرا في أواخر خلافة عمر.
وان المتتبع لأخبار هذه الفتوحات في المصادر التاريخية لا يكاد يجد حملة من تلك الحملات التي وجهت نحو إتمام الفتح في جهات افريقية، إلا وجدها تضم جماعة من المعدودين في قراء الصحابة.
ففي أولى هذه الحملات كان عمرو بن العاص رضي الله عنه تمكن بعد إتمام فتح بلاد مصر من الوصول إلى برقة "فصالحه أهلها على الجزية، ثم سار إلى طرابلس فحاصرها وفتحها عنوة"[10].
وكان عمرو نفسه من المعدودين في القراء، وممن "وردت عنه الرواية في حروف القرآن"[11].
وفي سنة سبع وعشرين كانت الحملة الثانية على افريقية بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح عامل عثمان ـ رضي الله عنه ـ على مصر، "فغزاها وافتتحها"[12].
وتطنب المصادر التاريخية في عدد من خرج معه من فضلاء الصحابة في هذه الحملة فتذكر فيهم "عبد الله بن الزبير، وأبا ذر الغفاري، وعبد الله بن عباس، ومسور بن مخرمة، والمقداد بن الأسود، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وعبد الرحمن بن صبيحة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وأخويه عبيد الله وعاصما، والسائب بن أبي وداعة، والسائب بن عامر بن هشام، وبسر بن أرطاة، ومع كل واحد منهم جماعة من قومه ..."[13].
وذكر أن تعداد هذا الجيش كان عشرين ألفا أكثرهم من الصحابة"[14].
وعن سليمان بن يسار[15] ـ وهو من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة في زمن نـافع ـ قال:
"غزونا افريقية مع معاوية بن حديج ومعنا بشر كثير من أصحــاب رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم" [16].
وقد استمر الفتح في اتجاه الجهات الداخلية من المغرب إلى زمن معاوية رضي الله عنه، حيث عقد لعقبة بن نافع على المغرب سنة خمسين من الهجرة"[17]، فتوغل في الفتح لإتمام ما تبقى من الجيوب والمعاقل المنيعة وقد ذكروا أنه وصل إلى افريقية في عشرة آلاف من المسلمين، وكان في عسكره ثمانية عشر من الصحابة[18]، وربما تزايد هذا العدد بعد ذلك إذ ذكر أبو العرب عن بعض المحدثين أن عقبة بن نافع لما دخلها كان معه خمسة وعشرون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم[19]. ولا شك أن المناطق المغربية قد استفادت استفادة جلى من دخول هذا الحشد من الصحابة ومن معهم من التابعين فيما يخص الإرشاد والتعليم إلى جانب وظائف الإمامة في الصلاة وغير ذلك، وقد اهتمت المصادر التاريخية التي اهتمت بهذه الحقبة بذكر أسماء مشاهير من دخل المغرب من الصحابة والتابعين يمكن الرجوع إلى قوائمهم في تلك المصادر المطولة[20].
ولا شك أن قسما كبيرا من هذا العدد قد أطال المقام بهذه الجهات حتى أخذ عنه، وفيهم من أدركته الوفاة في بعضها على نحو ما يذكرون عن المنيذر الافريقي رضي الله عنه الذي أقام بافريقية حتى غلب عليه هذا الاسم، وعاش بها حتى شهد فتح الأندلس بعد التسعين من الهجرة وربما دفن في بعض مدنها[21].
ولا غرو أن اهتمام هذه المصادر بدخول الصحابة إلى هذه الجهات له مغزاه الخاص، فلقد كانوا ـ رضوان الله عليهم ـ مادة الإسلام الأولى وحملة الكتاب ومعلمين للأجيال الحلال والحرام، والقائمين على حدود الله علما وعملا وتوجيها، لاسيما في معسكرات الجهاد التي كانت يومئذ أشبه بمدارس متنقلة، وكان الرجل يطرق الفسطاط طروقا فيسمع لأهله دويا كدوي النحل[22] .
لقد كانت قراءة القرآن والتهجد به وتعلمه وتعليمه الشغل الشاغل لهم لاسيما في فترات الاستجمام والراحة، ولهذا كان تسجيل دخول الصحابي إلى بلد من البلدان مثار اهتمام خاص. وذلك لما كان يترتب على دخوله من آثار في التعليم والتوجيه وحفز الهمم على التفقه في الدين ومعرفة حدوده وأحكامه، ولذلك كان الاهتمام كبيرا بإرسال هذه الكفاءات مع الجند وانتدابها من لدن الخلفاء للقيام بمهام القيادة والإمامة والتعليم والتوجيه وغير ذلك من الوظائف الدينية.
وقد توجهت همم الفاتحين منذ البداية إلى العمل على تحفيظ القرآن للمغاربة ونشره بينهم وتعميم تعليمه في الجهات والأقاليم، وقد سلكوا لتحقيق ذلك أكثر من سبيل، ويمكن للباحث أن يتمثل عملهم في ذلك فيما أخذوا به من الوسائل التالية:
أ ـ في بعثات التوجيه والإقراء.
ب ـ في تأسيس الربط الجهادية وتعميرها والإشراف على التعليم فيها.
ج ـ في بناء المساجد الجامعة والخاصة وتنصيب الأئمة والمقرئين بها.
د ـ في إحداث مكاتب ومحاضر لتعليم القرآن وتنظيمها وتعميمها.
هـ ـ في العناية باستنساخ المصاحف الشريفة وتجويدها ونشرها.
وسنقف عند كل عنصر منها وقفة خاصة، لإعطاء صورة تقريبية عن عملهم من خلاله دون إفاضة في التفاصيل.


أ*- بعثات التوجيه والإقراء في عهد الصحابة والتابعين
كان الصحابة رضوان الله عليهم يدركون أن أنجع الوسائل وأنفعها في تثبيت الإسلام وتعميق الإيمان في النفوس، هو تعليم القرآن ونشره وتعميمه، بل كانوا يعدون ذلك أفضل الجهاد، انسجاما مع الأحاديث النبوية في ذلك والتي تجعل الاشتغال به تعلما وتعليما أفضل الأعمال، وتعد خير أفراد الأمة من تعلم القرآن وعلمه[23]. ولهذا لم يكونوا يجدون لأنفسهم عذرا في التخلف عن الخروج في حملات الجهاد إلى مختلف الجهات، حتى مع تقدم السن، والعجز عن البلاء الحسن في القتال، إذ كانوا يعتبرون حركة الجهاد تعبئة عامة لا يغني فيها مقام الجندي في الميدان، عن مقام القارئ والمرشد في المعسكر والرباط، ولقد قيل للمقداد بن الأسود ـ رضي الله عنه ـ وقد شوهد جالسا على تابوت في معسكر الجند بمدينة حمص عقب فتح الشام، وذلك بعد أن امتدت به السن، فقيل له: أنت اليوم من أهل الأعذار، فقال: "أتت علينا البحوث"[24] مشيرا إلى قول الله تعالى في هذه السورة:
"انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون"[25].
ولقد كانت هذه الكفاءات التعليمية تزود حملات الجهاد بروح إيمانية عالية، وكان يتطوع فيها للتعليم والتوجيه مجموعات من الصحابة والتابعين يكون عليها الاعتماد في الأمور التي ترجع إلى التعليم الديني، وكان فيهم من ينتدب رسميا من دار الخلافة مما يمكن تسميته ببعثات الإقراء والتعليم المنظم، ومن أهم تلك البعثات لهذا العهد في المناطق المغربية في زمن الفتح:


1- بعثة عقبة بن نافع الفهري
وهي بعثة دخلت المغرب معه في ولايته الثانية زمن يزيد ين معاوية سنة اثنتين وستــين من الهجـــرة، فرحل من الشــام في اتـجاه المغــرب، ومعه خمــسة وعشرون من
أصــحاب النبي صلى الله عليه وسلم[26].
وربما كان من رجال هذه البعثة أبو منصور الفارسي القارئ والد يزيد بن أبي منصور التابعي، وكانت له صحبة على اختلاف في ذلك بين العلماء[27]، وقد ذكروا أنه كان فقيها قارئا للقرآن، متفننا في العلم، يروي عن عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وابن عمر، قدم افريقية وسكن القيروان إلى أن مات بها[28].
ويتجلى مقدار اهتمام عقبة بن نافع بنشر القرآن وتعليمه وتعميمه في الوصية التي خلفها لأولاده حين عزم على الخروج للغزو حيث "دعا بأولاده فقال لهم: إني بعت نفسي من الله، وما أدري ما يأتي علي في سفري، ثم قال: أوصيكم بثلاث خصال فاحفظوها ولا تضيعوها، إياكم أن تملأوا صدوركم بالشعر وتتركوا القرآن، فإن القرآن دليل على الله عز وجل"[29].
ومن المأثور في كتب التاريخ المغربي للفتح أن عقبة لما أنهى مهمته ببلوغ الشاطئ الأطلسي في الغرب وقرر العودة من حيث أتى، عين جماعة من أصحابه يعلمون الناس القرآن ويفقهونهم في الدين وجعل على رأسهم شاكر بن عبد الله[30] صاحب الرباط المشهور على مراحل من مراكش[31].

2- بعثة حسان بن النعمان
أما ثانية أهم البعثات في هذا الشأن فهي البعثة التي رافقت حسان بن النعمان في دخوله إلى الغرب، وقد قدم افريقية واليا عليها لعبد الملك بن مروان في سنة ثمان وسبعين[32].
ونشير إلى أن هذا الوالي قد جاء إلى المغرب بعد اختلال الأحوال وانتقاض البربر على المسلمين بعد مقتل عقبة بن نافع وعجز خلفه عن رأب الصدع ورد الأمر إلى نصابه، فاستطاع حسان بما أوتي من حنكة في القيادة أن يقضي على الأحلاف البربرية ويبدد شمل المعارضة المعتصمة بالجبال بزعامة الكاهنة التي عزمت على إجلاء العرب من افريقية، ويذكر أنه لما تخلى كثير من أحلافها عن نصرتها راجعت الإسلام، فاستصفى حسان من جندها وغيرهم من البربر الأجلاد يجاهدون مع العرب فأجابوه إلى ذلك وأسلموا على يديه[33]. وعقد هذه المؤاخاة بين أجناد العرب والبربر، "وعهد إلى ثلاثة عشر فقيها من كبار التابعين بتعليم القرآن وأصول الإسلام واللغة العربية"[34].
3- بعثة موسى بن نصير
ثم كانت البعثة الثالثة التي واصل بها الخلفاء في المشرق هذا العدد، وهي البعثة التي يقترن ذكرها بالوالي الجديد موسى بن نصير، وكان قدومه إلى افريقية بعد انسحاب حسان عنها معزولا، الأمر الذي خلف فراغا هائلا رجع معه الأمر إلى ما كان عليه من المخالفة على الولاة، وخصوصا في الجهات الداخلية والمعاقل الأطلسية، فلما كانت سنة ست وثمانين وولي الخلافة الوليد بن عبد الملك كتب إلى عمه عبد الله بن مروان واليه على مصر بولاية موسى بن نصير افريقية والمغرب، وقطعها عن عمه، وكانت أكثر مدن افريقية خالية باختلاف البرابر عليها[35].
ثم خرج موسى غازيا من افريقية إلى طنجة، فوجد البربر قد هربوا إلى الغرب خوفا من العرب فسار وراءهم حتى بلغ السوس الأدنى وهو بلاد درعة، فاستأمن إليه البربر وأطاعوا وولى عليهم واليا[36] "واستعمل مولاه طارقا على طنجة وما والاها في سبعة عشر ألفا من العرب واثني عشر من البربر، وأمر العرب أن يعلموا البرابر القرآن، وأن يفقهوهم في الدين" [37].
والذي يهمنا هنا ما جاء في المصادر التاريخية من أنه اختار من جنده سبعة عشر رجلا من القراء والفقهاء وندبهم إلى سائر الجهات يعلمون القرآن وشرائع الإسلام[38].
ولم تتعرض المصادر لتسمية أولئك القراء والفقهاء، إلا أن اهتمامهم بذكر عددهم يشير إلى أنهم كانوا في مهمتهم متمايزين عن غيرهم ممن يتطوعون بالقيام بهذه الشؤون، وربما كان فيهم التابعي الجليل عبد الرحمن بن رافع التنوخي الذي قيل انه أول من استقضي بالقيروان بعد بنائها ولاه عليها موسى بن نصير سنة ثمانين[39].
وربما كان منهم صالح بن منصور المعروف بالعبد الصالح الذي يذكر ابن عذاري أنه دخل المغرب في الافتتاح الأول زمن الوليد بن عبد الملك، فنزل في بني تمسمان وعلى يديه أسلم بربرها وهم صنهاجة وغمارة[40] وحفيده سعيد بن إدريس بن صالح هو باني مدينة نكور[41].
ونشير هنا إلى مكانة موسى بن نصير نفسه في العلم والرواية، فقد كان يروي عن جماعة من قراء الصحابة وفقهائهم، ومن أبرزهم تميم الداري أحد الصحابة القراء[42]، فغير بعيد أن يكون له أثر في تلقين القراءة إلى جانب من كان يلقنها من أصحابه ورجال بعثته.
4- بعثة عمر بن عبد العزيز
ولعل أبرز البعثات المنتدبة في هذا الشأن هي بعثة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ومكانة عمر في العلم والحرص على تعميمه مشهورة مشهودة، وسيأتي طرف من أخبارها في المسجد النبوي على عهد نافع، وبلغ من عنايته بقراءة القرآن وتشجيع القراء أنه كان "لا يفرض في بيت المال إلا لمن قرأ القرآن"[43].
وقد قام بإجراءات كثيرة لتفريغ المعلمين والمتعلمين لهذا الغرض وكتب بذلك إلى عماله ـ كما سيأتي ـ ومن بين تلك الإجراءات توجيه عدد من بعثات الإقراء إلى الأقاليم والجهات، أفذاذا وجماعات، ومنها بعثته المذكورة إلى افريقية والمغرب، وهي أكثر البعثات تخصصا في القراءة في نظرنا، وأعمقها أثرا في هذه المناطق كما سنعود إليه بمزيد من البيان، وقد وجه على رأس هذه البعثة قارئا جليلا هو إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم القرشيين، وهو من رواة قراءة امام أهل الشام عبد الله بن عامر اليحصبي وممن قرأ القرآن أيضا على أنس بن مالك[44]. وعن عبد الرحمن بن عامر اليحصبي قال: قال لي إسماعيل بن عبد الله أخوك أكبر مني بخمس سنين وعلى أخيك قرأت القرآن"[45].
وقد عده ابن حبان فيمن سمى من مشاهير علماء الشام من التابعين، فذكر أنه من صالحي أهل الشام وخيار الدمشقيين، كان عمر بن عبد العزيز قد ولاه جند افريقية، ومات في خلافة مروان بن محمد سنة اثنتين وثلاثين ومائة[46].
وقد وجه معه عمر عشرة من فقهاء التابعين يفقهون أهل افريقية، فأقام أكثرهم بالقيروان مدة واختط دارا وبنى مسجدا، كما كان فيهم من غزا الأندلس ومن ولي القضاء بالقيروان أو غيرها مما يكون معه الانتفاع بهم والأخذ عنهم قد شمل المغرب كله. وسيأتي التعريف بأثرهم في ذلك في الفصل التالي بعون الله.
2- في تأسيس الربط وتعميرها والإشراف على التعليم والتوجيه فيها
أما العامل الثاني أو الوسيلة الثانية التي اعتمدها الفقهاء والولاة والدعاة في نشر الإسلام ودعم جهود الفاتحين في المناطق المغربية، فتمثل في إنشاء سلسلة من الربط الجهادية في أطراف البلاد، والربط مفردها رباط، ككتب وكتاب "والرباط واحد الرباطات المبنية"[47]. قال في اللسان "والرباط والمرابطة: ملازمة ثغر العدو، وأصله أن يربط كل واحد من الفريقين خيله، ثم صار لزوم الثغر رباطا"[48].
وقد توسع في استعمال اللفظ ليدل على عمل المرابط ومكان المرابطة، وجرى إطلاقه على القلاع والحصون التي تشاد على أطراف البلاد وعلى خطوط المواصلات لحراسة الثغور والشواطئ، وتأمين حاجة المنطقة إلى الدفاع والإنذار بالعدو عند الحاجة. وقد كان تأسيس بعض هذه الربط في بعض المناطق الشاطئية تمهيدا لتحويلها إلى حواضر مهمة ومراكز للحكم، على غرار ما تم بمصر بالنسبة لمدينة الفسطاط، وما تم بالقيروان نفسها التي تحولت فيما بعد إلى قاعدة إدارية، إذ يذكر أن عقبة بن نافع لما هم ببنائها قال لأصحابه: "نقرب من البحر ليتم لنا الجهاد والرباط"[49] والذي يهمنا هنا أن هذه الربط الجهادية كانت تقوم في الأحوال الأمنية بمهمة التعليم وتحفيظ القرآن وانتساخ المصاحف ونحو ذلك مما يعكف عليه نزلاؤها احتسابا وطلبا للأجر والمثوبة.
وعرفت المرابطة في الثغور البحرية في صدر الإسلام بشكل واسع، وكانت الربط تمتد على طول سواحل الشام ومصر وافريقية المسامتة لبلاد الروم في الشرق والغرب، وتحتفظ بعض المصادر التاريخية بشذرات من أخبار هذه الربط لهذا العهد تشهد أن عمارها كانوا في الغالب من القراء والعلماء حتى كانت المرابطة فيها عنوان زهد القارئ والعالم في متع الدنيا وعيش الرغد في الحواضر.
وهذا أحد كبار رواد هذه الربط في زمنه وعميد القراء والزهاد في عهده أبو محمد عبد الله بن المبارك (ت 181) يخاطب من أحد هذه الربط بالشام رائد شعر الزهد في عصره ببغداد الشاعر أبا العتاهية شاعر الخلافة العباسية، ناعيا عليه المفارقة العجيبة بين ما يعيش فيه وبين ما يدعو إليه، فيقول:
أيها القارئ الذي لبس الصوف
الزم الثغر والتعــــبد فـــيه
ان بغـــداد للملـــوك مــحـــل


وأضحـــى يعد في الزهـــــاد
ليـــس بغداد منزل العــــباد
ومنــــــاخ للقــــارئ الصـــياد[50]

وله مثل ذلك أيضا وهو يخاطب زميله في الرباط في بلد طرسوس من سواحل الشام أبا علي الفضيل بن عياض (ت 187) حين خرج الفضيل حاجا تاركا المرابطة في هذا الثغر، فطابت له المجاروة بالبلد الحرام فكتب إليه يقول:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنـــا لعلمت أنك في العبادة تلعـــب
من كان يخضب جيده بدموعـه فنـحورنا بدمائنا تنخضــب[51] إلى آخر القطعة. وسوف يمر بنا ـ بعون الله ـ من خلال استعراضنا لتراجم طائفة من قراء الصدر الأول مقدار ما أسهم به طائفة من القراء الذين كانوا يقيمون في هذه الربط الجهادية في إثراء حركة الإقراء فيها، واستغلال وجودهم وتفرغهم بها في تخريج الطلاب وشداة القراء، ابتداء مما نقرؤه في أخبار الفتوحات، ومرورا بالعهود التالية التي اقتضت من الأمراء والولاة إقامة حاميات عسكرية في الثغور كان القراء والمعلمون في طليعة من يبادر إلى المرابطة فيها متطوعين ومحتسبين.
وفي هذا الصدد تستوقفنا إشارات مشرقة في تراجم بعض القراء الذين لهم صلات وثيقة بموضوع بحثنا، منها ما جاء في ترجمة شيخ الإمام نافع عبد الرحمن بن هرمز الأعرج من أنه خرج إلى الأسكندرية مرابطا في آخر حياته، إلى أن أدركته الوفاة بها سنة 117 أو بعدها[52].
ومنها ما نقرؤه في ترجمة صاحب ورش أبي يعقوب يوسف الأزرق من أنه في أثناء قراءته عليه كان يقرأ بطريقة "التحقيق"، وكان يقرأ عليه بطريقة "الحدر"[53] إذا رابط معه بالأسكندرية"[54].
ونقرأ نحوا من ذلك في ترجمة أبي الأشعث عامر بن سعيد ـ أو سعير ـ من أنه "رابط للغزو سبعين عاما، وأنه كان مرابطا بثغر "المصيصة" من سواحل الشام، وبها كان يقصده القراء في رواية ورش ليعرضوا عليه[55].
وإنما سقنا هذه الأخبار والأمثلة لبيان مقدار الأثر الذي كان لهذه الربط في مجال القراءة وتعليم القرآن بوجه عام. وأحسب أنه لو نقلت إلينا أخبار الربط الافريقية والمغربية على وجهها وعلى نحو ما نقلت لنا أخبار غيرها من الربط المشرقية، لوقفنا منها على قريب مما كان يجري بها من حركة ونشاط في هذا المضمار، ولاسيما منها تلك الربط التي كانت معروفة على السواحل، والتي ذكر أنها بلغت ألف رباط من طنجة إلى الاسكندرية على نحو ستة آلاف كيلومتر ... وكان الناس يتطوعون فيها لمدد معينة لحراسة الثغور، أو للتعليم بالمجان، أو للمعالجة أو انتساخ المخطوطات"[56].
والمشهور في كتب التاريخ أن أقدم هذه الربط هو "رباط المنستير"، ويقع بين المهدية وسوسة بالقطر التونسي، وكانت "المنستير" من أعظم مدائن الروم قبل الإسلام"[57].
أما الرباط المعروف باسمها فقد أسسه هرثمة بن أعين والي المنطقة لهارون الرشيد سنة إحدى وثمانين ومائة[58]، ولعل شهرة هذا الرباط إنما جاءته من وقوعه على الطريق الرابطة بين المشرق العربي وبين الجهات الداخلية من المغرب والأندلس، فكان منزلا مشهورا على الطريق التي تعبرها القوافل. أما المصادر المغربية فتشير إلى رباط أقدم منه بما ينيف على قرن من الزمن، هو رباط شاكر بن عبد الله الأزدي الآنف الذكر، وهو ما يزال يحمل اسم صاحبه إلى اليوم[59].
ولا يخفى ما كان لهذا الرباط وأمثاله على المدى الطويل من أثر في الحفاظ على الإسلام وتكوين الأجيال تكوينا صحيحا سواء في المعرفة الدينية وتكوين "أطر" الدعوة، أم في التدريب على القتال والفروسية، وقد اشتهر بعض هذه الربط بالدراسات الفقهية المتخصصة، ومنها رباط قصر زياد بتونس، وكان يسمى "درا مالك" لكثرة من فيه من العلماء والعباد والصالحين من أصحاب مالك، وكان فيه من أصحاب سحنون[60] أربعة عشر رجلا[61]، وكان سحنون نفسه من رواده، وصام به مرابطا خمسة عشر رمضانا[62].
وكانت ترتبط بهذه الربط العامرة مساجد خاصة يجتمع فيها المرابطون وغيرهم في أوقات مخصوصة من كل أسبوع لسماع القرآن وحضور مجالس الذكر وإنشاد الأشعار في الزهد والرقائق والترغيب في الجهاد، وكان يطلق على كل مسجد منها اسم اليوم الذي اعتيد على الاجتماع فيه لهذا الغرض، كمسجد السبت ومسجد الخميس اللذين كانت تقرأ بهما الرقائق كل يوم خميس وسبت "يحضر تلك المجالس الصلحاء والقراء وأهل الخير"[63].
وامتدادا لهذا الدور الذي مثلته الربط الجهادية في الصدر الأول في هذا المجال ظهر في الجنوب المغربي في المائة الخامسة رباط عبد الله بن ياسين الجزولي الذي منه حركة المرابطين في طور ترعرعها ونشأتها انطلقت، ومنه اشتقت اسمها الذي أقامت على قواعده أركان أقوى دولة حكمت المغرب عسكريا وبنت صرح وحدته التاريخية من نهر السينغال جنوبا إلى طليطلة وما وراءها شمالا، ففي هذا الرباط تكون رجال هذه الحركة، ومنه اندفعوا لإنقاذ المغرب من براثن النحلة البرغواطية الضالة، واستنقاذ الأندلس من سقوط عاجل في أيدي نصارى الشمال كان وشيك الوقوع.
وقد تمحور عمله في رباطه على إقامة شعائر الدين وقراءة القرآن وتعليمه والتفقه في أحكامه، "فلم تمر مدة حتى اجتمع له من تلاميذه نحو ألف رجل من أشراف صنهاجة، فسماهم "المرابطين" أو أسماهم الناس بذلك للزومهم الرباط المذكور"[64].
وقد احتفظت المصادر التاريخية بنص الكتاب الذي بعث به الشيخ المقرئ الداعية المتصدر بالقيروان أبو عمران الفاسي[65]، إلى تلميذه المدعو وكاك بن زلو اللمطي المقيم بوادي نفيس من الجنوب المغربي يطلب منه تزويد الأمير الصنهاجي العائد من رحلة الحج برجل يثق بدينه وورعه وكثرة علمه وسياسته، ليعلمهم القرآن وشرائع الإسلام[66]، "وكان وكاك في داره التي بناها بالسوس، وسماها دار المرابطين"[67]، فوقع اختياره على عبد الله بن ياسين الذي نهض بهذه المأمورية وقام بها خير قيام، قبل أن يترجم عمله إلى واقع حي في صورة دولة فتية وضع قواعدها على العلم والجهاد، وهكذا يمكننا أن نعتبر هذا الرباط أقوى مدرسة قرآنية انطلقت في افريقية والمغرب بمثل هذا الحشد الحاشد من الحفاظ، ولو أتيح لنا من الوثائق ما يكشف عن هذه الحقبة من تاريخ المنطقة لتغير الكثير من أحكام المتأخرين في هذه الحقبة من تاريخ المرابطين.

[1]- الدكتور عبد العزيز الأهواني : "كتب برامج العلماء في الأندلس، مجلة معهد المخطوطات مجلد 1/118.

[2]- من قصيدة للشاعر عمر أبو ريشة ألقاها في زيارته للمغرب، نشرت بمجلة المناهل المغربية العدد 4 السنة 2 نوفمبر 1975، مطلعها "دنيا وبين يديها تغرق الحقب". ص 7.

[3]- الروض الأنف للإمام السهيلي 4/217.

[4]- الروض الأنف 218 والسيرة النبوية للحافظ ابن كثير 4/117.

[5]- السياسة الشرعية لأبي العباس بن تيمية 26.

[6]- المصدر نفسه ص 26.

[7]- إعجاز القرآن للباقلاني بهامش الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 1/20.

[8]- السياسة الشرعية لابن تيمية 26.

[9]- حلية الأولياء لأبي نعيم 1/257.

[10]- البيان المغرب لابن عذاري المراكشي 1/8.

[11]- غاية النهاية 1/601 ترجمة 2455

[12]- البيان المغرب 1/14.

[13]- رياض النفوس في طبقات علماء القيروان للمالكي 1/15.

[14]- طبقات علماء افريقية وتونس لأبي العرب 70.

[15]- سيأتي التعريف به في علماء المدينة.

[16]- الاستقصاء للناصري 1/90.

[17]- البيان المغرب لابن عذاري 1/19.

[18]- الاستقصاء للناصري 1/85.

[19]- طبقات علماء افريقية لأبي العرب ص 17.

[20]- يمكن الرجوع في ذلك إلى رياض النفوس للمالكي 1/60-98 والاستقصاء للناصري 1/85-89 والمعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي ص 26، وشجرة النور الزكية لابن مخلوف التونسي التتمة الملحقة بالكتاب 87.

[21]- تاريخ افتتاح الأندلس لابن القوطية والنصوص التاريخية الملحقة به ص 201-202، وانظر مناقشة المقري لدخول المنيذر الافريقي إلى الأندلس في كتابه نفح الطيب 4/4-5.

[22]- التبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص 34.

[23]- ينظر حديث عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" صحيح البخاري 3/232.

[24]- المراد سورة التوبة لأنها بحثت عن أحوال المنافقين وهتكت أستارهم، ينظر سر تسميتها بذلك في الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 1/54- وخبر المقداد عند أبي نعيم في حلية الأولياء 1/176.

[25]- سورة التوبة آلآية 41.

[26]- ينظر البيان المغرب لابن عذاري: 1/23.

[27]- طبقات علماء افريقية لأبي العرب 18-19.

[28]- مناقب الحضيكي 2/405-406

[29]- رياض النفوس للمالكي 1/34 وعند ابن عذاري بصيغة أخرى في البيان المغرب 1/23-24.

[30]- تختلف المصادر في اسم أبيه ونسبه اختلافا كثيرا، وفي بعضها ابن يعلى بن مصلين.

[31]- البيان المغرب 1/27-28.

[32]- المصدر نفسه 1/34.

[33]- نفسه 1/38 ورياض النفوس 1/56.

[34]- الخوارج في بلاد المغرب، للدكتور محمد إسماعيل عبد الرزاق 38.

[35]- البيان المغرب 1/41.

[36]- البيان المغرب 1/42.

[37]- البيان المغرب 1/42 وتاريخ ابن خلدون 6/110.

[38]- معالم الإيمان للدباغ 1/213 وتاريخ ابن خلدون 6/110.

[39]- مناقب الحضيكي 2/406-407.

[40]- البيان المغرب 1/176-178.

[41]- المصدر نفسه 1/176.

[42]- جذوة المقتبس للحميدي ص 6.

[43]- القطع والائتناف لأبي جعفر النحاس ص 84.

[44]- قراءات القراء المعروفين بروايات الرواة المشهورين للأندرابي ص 81.

[45]- تاريخ أبي زرعة الدمشقي 1/344-345.

[46]- مشاهير علماء الأمصار لابن حبان ص 179. ونحوه في تاريخ أبي زرعة الدمشقي 1/348-349.

[47]- لسان العرب لابن منظور ... مادة ربط 7/303 ع 2.

[48]- المصدر نفسه 7/302 ع 2.

[49]- البيان المغرب 1/19.

[50]- نقله عياض في ترتيب المدارك 3/73 وفي "الفنية في شيوخ عياض" له 104.

[51]- القطعة بتمامها في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 1/187.

[52]- غاية النهاية 1/381.

[53]- هو بمعنى سرعة القراءة وسيأتي بيانه.

[54]- غاية النهاية 2/420 ترجمة 3934.

[55]- ترجمته في غاية النهاية 1/349-350 ترجمة 1499 وسيأتي.

[56]- الدكتور محمد عبد القادر أحمد في بحث "المخطوطات العربية بالمغرب" مجلة المورد العراقية العدد 1 مجلد 8-1399-1979.

[57]- البيان المغرب 1/24.

[58]- البيان المغرب 1/79 والاستقصاء 1/135.

[59]- يقع هذا الرباط في جنوبي مدينة مراكش على بعد خمسة وثمانين كلم منها، وقد كان تأسيسه سنة 62 هـ، وجدد بناءه المولى محمد بن عبد الله العلوي سنة 1187، ويمكن الرجوع في ذلك إلى الاستقصاء للناصري 4/115، والموسوعة المغربية معلمة الصحراء لعبد العزيز بنعبد الله ص 106.

[60]- هو عبد السلام بن سعيد التنوخي عميد فقهاء المالكية بالقيروان، وسيأتي في مكانه من البحث.

[61]- ترتيب المدارك 4/384.

[62]- المصدر نفسه 4/74.

[63]- معالم الإيمان للدباغ 1/31-32.

[64]- ذكريات مشاهير رجال المغرب: عبد الله بن ياسين لعبد الله كنون عدد 37 ص 10-11.

[65]- سيأتي التعريف به في مشايخ القراءة بالقيروان وفاس.

[66]- تاريخ ابن خلدون 6/183.

[67]- ترتيب المدارك 8/81-82.
يتبـــــع






التحكم

  

رد مع اقتباس
قديم 01-07-2010   رقم المشاركه : 3
المعلومات الشخصية
نعيم البيلي
:: مشرف ملتقي الطلاب ::
 
الصورة الرمزية نعيم البيلي








الحالة
نعيم البيلي غير متواجد حالياً

 علم الدولة :

مشاهدةالبومات صور نعيم البيلي


للتواصل

افتراضي

3- في إقامة المساجد الجامعة والخاصة وتنصيب الأئمة والمقرئين بها
لا يخفى على أحد الدور القيادي الذي كان للمساجد في الإسلام، ولذلك كان بناء المسجد الجامع أول ما يأخذ باهتمام الأمراء كلما تيسر لهم فتح بلد من البلدان أو تمصير مصر جديد.
وقد كان أول ما بادر المهاجرون الأولون إلى عمله غداة مقدمهم المدينة المنورة إنشاء أول مسجد بني في الإسلام، روى عمر بن شبة عن أبي كعب القرظي قال: " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء وقد بنى أصحابه مسجدا يصلون فيه إلى بيت المقدس، فلما قدم صلى بهم إليه، ولم يحدث في المسجد شيئا"[1].
ولعل النبي صلة الله عليه وسلم عمل على توسيعه بعد ذلك، فبناه باللبن، إذ ذكر ابن شبة خبرا آخر يفيد اشتراك الجميع في العمل، وفيه تجلى مقدار الارتباط بين القرآن وإقامة المساجد، إذ كان عبد الله بن رواحة يرتجز: "أفلح من يعالج المساجدا"
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "المساجدا"
فقال عبد الله بن رواحة: "يقرأ القرآن قائما وقاعدا"
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وقاعدا"
فقال عبد الله رضي الله عنه: "ولا يبيت الليل عنه راقدا"
فقال صلى الله عليه وسلم: "راقدا"[2].
ذلك كان أول المؤسسات التي عني المسلمون بإقامتها بعد الهجرة، فكان هذا المسجد مسجد قباء أول مسجد بني في الإسلام[3].
ولقد بلغ من عناية المخططين للأمصار التي بنيت عقب الفتح بإقامة المساجد الجامعة في المواقع اللائقة بمكانتها أنهم كانوا يراعون في التخطيط أن تكون الأبعاد إلى المسجد متكافئة من جميع أطراف المصر، ولذلك يكون المسجد أول ما يتبرك ببنائه، ثم تقام دار الإمارة حوله، ثم يؤذن للناس بالبناء، ومن أبرز الأمثلة في اتباع هذا التصميم مدينة الفسطاط في مصر، التي اختطها عمرو بن العاص رضي الله عنه بعد الفتح، ومدينة القيروان التي اختطها عقبة في ولايته الأولى سنة خمسين[4].
وفي بعض المصادر أن عبيد الله بن سعد الفاتح الأول لافريقية تقدم عقبة إلى تأسيس مسجد بموضع القيروان، وهو المسجد المعروف عند باب عبد الله بـ"مسجد ابن أبي سرح"[5].
والمتتبع لحركة إنشاء المساجد لهذا العهد في البلاد المغربية المفتوحة يلاحظ تلك العناية البالغة التي لقيتها في العهود الأولى مع قلة الإمكانيات وضعف الموارد، هذا إلى جانب المساجد الخاصة التي كان يقيمها المتطوعون، ويجعلون منها في الوقت نفسه محاضر لتعليم القرآن.
فهذا البهلول بن راشد كان له بالقيروان مسجده الخاص الذي يقرئ فيه، وقد زاره فيه الأمير هرثمة بن أعين في موكبه[6].
وفي أخبار التابعي الجليل حنش بن عبد الله الصنعاني أنه اختط بالقيروان مسجدا ينسب إليه[7].
وفي أخبار أبي عبد الله بن رباح اللخمي أحد أعضاء البعثة العمرية أنه سكن القيروان، واختط بها مسجدا عند باب نافع[8].
وفي ترجمة عبد الله بن يزيد الحبلي (ت 100) أنه بث بافريقية علما كثيرا، واختط بالقيروان درا ومسجدا بناحية باب تونس[9].
وقد قيل عن عنبسة بن خارجة الغافقي (ت 210) انه أقام بالقيروان مسجدا عظيما فيه نحو عشرين سارية عظاما [10].
ومثل ذلك عن إسماعيل بن عبيد الملقب بـ"تاجر الله" أنه أسس مسجد الزيتونة بالقيروان عام 71هـ[11].
وهكذا اطرد بناء المساجد العامة والخاصة في القيروان وغيرها حيث نلاحظ أسماء كثير منها يقترن بأسماء الولاة ككثير من المساجد التي كانت تحمل اسم عقبة، والتي يعلل ابن عذاري لذلك أنها "ربما سميت باسمه تبركا، وان أسسها غيره من بعده فبنوها في موضع نزوله"[12].
ولقد قيل عنه انه "لما توغل في الفتح وراء جبال درن في أرياض الصحراء، بنى مسجدا للصلاة في "ايجلي" بالسوس كما بنى آخر بدرعة"[13]. ولعله غير المسجد الذي ينسب إليه تأسيسه حين نزل "ماسة" من السوس الأقصى"[14].
ويذكر ابن عذاري في حوادث سنة 85 أنه "في هذا التاريخ تم إسلام أهل المغرب الأقصى وحولوا المساجد التي كان بناها المشركون إلى القبلة، وجعلوا المنابر في مساجد الجماعات وفيها صنع مسجد أغمات هيلانية"[15].
وكذلك كان بناء المساجد أو توسيعها أو إعادة ترميمها أو نحو ذلك مما يتصل بهذا الشأن، مما يتنافس فيه العامة والخاصة ويرونه من أعظم القربات إلى الله عز وجل، فهذا والي القيروان زيادة الله بن الأغلب[16] يقول عن توسيعه لجامعها: "ما أبالي ما قدمت عليه يوم القيامة وفي صحيفتي أربع حسنات"، وذكر منها بناء المسجد الجامع بالقيروان[17].
ويذكر ابن عذاري في حوادث سنة 215 عن إبراهيم بن الأغلب صاحب افريقية أنه "أخرج مالا كثيرا لحفر المواجل وبنيان المساجد والقناطر لكلمة كانت منه على سكر"[18].
والمساجد التي تقترن بأسماء الولاة في افريقية والمغرب كثيرة، كالمسجد الجامع بتونس الذي بناه والي افريقية عبد الله بن الحبحاب، وكانت ولايته سنة 116[19]، وبالمغرب الأقصى ما يزال مسجد موسى بن نصير قائما بين شفشاون وتطوان، وكذلك مسجد "الشرافات" المنسوب لطارق بن زياد"[20].
ولقد عني الأمراء بإقامة صروح المساجد في جميع المدن الناشئة في الشمال المغربي خاصة كفاس التي يذكر أن المولى إدريس الأزهر حين شرع في بنائها "شرع في بناء المسجد والسور" [21].
وعندما تم لأبيه إدريس الأمر وتمهد له المغرب اتجه إلى تلمسان ففتحها " واختط مسجدها وصنع فيه منبرا وكتب عليه اسمه، وقد دخله أبو مروان عبد الملك الوراق في سنة 255هـ فرأى منبره وما كتب عليه[22].
وفي النصف الأول من المائة الثالثة لما أحست مل من فاطمة الفهرية القيروانية وأختها مريم بفاس بالحاجة الماسة إلى مساجد فسيحة تتسع لأكبر عدد من المصلين، قامت الأولى ببناء جامع القرويين في عدوة القرويين، وقامت الأخرى ببناء جامع الأندلس في عدوة الأندلس[23].
وحين قامت زناتة بالدعوة للأمويين عقب اختلال أمر الأدارسة بفاس قام عامل عبد الرحمن الناصر (300-350) عليها أحمد بن أبي بكر الزناتي بتوسيع مسجد القرويين منفقا عليه أخماس غنائم الروم[24].
ولما دخل يوسف بن تــاشفين فــاس سنة 462 حمل أهلها على الاستكــثار من المســاجد ورتب بناءها[25] وقد انتهــى عدد مساجــدها في أيام المنصــور المــوحــدي (580-595) وابنه النــاصر (595-610) إلى سبعــمائة وثمانــين مسجدا"[26].
ويذكر صاحب اختصار الأخبار عما كان بسبتة من سني الآثار أنه كان بها ألف مسجد"[27].
أما في الأندلس فلو ذهبنا نتقصى حركة بناء المساجد العامة والخاصة لطال بنا القول واتسع المجال، ولكن حسبنا أن نسوق للدلالة على كثرتها وانتشارها ما ذكره العلامة أبو العباس المقري عن قرطبة وأرباضها في قوله: "ومبلغ عدد المساجد بها في أيام عبد الرحمن الناصر (300-350) ثلاثة آلاف وثمانمائة وسبعة وثلاثون مسجدا" [28].
ويقول عن أرباضها التابعة لها وعددها "واحد وعشرون ربضا، في كل ربض من المساجد والأسواق والحمامات ما يقوم بأهله، ولا يحتاجون لغيره، وبخارج قرطبة ثلاثة آلاف قرية في كل واحدة منبر وفقيه ومقلص[29]. تكون الفتيا في الأحكام والشرائع له"[30].
تلك بعض الصور والنماذج عن عناية الناس بإقامة المساجد لهذا العصر في المغرب والأندلس، ونحن وإن ركزنا على الحواضر الكبرى، فإنما أردنا بذلك ضرب الأمثلة، إذ مهما يقل عن جدارتها بمثل ذلك بحكم تزايد عمرانها وكثرة سكانها، فإنها لم تكن إلا صورة مكبرة للمدن الصغيرة التابعة لها.
ولا يخفى ما كان يستتبعه وجود مثل هذا العدد الوفير من المساجد من تأثير عام في مجال القراءة والتعليم، بحكم حاجة هذه المساجد إلى من يقوم بوظائفها الشرعية من الأئمة في الصلوات والخطباء والمعلمين وغيرهم، هذا مع ما كان لها أيضا من أثر في السير بالقراءة العامة نحو "التوحيد" بعد الاستقرار على رواية ورش. حيث "كان الأئمة في قرطبة ـ كما يقول ابن رشد (ت 520هـ) لا يقرأون إلا بها"[31].
وهكذا كان الترابط تاما بين انتشار المساجد وانتشار القرآن، وكان لهذا الانتشار أثره البليغ في توجيه القراء على نمط واحد في القراءة والأداء، وعلى الأخص به، بعد أن ظهرت قراءة "الحزب الراتب" في جماعة ـ كما سيأتي ـ في افريقية والمغرب.
4- في إحداث مكاتب وملحقات لتعليم القرآن بأجنحة المساجد وغيرها
وقد اقتضت التطورات التي عرفها تعليم القرآن لهذا العهد اتخاذ مكاتب أو كتاتيب وملحقات خاصة لهذا الغرض في أجنحة المساجد أو في بعض أروقتها، وتعميم ذلك في عامة المداشر والقرى.
وكان من دواعي الاستكثار من هذه المكاتب و"المحاضر" ازدياد الرغبة في تعميم هذا التعليم والوصول به إلى جميع الجهات والأطراف، كما كان من دواعي فصلها عن المساجد أحيانا، الاحتياط لها، لما يمكن أن يحدثه وجود المتعلمين في المسجد في أثناء الصلوات من تشويش على المصلين، أو يؤدي إليه هذا الوجود من إتلاف للمرافق العامة للمسجد كالفرش وآنية الوضوء والمياه ووسائل الإنارة والمصاحف المحفوظة بالخزائن.
ويظهر أن فصل هذه الملحقات عن المساجد العامة قد اقتضى في بعض الأحيان تدخل السلطة القضائية، ومن بقايا ما وصل إلينا من أخبار هذا التدخل رسالة للإمام سحنون بن سعيد (ت 240) وهو يومئذ قاضي القيروان[32] إلى نظيره محمد بن زياد بن عبد الرحمن اللخمي قاضي الجماعة بقرطبة[33] يشير عليه ألا يعلم معلم في المسجد، قال ابن لبابة: " لما يخاف من قلة تحفظ الصبيان"[34].
ولا يتوقع أن يهتم سحنون بهذه القضية حتى يكاتب في شأنها نظيره بقرطبة، إلا وقد قام بذلك في إيالته القضائية[35].
ومما يدل على وفرة هذه المكاتب وتزايد الاهتمام بها في افريقية والمغرب في صدر المائة الثالثة، ظهور مؤلفات علمية لهذا العهد تنظم شؤونها وتفصل في القضايا الفقهية التي تثيرها، وتبتدئ هذه السلسلة من المؤلفات برسالة "آداب المعلمين" التي أملاها سحنون على ولده محمد في توجيه المعلمين وتزويدهم بالتعليمات القضائية والآداب التي يحتاجون إلى الالتزام بها في وظيفتهم[36].
وتوالت الرسائل من لدن أئمة العلم بالقيروان في هذا الموضوع، فكتب فيه أبو محمد بن أبي زيد عدة رسائل منها "رسالة فيمن تؤخذ عنه تلاوة القرآن، ورسالة إلى أهل سجلماسة في تلاوة القرآن" و"أجوبة القرويين"[37].
وكتب فيه أبو الحسن علي بن خلف القابسي (ت 403) "كتاب المعلمين والمتعلمين"[38] وكتب فيه من الأندلسيين من أهل قرطبة أحمد بن عفيف (ت 410) "كتاب المعلمين"[39].
وكتب فيه القاضي أبو بكر بن العربي المعافري قاضي اشبيلية (ت 543) "كتاب آداب المعلمين"[40].
وأما نشأة هذه الكتاتيب فتكاد تكون مصاحبة لفتح هذه المناطق، وربما كان التبكير بإنشائها داخلا في السياسة العامة التي انتهجها الفاتحون لترسيخ شعائر الإسلام ومؤسساته فيها، وربما تم أكثر ذلك في البداية على أيدي بعثات الإقراء من التابعين، ثم اتسع الأخذ بها بعد أن أصبحت وظيفة اجتماعية يرتفق المعلمون بريعها في المعاش.
وقد حفلت المصادر التي تتحدث عن القيروان في زمن التابعين بأخبار هذه الحركة، فينقل المالكي في الرياض عن أبي الحسن الدارقطني بسند يتصل بغياث بن شبيب قال: "كان سفيان بن وهب ـ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يمر بنا ونحن غلمة بالقيروان، فيسلم علينا ونحن في الكتاب، وعليه عمامة قد أرخاها من خلفه"[41].
ونقرأ في أخبار البعثة العمرية الآنفة الذكر ـ أن كلا منهم قد اختط بالقيروان دارا لسكناه ومسجدا لعبادته وكتابا لتحفيظ القرآن[42].
ومن أصحاب الكتاتيب بالقيروان من التابعين شقران بن علي الهمداني "وكان يقرئ في كتاب منسوب إليه بالقيروان، وكان يقرئ فيه بالمجان[43].
وفي أخبار الفقيه أسد بن الفرات قاضي القيروان المولود بها سنة 142هـ أنه "كان يشتغل في صباه بتعليم القرآن بقرية على وادي مجردة[44].
وكان أحمد بن يزيد القرشي المعروف بالمعلم وبراوية الصمادحي يعلم القرآن في أول أمره[45].
ويذكر عن عمر بن يمكتين ـ وهو من شيوخ الخوارج الاباضية ـ أنه "هو أول من علم القرآن بجبل نفوسة"[46].
ويظهر أن هذا النوع من التعليم سرعان ما لقي الإقبال، فانتقل من المجانية إلى "المشارطة" عليه، وساعد على الأخذ بها ما أفتى به مالك وأصحابه من جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، ونقل القابسي عن مالك قوله: "كل من أدركت من أهل العلم لا يرون بأجر معلمي القرآن بأسا"[47].
وقد عالج سحنون في رسالة "آداب المعلمين" هذا الموضوع بإفاضة، وتحدث عما جاء في ختم القرآن، وما يجب في ذلك للمعلم، وما يجب في إجارته، ومتى تجب[48]، وتبعه على ذلك المؤلفون في هذه الشؤون كابن أبي زيد والقابسي وأبي عمران الفاسي وسواهم[49].
ولقد تجلى أثر هذه الكتاتيب بسرعة في تخريج الدفعات الأولى من قراء المنطقة ليتولى طائفة منهم القيام بمثل ذلك وما يتبعه من وظائف في الإمامة وغيرها. وقد ساعد نبوغ بعض الأحداث والأساليب المتبعة في التحفيظ على تحقيق مستويات مشرفة في هذا الشأن، فمن ذلك ما نستفيده من قصة ذكرها المالكي في ترجمة المقرئ القيرواني عبد الجبار بن خالد السرتي ـ وهو ممن أنجبتهم المنطقة من الحفاظ ـ جاء فيها أن الأمير إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب صنع مأدبة لاعذار ولده، فمضى أهل العلم من شيوخ القرآن لتهنئته، وكان فيهم عبد الجبار بن خالد، فلما أتى الأمير أكبره وعظمه وسر برؤيته، وأخرج إليه أولاده، فدعا لهم وبارك عليهم، ثم قال: "أيها الأمير، هل علمت مقدار هذه النعمة عليك، أعطاك الله مثل هؤلاء البنين، وعلمتهم كتاب الله، وأحييت فيهم سنة رسول الله ـ يعني الختان ـ"[50].
فقول عبد الجبار للأمير "علمتهم كتاب الله" يدل على ما قدمنا من مظاهر النبوغ في الحفظ التي أخذت تلفت الأنظار من لدن القراء المختصين من أمثال عبد الجبار السرتي، وهو من أفضل أصحاب سحنون.
ولعل الإدراك الواعي من لدن أئمة الفقه بالقيروان لأهمية تعليم القرآن في مثل هذه "المحاضر" والمشارطة عليه بين الآباء والمعلمين، هو الذي دعاهم إلى القول بإجبارية التعليم ووجوب تنصيب من يقوم به من أهل الكفاية، وقد ساق العلامة الحسين بن علي بن طلحة الشوشاوي (ت 899) في كتابه (الفوائد الجميلة على الآيات الجلية) طائفة من الأقوال عن الأئمة المتقدمين في ذلك صدر لها بقوله: "وأما من الذي يعقد "الحضار"[51] من أهل الموضع ؟ فقال أبو عمران الفاسي في "التعاليق"[52]: "الذي يعقد الحضار هو السلطان أو القاضي وجماعة من الناس، فإذا عقدوه فـ"الشرط" لازم لجميع أهل الموضع، وينكل من امتنع من تسليم ولده للمكتب، ويجبر على ما ينو به من أجر المعلم، ومن أبى طرد ونفي إن قدر عليه، لهدمه ركنا من أركان الدين، ولا تجوز شهادته، ويؤدب أدبا وجيعا"[53].
وهذا التقويم للتعليم القرآني باعتباره ركنا من أركان الدين هو ما رمينا إلى الوقوف عنده من خلال العوامل التي جعلناها من مقومات المدرسة القرآنية في المغرب وأهم خصائصها، وهو أثر كان له بعده العلمي وأثره الفعال في النبوغ الذي امتاز به المغاربة في مجال حفظ القرآن الكريم والقيام على قراءاته ورواياته.
وقد عرفت الأندلس نوعا من التعليم الراقي يدخل في هذا التعليم الرسمي وكان ينعت "بالتأديب"، وكان ظهوره في البداية مرتبطا بالقصور، ثم تطور وغدا تعليما قريبا من العموم، وخصوصا في قرطبة حيث كانت له أوقاف خاصة، وكان أكثره تحت إشراف السلطة، ولعل الأخذ بنظام التأديب قد كان في بدايته احتذاء للنموذج المشرقي في قصور الأمراء والولاة، وهو أمر يلفت النظر في تراجم القراء خاصة أصحاب الرحلات العلمية منهم، إذ يلاحظ أن الواحد منهم لا يكاد يعود من رحلته حتى يجد الحظوة والاهتمام من الأمراء وسرعان ما يجري انتدابه للتأديب في القصر، كما نقرأ مثلا في ترجمة الغازي بن قيس القرطبي صاحب نافع، وفي ترجمة محمد بن عبد الله القرطبي صاحب ورش[54] وتطورت هذه الوظيفة حتى أمسى المؤدب الرسمي يعين بمرسوم خلافي، ومن أمثلة هذا النوع ما نجده في أيام الحكم المستنصر (ت 366)، وذلك في استقباله للفقيه المقرئ أحمد بن يوسف القسطلي (ت 361) غداة عودته من رحلته المشرقية، وانتدابه لتأديب ولي عهده أبي الوليد هشام المعروف فيما بعد بالمؤيد، يقول المؤرخ ابن حيان: "عهد بعقد استئماره وبإجراء الرزق عليه: الراتب والحملان والعلوفة، وعهد بإقامة علوفة للأمير أبي الوليد محدودة العدد، موصوفة الأطعمة، تقدم إليه والي من معه من صبيانه كل يوم بموضع حضاره ذلك"[55].
والواضح أن هذا اللون من التأديب لم يكن يستفيد منه أبناء الأمراء وحدهم، وإنما كان يشمل من معهم من أبناء الحاشية، بدليل قوله "وإلى من معه من صبيانه"، وربما كان ينتفع به معهم غيرهم من الجيران عموما، بل اننا نقرأ في عهد الحكم المذكور أخبارا طريفة عن هذا الشأن تصور مبلغ العناية بتعليم القرآن في هذه المحاضر بوجه عام، فقد عد ابن عذاري "من مناقب الحكم المستنصر اتخاذه المعلمين يعلمون أولاد الضعفاء والمساكين القرآن حول المسجد الجامع وبكل ربض من أرباض قرطبة، وأجرى عليهم المرتبات، وعهد إليهم في الاجتهاد والنصح ابتغاء وجه الله العظيم... وعدد هذه المكاتب سبعة وعشرون مكتبا، منها حوالي المسجد الجامع ثلاثة، وباقيها في كل ربض من أرباض المدينة، وفي ذلك يقول ابن شخيص:
وساحة المسجد الأعلى مكـللة مكـــاتبا لليــتامى في نواحيهــا

لو مكنت سور القرآن من كلم نادتك يا خير تاليها وراعــيهــا[56]

وزيادة في إكرام المؤدبين " "حبس الحكم حوانيت السراجين بقرطبة على المعلمين لأولاد الضعفاء"[57].
ذلك جانب من هذه الرعاية الرسمية لهذا اللون من التعليم الديني في الأندلس يلتقي مع ما قدمنا عن مثله في افريقية والمغرب، على ما ساقه ابن خلدون من خصائص سكانهما ويتجلى من خلالها تعلقهم المتين بالقرآن الكريم، وإلى هذه الخاصية يشير في تاريخه إذ يقول:
"وأما إقامتهم لمراسيم الشريعة وأخذهم بأحكام الملة ونصرهم لدين الله، فقد نقل عنهم من اتخاذ المعلمين لكتاب الله لصبيانهم، والاستفتاء في فروض أعيانهم، واقتفاء الأئمة للصلوات في بواديهم، وتدارس القرآن بين أحيائهم، وتحكيم حملة الفقه في نوازلهم وقضاياهم، وصاغيتهم إلى أهل الخير والدين من أهل مصرهم للبركة في آثارهم ... ما يدل على رسوخ إيمانهم وصحة معتقداتهم، ومتين ديانتهم التي كانت ملاكا لعزهم، ومقادا إلى سلطانهم وملكهم"[58].
مذهب المغاربة في تعليم الناشئة:
ولقد أبدى ابن خلدون وأعاد في ذكر هذه المزية التي لأهل المغرب، وأشار بصفة خاصة إلى اعتمادهم للقرآن الكريم وسيلة تعليمية يزاوجون فيها بين حفظ القرآن وبين تلقي مبادئ القراءة والكتابة من خلاله، بالإضافة إلى المعارف الأولية التي تحصل لهم من خلال ذلك، وفي ذلك يقول: "اعلم أن تعليم الولدان القرآن شعار الدين، أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض فنون الأحاديث وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات"[59].
وتوسع في هذا المعنى شرحا وبيانا وهو بصدد عرض الأنماط التعليمية المستعملة في الأندلس والمغرب وموقع القرآن فيها فقال:
"فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء الدراسة بالرسم ومسائله واختلاف حملة القرآن فيه، لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم، لا من حديث ولا من فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب، إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه، فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعا عن العلم بالجملة، وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر أمم المغرب في ولدانهم إلى أن يجاوز حد البلوغ إلى الشبيبة، وكذا مذهبهم في الكبير إذا راجع مدارسة القرآن بعد طائفة من عمره، فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم"[60].
وقد عرض ابن خلدون نمطا آخر في التعليم شاع الأخذ به واستعماله في الأندلس، ونمطا آخر جرى الأخذ به واستعماله مؤخرا بتونس، تتم فيه المزاوجة بين تعليم القرآن وتلقين علوم اللغة والأدب، إلا أن في كلامه ما يدل على أنه إنما يعني طورا متأخرا في الزمن إلى عصره أو قريب منه، ودليل ذلك ما ساقه بعده نقلا عن القاضي أبي بكر بن العربي الاشبيلي (ت 543)، إذ ذكر أنه "ذهب في كتاب رحلته إلى طريقة غريبة في وجه التعليم، وأعاد في ذلك وأبدأ، ودعا إلى التعليم على الطريقة الأندلسية بتقديم العربية وآدابها"[61].
ومع ما ذكره ابن خلدون عن كون ابن العربي دعا إلى التعليم على الطريقة الأندلسية، فإنه ذكر من كلام ابن العربي نفسه ما يدل على أن الطريقة المذكورة أشبه بأن تكون الطريقة المقترحة فقط، أو على الأقل النمط الخاص الذي كان يأخذ به بعض الكبراء في زمنه، استمرارا لما عليه الأمر في المشرق، وإلا فان ابن العربي نفسه في المائة السادسة ينعي على أهل بلده أو على المغاربة عموما، ما درجوا عليه من التبكير بالقرآن في أول طور من التعليم فيقول:
"ويا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره، يقرأ ما لا يفهم، وينصب في أمر غيره أهم"[62].
ولهذا نلاحظ أن ابن خلدون وإن كان قد أثنى على الطريقة المقترحة كما يصفها الفقيه صاحب الرحلة المشرقية الطويلة الأمد، فإنه لا يلبث أن يدرك بجلاء أن دعوته تلك صيحة في واد فيقول معقبا على ذلك المقترح:
"وهو لعمري مذهب حسن، إلا أن العوائد لا تساعد عليه، وهي أملك بالأحوال[63].
ثم لا يلبث أن ينقض ما بناه من إعجاب فيقول: "ان تلقين القرآن في هذه السن المواتية أولى من أن تذهب خلوا منه بحصول القواطع والآفات"[64].
ومهما يكن فان عناية المغاربة بتحفيظ القرآن للناشئة في هذه السن المواتية، كان لها أثرها البعيد في شيوع حفظه ورسوخ علومه في هذه المناطق كما قدمنا "فهم أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم"[65]، وهذا ابن العربي نفسه الذي ينعي على أهل بلده أخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره، يقول متحدثا عما شاهده في أنحاء المشرق أثناء رحلته:
"ومنهم ـ وهم الأكثر ـ من يؤخر حفظ القرآن ويتعلم الفقه والحديث وما شاء الله، فربما كان إماما وهو لا يحفظه، وما رأيت بعيني إماما يحفظ القرآن ولا رأيت فقيها يحفظه إلا اثنين، ذلك لتعلموا أن المقصود حدوده لا حروفه، وعلقت القلوب اليوم بالحروف، وضيعوا الحدود خلافا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم"[66].
وقول ابن العربي "وعلقت القلوب اليوم بالحروف" إشارة قيمة إلى ما ذكرنا لهم من نبوغ في حفظ القرآن والقيام عليه قراءة ورسما، والحرص البليغ على جمع رواياته والرحلة في طلبها إلى أقصى المعمور، حتى انه لا يعرف أهل منطقة في ديار الإسلام كان لهم مثل هذا الشغف بالضرب في أقطار الأرض لهذا الغرض، وهذا الإمام أبـو القــاسم يوسـف بن عـلي ابن جبـارة الـهذلـــي البسكرى (ت 465) يقول عنه الحافظ ابن الجزري: "وطاف البلاد في طلب القراءات، فلا أعلم أحدا في هذه الأمة رحل في القراءات رحلته، ولا لقي من لقي من الشيوخ"[67].
لقد كان علم القرآن وقراءته إذن أهم خصوصية للمغاربة، وقد قدمنا قول بعض الباحثين من أهل المشرق: "انه الميدان الوحيد الذي سيطر عليه المغاربة سيطرة تامة"[68].
وسوف نرى من خلال هذا البحث أن هذه الخاصية ليست دعوى مرسلة ليس لها ما يثبتها من الواقع التاريخي، فما تزال تنطق بها أخبار رحلاتهم وسجلاتهم المدونة ومؤلفاتهم الجامعة، ولولا ذلك ما تعرفوا على قراءات الأئمة من قراء الأمصار، ولا استطاعوا أن يهتدوا إلى قراءة كقراءة نافع يرحل الرواد منهم إليها في مصرها وبدونها عن صاحبها، ويضبطون أهم رواياتها من بعده على أكابر أصحابه، ثم يعتمدون منها روايتهم المفضلة، ويتخذونها قراءة جامعة يتلقون على أساسها كتاب الله.
ولقد ظل الأسلوب المتبع في التعليم يسير على هذا السلم الذي رسمه أبو العباس أحمد بن خليل السكوني الاشبيلي (ت 581)[69]. في وصيته الشعرية إذ يقول:
"ان العلوم لجـــــمة وأجلــها علم القرآن وسنــة المـختـــــار
فاحفظ كتاب الله واحو علومه فإذا انتهيت فصـل إلى الآثـــار
واعرف صحيح رواية وسقيمهـا وتحــر هدي السادة الأبـــــــرار
وعلى الإمام الأصبحي فعولـن[70] فهو العـــليم بموقع الأخـــــبار"[71]
5- في العناية بالمصاحف الشريفة استنساخا وتجويدا ونشرا
أما العامل الخامس من مقومات المدرسة القرآنية في المغرب والذي كان له أثره أيضا في تعليم كتاب الله وتعميمه، فهو المصاحف المكتوبة، سواء منها مصاحف السلف التي وصلت إلى هذه الجهات وكانت القراءة عليها وبمضمن حروفها، أو تلك التي استنسخت فيما بعد وجرى اعتماد الناس عليها في تقويم الرسم ومعرفة مواقع رؤوس الآي، ونحو ذلك مما يستعان عليه بالمصاحف المعتمدة، ومعلوم أن القرآن الكريم كما دخل إلى هذه المناطق محفوظا في الصدور، دخل إليها في الوقت نفسه مكتوبا في السطور، ولا شك أن المصاحف الأولى التي دخل بها الصحابة والتابعون قد كان لها أثرها في دعم حركة التعليم والإقراء وتزويد المكاتب بوسيلة أساسية يستأنس بها المتعلمون، ويرجع إليها المعلمون في تصحيح التلاوة وتحقيق الحروف ونحو ذلك عند الاقتضاء.
ويمكننا تقدير عدد المصاحف التي وردت على افريقية والمغرب غداة الفتح بالنظر إلى ما نعرفه من سيرة السلف في الصدر الأول، حين كان الواحد منهم لا يكاد يفارق مصحفه حتى وهو في أحرج المواقف وحتى كان ربما يستشهد ومصحفه في حجره أو في عنــــقه[72].
وقد كان قادة الفتح يختارون للقيادة والإمارة غالبا من بين القراء، أو يبعث معهم من القراء من يسد الحاجة في مجال التعليم والإمامة والتوجيه العام، وقد عرف لطائفة من أولئك الأمراء والمرشدين المنتدبين مصحفه الخاص الذي كان يقرأ فيه ويقرئ على أساسه بالحرف الذي قرأ به على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو غيره ممن كان يقرئ من قراء الصحابة والتابعين.
ولا شك أن المناطق المغربية على اختلافها قد استفادت من مصاحف الولاة والفاتحين في هذا المضمار، سواء في عهد التبعية لدار الإمارة بمصر، أو بعد استقلالها بقاعدتها وامارتها في القيروان، أو بعد ذلك حين اتسعت الرقعة وامتدت عبر الأقاليم الأندلسية والمغربية.
ويمكن بهذا الاعتبار أن تكون مصاحف الولاة الأولين بمصر قد عرفت الطريق إليها وتداولها الناس بالنسخ والقراءة، ومن أهمها "مصحف عقبة بن عـامر" ـ رضي الله عنه ـ الذي ّمات وهو وال بمصر سنة 58هـ"[73] "وكان مقرئا فصيحا مفوها من فقهاء الصحابة"[74]، وكان له مصحف خاص كتبه بخطه[75]، وقد لاحظ ابن يونس صاحب تاريخ مصر وجود اختلاف بينه وبين مصحف عثمان في ترتيب السور، قال: "وهو الآن موجود" ـ يعني في زمنه ـ[76].
وكان بمصر "مصحف عبد الله بن عمرو بن العاص"، وهو من قراء الصحابة وممن "وردت عنهم الرواية في حروف القرآن"[77]، وقد روى أبو بكر بن أبي داود السجستاني في كتاب المصاحف بسنده عن أبي بكر بن عياش[78] قال: "قدم علينا شعيب بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فكان الذي بيني وبينه، فقال يا أبا بكر، ألا أخرج لك مصحف عبد الله بن عمرو بن العاص؟ فأخرج حروفا تخالف حروفنا.."[79].
وكان بمصر أيضا "مصحف عبد العزيز بن مروان"، وكان واليا عليها لأخيه عبد الملك، وقد كتب هذا المصحف أنفة وحمية حين أرسل الحجاج بن يوسف عامل الأمويين إلى مسجد الفسطاط الجامع بنسخة من المصحف العثماني الامام، فغضب وامتعض لذلك وقال: "أيبعث إلى جند أنا فيه بمصحف"[80].
فمن المحتمل أن هذه المصاحف وأمثالها مما كان متداولا في مصر أو غيرها كالحجاز والشام قد دخلت في زمن الفتح وبعده على أيدي الفاتحين من الصحابة والتابعين، هذا بالإضافة إلى ما قد يكون لهؤلاء من مصاحف أخرى أو نسخ عن المصاحف التي كانت مشهورة كمصحف ابن عباس ومصحف ابن عمر ومصحف ابن الزبير ومصحف عائشة وغيرها مما كان معروفا[81].
وقد وصلت إلينا إشارات في هذا الصدد عن وجود مثل هذه المصاحف أو نسخ عنها أثناء الفتح، وقد قدمنا أسماء كل من ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وسواهم ممن شاركوا في الفتح، ولذلك كان وجود الرواية عنهم في هذا المجال أمرا طبيعيا[82].
- المصحف العقباني:
على أن هنالك ذكرا أيضا لمصحف الفاتح الأول للمغرب عقبة بن نافع، وقد عرف مصحفه بالمصحف "العقباني" في مقابل المصحف "العثماني"، "وكان الملوك يتوارثونه بعد المصحف "العثماني" "[83].
ومن الراجح أن مصحفه قد انتسخه بالقيروان من المصحف الامام "العثماني"، وظل تتداوله الأيدي وتترامى به الأحداث إلى أن وقع إلى الأشراف الزيدانيين، ثم إلى المولى عبد الله بن المولى إسماعيل العلوي، فغربه إلى المشرق مرة أخرى "ورجع الدر إلى صدفه، والإبريز إلى معدنه".
ومن الراجح أيضا حصول افريقية على نسخة أو أكثر من المصحف الامام على عهد بني أمية، فقد رأينا كيف أرسل الحجاج بنسخة منه إلى المسجد الجامع بمصر. ولا يقال هنا انه لو كان لاشتهر وبقي متداولا، إذ أن كثيرا من ذخائر التراث المغربي في هذه الجهات قد ضاع، لا سيما في مدينة تعرضت لما تعرضت له كالقيروان من الحرائق المريعة والفتن الهائلة لعهود طوال، ثم كانت نهايتها الخراب العام.
ويقوي ما ذهبنا إليه ما أفاده العلامة العبدري في رحلته من وقوفه بالقيروان لما زارها سنة 688هـ على ما يشبه أن يكون نسخة من مصحف عثمان، وفي ذلك يقول: "ودخلنا بيت الكتب، فأخرجت لنا مصاحف كثيرة بخط مشرقي ... ورأيت بها مصحفا كاملا مضمونا بين لوحين مجلدين غير منقوط ولا مشكول، وخطه مشرقي بين جدا مليح، وطوله شبران ونصف، في عرض شبر ونصف، وذكروا أنه الذي بعثه عثمان ـ رضي الله عنه ـ إلى المغرب، وأنه بخط عبد الله بن عمر رضي الله عنهما"[84].
وما قيل عن المصحف العثماني بالنسبة للقيروان يقال مثله بالنسبة للأندلس، فقد ذكر المقري ما يفيد وجود نسخة منه بجامع قرطبة في أيام الأمويين، وذلك إذ يقول: "وفي الجامع المذكور في بيت منبره مصحف أمير المؤمنين عثمــان بن عفان ـ رضي الله تعالى عنه ـ الذي خطه بيده، وعليه حلية ذهب"[85].
وما تزال في بعض ذخائر القيروان التي أفلتت من النهب، بقايا من المصاحف التي خطها بعض رجال السلف في الصدر الأول، ومنها "مصحف شريف بقلم مغربي، كتبه خديج بن معونة بن سلمة الأنصاري سنة 47 هـ بمدينة القيروان، كتبه للأمير عقبة بن نافع الفهري"[86].
وإلى جانب هذه المصاحف الرسمية، فإن الأخبار كثيرة عن وجود مصاحف فردية كثيرة كانت بأيدي التابعين، وأنها كانت ترافقهم في الحل والترحال، "فعندما هبت على الأسطول الإسلامي في فتح الأندلس ريح عاصفة وضربت المراكب بعضها ببعض، دعا الجنود الله، وتقلدوا المصاحف"[87].
وكان التابعي الجليل حنش بن عبد الله الصنعاني إذا أراد الصلاة من الليل "أوقد المصباح وقرب المصحف" .. وإذا تعايا في آية نظر في المصحف"[88].
وقيل عن إسمـاعيـل بن عبيـد الأنصــاري الذي غزا صقليـة مع من غزاها سنــة 107هـ انه "غـرق في البـحر ـ رضي الله تعــالى عنه ـ وهو متقلـد المصحــف"[89].
ويدل على استعمال المعلمين والمتعلمين لمثل هذه المصاحف وشيوع ذلك بين العامة: ما جاء في رسالة "آداب المعلمين" لابن سحنون من تعليمات في شأن ما ينبغي أن يأخذ به المتعلم" أن لا يمس المصحف إلا على وضوء"[90] وتقريره أن "قراءة الصبي القرآن في المصحف مع معرفة حروفه وإقامة إعرابه توجب "الختمة" للمعلم وان لم يستظهر الصبي القرآن"[91].
والقول في ما يخص البلاد الأندلسية كالقول في افريقية والمغرب، فمن المفروض أنها عرفت العدد الوفير من مثل هذه المصاحف العامة والخاصة على أيدي الولاة والفاتحين ثم على أيدي الأمواج البشرية التي هاجرت إليها من مصر والشام وافريقية ـ كما سيأتي ـ، وخصوصا حين قيام امارة بني أمية بها قبل النصف الأول من المائة الثانية للهجرة.
وتدل بعض الإشارات الباقية على تعرفها بصورة مبكرة على بعض المصاحف المدنية، وربما كانت عمدتها منذ أيام الفتح قبل أن تتغلب عليها العناصر الشامية.
وقد أفادنا نص عند الإمام أبي عمرو الداني في "كتاب المحكم في نقط المصاحف" عن تعرف المنطقة على النظام المدني المتبع في نقط المصاحف وشكلها في وقت مبكر بعد الفتح، وفي ذلك يقول:
"وصل إلي مصحف جامع عتيق كتب في أول خلافة هشام بن عبد الملك[92] سنة عشر ومائة، وفيه الحركات والهمزات والتنوين والتشديد نقط بالحمرة على ما رويناه عن السالفين من نقاط أهل المشرق[93].
وقد جاء في أخبار رحلة الغازي بن قيس ـ كما سيأتي ـ أنه "صحح مصحفه على مصحف نافع ثلاث عشرة مرة"[94]، ومعنى ذلك أنه كان له مصحف شخصي خرج به في رحلته من قرطبة إلى المدينة فعرضه عليه، وذلك دليل على وفرة المصاحف عند أمثاله ممن كانوا يشتغلون مثله في التأديب. ويدل على هذه الوفرة عبارات كثيرة في محكم الداني يشير بها إلى مصاحف هذه الحقبة كقوله "وفي مصاحف أهل بلدنا القديمة"[95]، وقوله "ووصل إلي مصحف جامع عتيق"[96]، وقوله "وقد تأملت في مصاحفنا القديمة التي كتبت في زمان الغازي بن قيس"[97]، وقوله "ورأيت في مصحف كتبه ونقطه حكم بن عمران الناقط ناقط أهل الأندلس في سنة سبع وعشرين ومائتين.."[98].
ولا أدل على تلك الوفرة للمصاحف في الأيدي من الرواج الذي كان لمهنة النسخ حتى تعاطاه النساء، وهذا المراكشي صاحب المعجب ينقل عن ابن فياض صاحب تاريخ قرطبة قوله:
"كان بالربض الشرقي من قرطبة مائة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي" وعلق المراكشي على ذلك بقوله: "هذا ما في ناحية من نواحيها، فكيف بجميع جهاتها"[99].
كل ذلك وغيره يدل على مدى شيوع استعمال المصاحف وسعة انتشارها بين العامة والخاصة، باعتبارها إحدى أهم الوسائل التعليمية، ولا يخفى ما كان يترتب على ذلك من دخول القرآن إلى كل بيت، وذلك ما رمينا إلى رصده في مساره من خلال هذا الاستعراض لمقومات المدرسة القرآنية في الأقطار المغربية في الصدر الأول، والوسائل التي اعتمدتها في تعليم القرآن وتعميمه، ولعلنا من خلال ذلك قد انتهينا مع القارئ الكريم إلى تصور شامل عن المسار العريض الذي سارت عبره المسيرة القرآنية في هذه الديار، وما أخذت به من أساليب ومناهج في التلقين والتعليم، متدرجة بذلك كله نحو الوحدة الشاملة التي نعمت بها ردحا طويلا من الزمن، والتي كان من أجلى مظاهرها "وحدة القراءة" و"وحدة المذهب".
وقبل أن نتطرق إلى تتبع المنافذ والمسالك التي عبرت منها هذه القراءة التي توحدت الأقطار المغربية عليها، ـ أعني قراءة نافع ـ أرى من المفيد أن نحاول التعرف باختصار على أهم ما عرفته الأمصار الإسلامية في المائة الأولى والثانية من قراءات، وكيف كانت أصداؤها تتجاوب في المناطق المغربية على تفاوت في المستوى والدرجة إلى أن كانت الغلبة للاتجاه المدني لعوامل وأسباب نقف عليها آخر هذا الباب ــ أدت إلى اجتماع الناس في عامة الأقطار والجهات المغربية على قراءة امام دار الهجرة في القراءة نافع بن أبي نعيم المدني.

[1]- تاريخ المدينة المنورة لعمر بن شبة 1/51.

[2]- المصدر نفسه 1/52.

[3]- السيرة النبوية لابن هشام 2/189.

[4]- مجموعة رسائل ابن جزم – رسالة في جملة فتوح الإسلام 2/128.

[5]- رياض النفوس للمالكي 1/67.

[6]- ترتيب المدارك 3/95.

[7]- معالم الإيمان للدباغ 1/187 – ورياض النفوس 1/121 ترجمة 41.

[8]- رياض النفوس 1/119-120.

[9]- معالم الإيمان 1/14.

[10]- ترتيب المدارك 3/319.

[11]- معالم الإيمان 1/126، وينظر في باقي مساجد التابعين بالقيروان رياض النفوس 1/129-130.

[12]- البيان المغرب 1/27.

[13]- المصدر نفسه 1/27.

[14]- رياض النفوس 1/40 والبيان المغرب 1/27.

[15]- البيان المغرب 1/43.

[16]- كانت ولايته ابتداء من سنة 201 البيان المغرب 1/96.

[17]- المصدر نفسه 1/106.

[18]- المصدر نفسه 1/113.

[19]- المصدر نفسه 1/51.

[20]- المناهل مجلة تصدرها وزارة الثقافة المغربية العدد 28 السنة العاشرة 1404-1983 بحث "شفشاون وآثارها المعمارية عبير التاريخ لعبد العزيز بنعبد الله ص 22.

[21]- كان ذلك قبل بناء فاس الحالية كما في الأنيس المطرب بروض القرطاس لابن أبي زرع ص 30.

[22]- الأنيس المطرب ص 50.

[23]- المصدر نفسه 54-55.

[24]- المناهل عدد 28 شفشاون وآثارها للأستاذ عبد العزيز بنعبد الله 27.

[25]- تاريخ ابن خلدون 6/185.

[26]- الأنيس المطرب 47.

[27]- محمد العربي الخطابي في موضوع "سبتة ورجالها" العدد 22 ص 17- 1402هـ-1982.

[28]- أزهار الرياض للمقري 2/272.

[29]- أصلها "مقلس" أي لابس القلنسوة وهي الزي الرسمي للمفتين القضاة.

[30]- نفح الطيب للمقري 1/7.

[31]- سيأتي الحديث عن ترسيم هذه الرواية ودواعيه.

[32]- ولي القضاء لمحمد بن الأغلب سنة 233 - البيان المغرب 1/109.

[33]- ولي القضاء لعبد الرحمن بن الحكم الأموي – قضاة قرطبة للخشني 128-134.

[34]- الوثيقة السادسة من الوثائق التسع للحسبة على المساجد في الأندلس. تحقيق الدكتور محمد عبد الوهاب خلاف ص 32 نشر كلية الآداب بجامعة الكويت حوليات كلية الآداب الحولية الخامسة 1404-1984.

[35]- تدل بعض الأخبار عن أن بعض المعلمين في المساجد كانوا يستعملونها لمهن أخرى كالخياطة فاقتضى الأمر فصلهم عن هذه المساجد. يراجع في ذلك كتاب رياض النفوس 1/336.

[36]- يمكن الرجوع إلى الصفحات التالية من "آداب المعلمين" 94-98-102-104-105-118 إلخ.

[37]- ينقل عنها العلامة الشوشاوي في كتابه "الفوائد الجميلة" الباب السادس 277-288-291. وانظر الرسالتين الأولى والثانية في مؤلفات ابن أبي زيد في ترجمته في الديباج لابن فرحون 136-137.

[38]- ذكرها له في الديباج 200-201.

[39]- ترتيب المدارك 8/8-9.

[40]- نقل عنه حسين بن طلحة الشوشاوي في الباب السادس من الفوائد الجميلة ص 305.

[41]- المالكي في رياض النفوس 1/91- والحضيكي في مناقب الحضيكي 2/403.

[42]- القراءات لهند شلبي: 131 وما بعدها.

[43]- مقدمة تحقيق كتاب آداب المعلمين لمحمد بن سحنون بقلم حسن حسني عبد الوهاب ص 59- طبعة تونس 1392-1972.

[44]- رياض النفوس 1/255 ووادي مجرة أو "بجردة" من أشهر الأنهار التونسية.

[45]- المصدر نفسه 1/473 ترجمة 154.

[46]- السير للشماخي 142 طبعة القاهرة 1301هـ.

[47]- إيضاح الأسرار والبدائع شرح الدرر اللوامع لابن المجراد، ذكره عند قول ابن بري "وخير من علمه وعلمه".

[48]- آداب المعلمين الصفحات 94-96-119-126.

[49]- من المؤلفات في ذلك كتاب "جامع جوامع الاختصار والتبيان، فيما يعرض بين المعلمين آباء الصبيان" لأبي العباس محمد بن أبي جمعة المغراوي المعروف بشقرون " من أصحاب ابن غازي، ينقل عنه ابن القاضي المقرئ في جواب له في عدم جواز إقراء من لم يحكم مخارج الحروف، وسيأتي في ترجمته. ومنها أرجوزة القاضي محمد بن عزوز كرضيلو المسماة بنكتة المعلمين، وأولها: "الحمد لله الذي أورثنا كتابه العزيز وانتخبنا" – مخطوطة ــ.

[50]- رياض النفوس 1/466. وانظر مبلغ حفظه للقرآن ومضيه فيه كالجواد في صلاة التراويح في 1/464 منه.

[51]- الحضار اسم المكتب الذي يجتمع فيه الصبيان للتعلم، وما يزال معروفا في الحواضر بهذا الاسم إلى اليوم، ويسمى في بعض الجهات الجنوبية من المغرب وفي موريتانيا بالمحضرة، وربما كتب بالظاء.

[52]- لم أقف على ذكر له في مؤلفاته، ولم يتعرض لذكره في كشف الظنون في مادة "تعليق".

[53]- الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة 291-292.

[54]- سيأتي ذكره هو والغازي بن قيس في رواد قراءة نافع بالأندلس.

[55]- المقتبس في أخبار بلاد الأندلس لابن حيان 76-77 القسم المنشور بتحقيق عبد الرحمن بن على الحجي نشر دار الثقافة ببيروت 1965م. ومثله في تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي 1/62.

[56]- البيان المغرب 2/240/241.

[57]- المصدر نفسه 2/249.

[58]- تاريخ ابن خلدون 6/105.

[59]- مقدمة ابن خلدون 538.

[60]- مقدمة ابن خلدون ص 538.

[61]- المصدر نفسه 539.

[62]- نفس المصدر والصفحة.

[63]- المقدمة ص 540.

[64]- نفس المصدر والصفحة (بتصرف).

[65]- مقدمة ابن خلدون 538.

[66]- أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي المجلد الرابع ص 1984-1985.

[67]- غاية النهاية 397 - 398 ترجمة 3929. وسيأتي التعريف بالهذلي بين أئمة القيروان بعون الله.

[68]- كتب برامج العلماء في الأندلس للدكتور عبد العزيز الأهواني مجلة معهد المخطوطات مجلد 1/118.

[69]- سيأتي في أصحاب الامام شريح الرعيني الاسبيلي وفي امتداد مدرسته في مراكش في عهد الوحدة.

[70]- هو الإمام مالك بن أنس امام المذهب، وسيأتي في الرواة عن نافع المدني.

[71]- للقطعة بقية يمكن الرجوع إليها بتمامها في الذيل والتكملة لابن عبد الملك 1/114 ترجمة 148.

[72]- من أبرز الأمثلة على وجود المصاحف بكثرة في معسكرات الجند وحملهم لها في المعارك، حادثة رفع المصاحف على رؤوس الرماح يوم صفين، وقد قدر عددها بخمسمائة مصحف.

[73]- مشاهير علماء الأمصار لابن حبان 55 ترجمة 378.

[74]- العبر في أخبار من غبر للحافظ الذهبي 1/662.

[75]- القرآن وعلومه في مصر للدكتور عبد الله خورشيد البري 158 نقلا عن ابن يونس.

[76]- رآه ابن يونس رأي العين عند زميله ابن قديد، وذكر أنه على غير تأليف مصحف عثمان. انظر كتاب الانتصار لواسطة عقد الأمصار لابن دقماق 4/11 طبعة القاهرة 1893. توفي ابن يونس سنة 347.

[77]- غاية النهاية 1/439 ترجمة 1835.

[78]- هو المعروف بشعبة عند القراء أحد راويي قراءة عاصم (95-193) معرفة القراء الكبار للذهبي 1/110-115 الطبقة الرابعة. وغاية النهاية لابن الجزري 1/325-327 ترجمة 1421 ووفيات الأعيان 2/353.

[79]- المصاحف 93.

[80]- فتوح مصر لابن عبد الحكم 117-118 طبعة ليدن 1920.-ــ والانتصار لواسطة عقد الأمصار لابن دقماق 72.

[81]- يمكن الرجوع في معرفة بعض الفروق بين المصاحف المذكورة إلى كتاب المصاحف لابن أبي داود 92-98.

[82]- تشككت الباحثة التونسية هند شلبي في إمكانية دخول هذه المصاحف مع أصحابها زمن الفتح، يمكن الرجوع إلى أول الباب الثاني من كتابها "القراءات بافريقية" ص 47.

[83]- المصحف الشريف للباحث محمد المنوني مجلة دعوة الحق العدد ص 71 السنة 1968.

[84]- رحلة العبدري 65.

[85]- نفح الطيب 2/86 ويمكن الرجوع في تتبع ما آل إليه أمر هذا المصحف إلى الاستقصاء 3/75.

[86]- تاريخ الخط العربي في العصر الأموي للدكتور صلاح الدين المنجد 83 الطبعة 1 بيروت ــ 1972.

[87]- فتوح مصر لابن عبد الحكم 208.

[88]- رياض النفوس للمالكي 1/121 ومعالم الإيمان 1/187.

[89]- رياض النفوس 1/106-107 ترجمة 32.

[90]- آداب المعلمين 113.

[91]- آداب المعلمين 108. والختمة أراد بها المكافأة المادية المتعارف عليها، وتسمى أيضا "الحذقة".

[92]- ولي هشام بعد أخيه يزيد سنة 105، ومات سنة 125 هـ. ينظر كتاب أسماء الخلفاء والولاة لابن حزم مجموعة رسائل ابن حزم 2/144.

[93]- المحكم 87.

[94]- غاية النهاية 2/2 ترجمة 2534.

[95]- المحكم 174.

[96]- نفسه 174.

[97]- المحكم 8.

[98]- نفسه 87.

[99]- المعجب لعبد الواحد المراكشي 520.
يتبـــــــــــــــع






التحكم

  

رد مع اقتباس
قديم 01-07-2010   رقم المشاركه : 4
المعلومات الشخصية
نعيم البيلي
:: مشرف ملتقي الطلاب ::
 
الصورة الرمزية نعيم البيلي








الحالة
نعيم البيلي غير متواجد حالياً

 علم الدولة :

مشاهدةالبومات صور نعيم البيلي


للتواصل

افتراضي

الفصل الثاني:
القراء والقراءات المتداولة
في المناطق المغربية قبل دخول قراءة نافع
دخل المناطق المغربية ـ كما قدمنا ـ عشرات من الصحابة، ووصلت طائفة منهم إلى أقصى ما بلغته راية الإسلام في الغرب، وكان معهم من التابعين عامة الجيش الفاتح، ودخل معهم كتاب الله ـ كما رأينا ـ محفوظا في الصدور ومكتوبا في السطور، وكان يقدم راية الجهاد حيثما توجهت ويستأثر بأوقات الفاتحين تعلما وتعليما وتلاوة وتهجدا، فكانوا ـ كما وصفوا بحق ـ رهبانا بالليل ليوثا بالنهار، وكان محور هذا النشاط في المعسكرات مجموعة من قراء الصحابة وفقهائهم يجدون عندهم العتاد الروحي والغذاء المعنوي، فهم الموجهون والمرشدون، والمعلمون والمقرئون، والمفسرون للكتاب والمبلغون للسنة النبوية.
ولقد وقفنا من قبل على أسماء طائفة من خيارهم ممن شاركوا في فتح هذه المناطق وكانوا مادة الإسلام الأولى بها، وتحدثنا عن احتمال دخول مصاحفهم، وما قد تكون استفادته من وجودها بين ظهرانيهم، وما كانت تخلفه معها إقامة الصحابي في بلد من البلدان أو دخوله إليه، من أصداء وآثار بليغة في الحياة العلمية والدينية.
ونؤكد هنا أن استفادة المناطق المغربية من دخول هذه "الأطر" العلمية كانت استفادة كبيرة، ونحن وإن كنا لا نستند في تقدير مدى هذه الاستفادة إلى وثائق مادية أو أخبار مدونة كثيرة، فإننا باستجماع ما هو في المتناول، نحصل على تمثل وتصور تقريبي لذلك يتأتى لنا من خلاله الحكم دون مجازفة، اعتبارا لما كانت عليه هذه المناطق من حاجة ماسة في هذا المجال، ولما كان أولئك العلية من أهل العلم والدين يحظون به من الاحترام والتقدير العام، مما يبعد معه أن يوجدوا في جند من الأجناد دون أن يستقطبوا الهمم، ويلتف عليهم الجم الغفير من أهل الرغبة والحاجة إلى المعرفة الدينية، ولاسيما طلاب كتاب الله الذين يتمثلون في مجالسهم كلمات النبوة ونفحات الإيمان. فنحن إذن حين ندرس تاريخ الفتح، ندرس معه تلقائيا تاريخ اتصال المغاربة بقراءة القرآن، ويبقى لنا فقط أن نتساءل عن نوع القراءة التي كانت من بواكير ما قرأوا به كتاب الله ؟
للجواب عن ذلك نبادر إلى التأكيد بأن المناطق المغربية لم تكن بدعا في هذا الشأن بالقياس إلى غيرها من ديار الإسلام، فالقراءات في الأمصار الإسلامية على العموم قد سارت في مسار واحد اقتضته التطورات التاريخية من جهة، كما اقتضاه تحول القراءة إلى صناعة واختصاص[1].
وتبعا لذلك يمكن تمثل المراحل التي مرت منها في ثلاثة أطوار متتالية:
أ*- طور القراءة الفردية

ب*- طور الاختيار بين القراءات
ج- طور الاستقرار على قراءة مختارة في كل مصر أو قطر.
نص لأبي عبيد في قراء السلف:
ولإعطاء بيان عن أهم الرجال الذين يمثلون كل طور من هذه الأطوار، نستعين بهذا النص لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت 224) أول من ألف في القراءات[2] نقله عنه علم الدين السخاوي[3] في كتابه "جمال القراء"، عن كتاب " القراءات" الذي أرخ فيه أبو عبيد لطبقات القراء والمقرئين إلى زمنه، وتحدث عن أهم الأئمة الذين انتصبوا للقراءة والرواية إلى نهاية المائة الثانية فقال:
"هذه تسمية أهل القرآن من السلف على منازلهم.."
"فمما نبدأ بذكره في كتابنا هذا سيد المرسلين وإمام المتقين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه القرآن، ثم المهاجرون والأنصار وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من حفظ عنه منهم في القراءة شيء، وإن كان ذلك حرفا واحدا فما فوقه.
فمن المهاجرين أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة ابن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان وعبد الله ابن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعمرو بن العاص وأبو هريرة ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن السائب قارئ مكة".
ومن الأنصار ـ رضي الله عنهم ـ أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وزيد بن ثابت ومجمع بن جارية وأنس بن مالك " قال:
ومن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وحفصة وأم سلمة.
قال أبو عبيد: وقد علمنا أن بعض من ذكرنا أكثر في القراءة من بعض، غير أنا سميناهم على منازلهم في الفضل والإسلام، وإنما خصصنا بالتسمية كل من وصف بالقراءة وحكي عنه منها شيء وإن كان يسيرا، وأمسكنا عن ذكر من لم يبلغنا عنه منها شيء، وان كانوا أئمة هداة في الدين.
فأما سالم الذي ذكرناه فإنه كان مولى لامرأة من الأنصار، وانما ذكرناه في المهاجرين لأنه خرج مع أبيه مهاجرا إلى رسول لله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يكن من ساكني المدينة، فهو مهاجري الدار أنصاري العداد، ونسبه في عبس بن قيس عيلان ـ قال أبو عبيد ـ رحمه الله ـ:
ثم التابعون فمنهم من أهل المدينة سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز – قد كان بالمدينة والشام ــ وسليمان بن يسار وعبد الرحمان بن هرمز ــ الذي يعرف بالأعرج ــ وابن شهاب وعطاء بن يسار ومعاذ بن الحارث – الذي بعرف بمعاذ القارئ ــ وزيد بن أسلم" قال:
ومن أهل مكة عبيد الله بن عمير الليثي وعطاء بن أبي رباح وطاووس وعكرمة مولى ابن عباس وعبد الله بن أبي مليكة".
ومن أهل الكوفة علقمة بن قيس والأسود بن يزيد ومسروق بن الأجدع وعبيدة السلماني وعمرو بن شرحبيل والحارث بن قيس وربيع بن خيثم وعمرو بن ميمون وأبو عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش وأبو زرعة بن عمرو بن جرير وسعيد بن جبير وإبراهيم بن يزيد النخعي وعامر الشعبي، وهو عامر بن شراحيل.
ومن أهل البصرة عامر بن عبد الله ـ وهو الذي يعرف بابن عبد قيس، كان يقرئ الناس، وأبو العالية الرياحي وأبو رجاء العطاردي ونصر بن عاصم الليثي ويحيى بن يعمر ـ ثم انتقل إلى خراسان ـ وجابر بن زيد والحسن بن أبي الحسن ومحمد بن سيرين وقتادة بن دعامة".
ومن أهل الشام المغيرة بن شهاب[4] المخزومي ـ صاحب عثمان بن عفان في القراءة ـ قال: ـ كذلك حدثني هشام بن عمار الدمشقي قال: حدثني عراك بن خالد المري قال: سمعت يحيى ابن الحارث الذماري يقول: ختمت القرآن على عبد الله بن عامر اليحصبي، وقرأ عبد الله بن عامر على المغيرة بن شهاب المخزومي، وقرأ المغيرة على عثمان ليس بينه وبينه أحد" قال:
فهؤلاء الذين سميناهم من الصحابة والتابعين هم الذين يحكى عنهم عظم القراءة وان كان الغالب عليهم الفقه والحديث"[5].
هذا الطرف من نص أبي عبيد الطويل يمثل في نظرنا الطور الأول من الأطوار الثلاثة الذي أطلقنا عليه "طور القراءة الفردية" على معنى أن القارئ من الصحابة أو التابعين كان يقرأ القرآن بالحرف الذي تلقاه به عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، أو تلقاه عنه من قراء الصحابة دون أن يتجاوز ذلك إلى تعديد مصادره في الغالب، إذ لم يكن القراء في هذه المرحلة يهتمون بجمع الروايات المتعلقة بالحروف والموازنة بينها لاختيار ما هو أيسر أداء أو أشهر أو أفصح أو غير ذلك، بقصد الحصول على اختيار شامل للقرآن ينسب إلى القارئ ويمهر باسمه، وانما بدأ هذا الاهتمام في الطور الثاني على عهد المختصين في القراءة الذين تجردوا لها خاصة، ولم يغلب عليهم الاشتغال بغيرها من مباحث الفقه ورواية الحديث، وهذا الطور الذي نعتناه بطور الاختيار بين القراءات المأثورة هو الطور الذي عاصره الإمام نافع ومن عرف معه من القراء السبعة أو العشرة أئمة الأمصار الخمسة، وإلى هذا الطور يشير أبو عبيد في تتمة نصه من كتابه "القراءات" بقوله:
"ثم قام من بعدهم بالقرآن قوم ليست لهم أسنان من ذكرنا ولا قدمتهم، غير أنهم تجردوا للقراءة واشتدت بها عنايتهم ولها طلبهم، حتى صاروا بذلك أئمة يأخذها الناس عنهم ويقتدون بهم فيها، وهم خمسة عشر رجلا من هؤلاء الأمصار.
فكان من قراء المدينة أبو جعفر القارئ، واسمه يزيد بن القعقاع مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وشيبة بن نصاح مولى أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونافع بن عبد الرحمن ابن أبي نعيم[6]، وكان أقدم هؤلاء الثلاثة أبو جعفر، قد كان يقرئ الناس بالمدينة قبل وقعة الحرة[7]، حدثنا إسماعيل بن جعفر عنه[8]، ثم كان بعده شيبة على مثل منهاجه ومذهبه، ثم ثلثهما نافع بن أبي نعيم، وإليه صارت قراءة أهل المدينة، وبها تمسكوا إلى اليوم. فهؤلاء قراء أهل المدينة، وهؤلاء قراء الحجاز في دهرهم.
وكان من قراء أهل مكة عبد الله بن كثير وحميد بن قيس ـ الذي يقال له الأعرج ـ ومحمد بن محيصن، فكان أقدم هؤلاء الثلاثة ابن كثير، وإليه صارت قراءة أهل مكة، وأكثرهم به اقتدوا فيها. وكان حميد بن قيس قرأ على مجاهد[9] قراءته، فكان يتبعها لا يكاد يعدوها إلى غيرها، وكان ابن محيصن أعلمهم بالعربية وأقومهم عليها، فهؤلاء قراء مكة في زمانهم".
وكان من قراء الكوفة يحيى بن وثاب وعاصم بن أبي النجود ـ والأعمش[10]، وكان أقدم الثلاثة وأعلاهم يحيى، يقال انه قرأ على عبيد الله بن نضيلة ـ صاحب عبد الله ـ[11].
ثم تبعه عــاصم، وكان أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمــن السلــمي[12] وزر بـن حبيش[13]. ثم كان الأعمش فكان امام أهل الكوفة المقدم في زمانه عليهم، حتى بلغ إلى أن قرأ عليه طلحة بن مصرف[14] وكان أقدم من الأعمش. فهؤلاء الثلاثة هم رؤساء أهل الكوفة في القراءة.
ثم تلاهم حمزة بن حبيب رابعا، وهو الذي صار عظم أهل الكوفة إلى قراءته من غير أن يطبق عليه جماعتهم، وكان ممن اتبع حمزة في قراءته سليم بن عيسى[15]، وممن وافقه، وكان ممن فارقه أبو بكر بن عياش[16] فإنه اتبع عاصما وممن وافقه".
وأما الكسائي[17] فإنه كان يتخير القراءات، فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضا، فهؤلاء قراء الكوفة.
وكان من قراء أهل البصرة عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي[18] وأبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر الثقفي[19]، وكان أقدم الثلاثة ابن أبي إسحاق، وكانت قراءته مأخوذة عن يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم[20]، وكان عيسى بن عمر عالما بالنحو[21]، غير أنه كان له اختيار في القراءة على مذاهب العربية يفارق قراءة العامة، ويستنكره الناس، وكان الغالب عليه حب النصب ما وجد إليه سبيلا....[22] والذي صار إليه أهل البصرة فاتخذوه اماما أبو عمرو ابن العلاء، فهؤلاء قراء أهل البصرة، وقد كان لهم رابع وهو عاصم الجحدري[23] لم يرو عنه في الكثرة ما روي عن هؤلاء الثلاثة"[24].
وكان من قراء أهل الشام عبد الله بن عامر اليحصبي ويحيى بن الحارث الذماري[25] وثالث قد سمي لي بالشام ونسيت اسمه[26]، فكان أقدم هؤلاء الثلاثة عبد الله ابن عامر، وهو امام دمشق في دهره، وإليه صارت قراءتهم، ثم اتبعه يحيى بن الحارث الذماري وخلفه في القراءة وقام مقامه. ـ قال ـ وقد ذكروا الثالث بصفة لا أحفظها.
فهؤلاء قراء الأمصار الذين كانوا بعد التابعين"[27].
هكذا ساق أبو عبيد هذا النص ليخلص إلى تصنيف القراء عموما إلى زمنه على نمطين: نمط كان يقرأ بحرف من الحروف التي سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم أو من قراء الصحابة، ولم يتجرد لتتبع غيره من الحروف والروايات فضلا عن الموازنة والاختيار منها، ونمط من أهل التخصص في القراءة والتجدر لرواية الحروف والعكوف على الروايات موازنة بينها وتمحيصا وانتخابا لوجوهها المختارة، مما اتسع معه مجال عمل القارئ في توجيه الحروف المقروء بها ودراستها من جهة التأويل واللغة مرة، ومن جهة الشهرة والاستفاضة أخرى، وكان فيهم من يتحرى الغرائب من جهة اللغة كما رأينا عند ابن محيصن المكي وعيسى بن عمر البصري، فكان الناس يميلون إلى هذا الاتجاه أو ذاك، ولكن جمهور الناس كانت تتوجه بالإمامة إلى أناس مخصوصين كانت العناية الإلهية تعدهم ليكونوا أئمة الجماعة وألسنة الأمة في قراءة كتاب الله. وقد علق الإمام السخاوي على نص أبي عبيد بقوله:
"وهذا الذي ذكره أبو عبيد يعرفك كيف كان هذا الشأن من أول الإسلام إلى آخر ما ذكره"[28].
ولم يتحدث أبو عبيد عما تم بعد ذلك أي عن الطور الأخير الذي وقع فيه الإجماع على اختيار قراءات السبعة وحدهم، وذلك لأنه لم يدرك هذا الطور وان كان ربما عاش بدايته، ولمح اليه من خلال اشارته إلى من اجتمع الناس على قراءته من الأئمة في الأمصار الخمسة المشهورة.
ولقد تولى الإمام السخاوي اتمام هذا التصنيف تأسيسا على ما ذكره أبو عبيد في الجرد التاريخي السالف، فأشار إلى الطور الثالث ـ أعني طور الاقتصار على قراءات السبعة ـ مبينا المقومات والأسس التي انبنى عليها اختيار قراءات أولئك السبعة خاصة فقال:
"فلما كان العصر الرابع سنة ثلاثمــائة وما قاربها، كان أبـو بكـر بن مجــاهد[29] ـ رحمه الله ـ (ت 324) قد انتهت إليه الرياسة في علم القراءة، وتقدم في ذلك على أهل ذلك العصر، اختار من القراءات ما وافق خط المصحف، ومن القراء بها من اشتهرت عدالته، وفاقت معرفته، وتقدم أهل زمانه في الدين والأمانة، والمعرفة والصيانة، واختاره أهل عصره في هذا الشأن، وأطبقوا على قراءته وقصد من سائر الأمصار، وطالت ممارسته للقراءة والإقراء، وخص في ذلك بطول البقاء، ورأى أن يكونوا سبعة تأسيا بعدد المصاحف الأئمة، وبقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "ان هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف من سبعة أبواب" فاختار هؤلاء القراء السبعة أئمة الأمصار، فكان أبو بكر ـ رحمه الله ـ أول من اقتصر على هؤلاء السبعة، وصنف كتابه في قراءتهم، واتبعه الناس على ذلك، ولم يسبقه أحد إلى تصنيف قراءة هؤلاء السبعة" [30].
ذلك هو الإطار العام الذي تطورت فيه القراءات في الصدر الأول، استندنا في رسمه إلى هذا النص الطويل لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت 224 هـ)، والذيل عليه لأبي الحسن السخاوي الذي تحدث عن الطور الثالث من أطوار القراءة في الأمصار الخمسة، والذي اكتمل في صورته الأخيرة في عمل أبي بكر بن مجاهد شيخ القراء ببغداد (ت 324 هـ) أي بعد القاسم بن سلام بمائة عام.
وقد نقلناه هنا على ما به من طول، لنحاول أن نترصد من خلاله ونتمثل آثار هذا التطور في مراحله المتعاقبة، على القراءة في الأقطار والجهات المغربية التي يعنينا الحديث عنها هنا منذ أول الفتح.

[1]- لعل أول من تحدث عن تحول القراءة إلى صناعة أبو بكر بن العربي في كتابه "العواصم من القواصم" وذلك حين نعى على القراء إهمالهم للتفقه في الدين، واتخاذهم القراءة صناعة رفرفوا عليها "العواصم" 1/199-201.

[2]- قال ابن الجزري في النشر 1/33-34: "فكان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب".

[3]- سيأتي في أصحاب القاسم بن فيره الشاطبي وشارحي قصيدته حرز الأماني.

[4]- كذا في جمال القراء للسخاوي 2/424- وما بعدها، ومثله في كتاب رسم المصحف لغانم قد وري الحمد 638 نقلا عن مخطوطة جمال القراء قبل طبعه. والصحيح "المغيرة بن أبي شهاب كما نجده عند أبن الجـزري في غاية النهاية 2/305-306 ترجمة 3635 والسبعة في القراءات لابن مجــاهد 85.

[5]- جمال القراء وكمال الإقراء لعلم الدين السخاوي 2/424-428.

[6]- سيأتي التعريف بهم جميعا في قراء المدرسة المدنية.

[7]- كانت وقعة الحرة في زمن يزيد بن معاوية سنة 63 هـ.

[8]- هو أيضا من رواة قراءة نافع وسيأتي في أصحابه.

[9]- هو مجاهد بن جبر من أصحاب ابن عباس عرض عليه القراءة والتفسير، مات سنة 104 هـ على الراجح، ترجم له في غاية النهاية 2/41-42 ترجمة 2659. وترجم لحميد بن قيس في غاية النهاية 1/265 ترجمة 1200.

[10]- ترجمة يحيى في غاية النهاية 2/380 ترجمة 3871، وترجمة عاصم 1/346-349 ترجمة 1496 وترجمة سليمان بن مهران الأعمش في الغاية 1/315 ترجمة 1389. ومعرفة القراء للذهبي 1/78-80 طبقة 3.

[11]- سماه ابن الجزري عبيد بن نضلة، وهو أبو معاوية الكوفي من أصحاب ابن مسعود مات في حدود 75 هـ ترجمته في غاية النهاية 1/497-498 ترجمة 2071.

[12]- هو عبد الله بن حبيب – سيأتي فيمن قرأ على أبي وغيره، ترجمته في الغاية 1/413-414 ترجمة 1761.

[13]- هو أبو مريم الأسدي الكوفي من أصحاب ابن مسعود وشيوخ عاصم الكوفي مات سنة 82 هـ غاية النهاية 1/294.

[14]- طلحة بن مصرف اليامي الكوفي له اختيار في القراءة مات سنة 112 هـ غاية النهاية 1/343 ترجمة 1488.

[15]- سليم بن عيسى أبو عيسى الكوفي يروي عنه الدوري والسوسي توفي 188-189. غاية 1/318-319.

[16]- هو شعبة بن عياش الكوفي الأسدي أحد راويي قراءة عاصم توفي سنة 193-194. غاية 1/326 ترجمة 4321.

[17]- هو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي سيأتي مع القراء السبعة.

[18]- من أوائل نحاة البصرة أخذ عن يحيى بن يعمر وأخذ عنه أبو عمرو بن العلاء توفي سنة 117. غاية 1/410.

[19]- هو أبو عمر الثقفي النحوي من أول المؤلفين في علم النحو، ألف كتابيه الجامع والكامل في النحو وفيهما قال تلميذه الخليل بن أحمد:
ذهب النحو جميعا كلــه غير ما ألف عيســــى بن عمــــــــــــــر
ذاك إكمال وهذا جامع فهما للنحو شمــس وقــــــمر
ترجمته في غاية النهاية 1/316 ترجمة 2498. وانباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي 2/374-377 ت 5230 .

[20]- نصر بن عاصم ويقال له نصر الحروف- الليثي الدؤلي عرض القرآن على أبي الأسود الدؤلي. غاية 2/336.

[21]- ترجم له في انباه الرواة 2/374-377 وبغية الوعاة للسيوطي 2/237-238 ترجمة 1880. ومراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي 43.

[22]- ذكر أمثلة لذلك تركتها اختصارا منها ( حمالة الحطب، والزانية والزانية، والسارق والسارقة، وهؤلاء بناتي هن أطهر لكم) يعني أنه كان ينصب (حمالة وما بعدها وكذلك لفظ أطهر في آية سورة هود).

[23]- هو عاصم بن أبي الصباح أبو المجشر الجحدري البصري مقرئ لغوي كاتب للمصاحف تولى ذلك للحجاج في ولايته مع جماعة من علماء البصرة، أخذ القراءة عن بعض أصحاب ابن عباس مات حول 130 هـ ترجمته في غاية النهاية /349 ترجمة 1498.

[24]- جمال القراء 2/430-431 نقلا عن كتاب القراءات لأبي عبيد.

[25]- من أصحاب ابن عامر وإمام الجامع الأموي وشيخ القراءة بدمشق، توفي سنة 145 هـ. غاية النهاية 2/367-368.

[26]- قال السخاوي: هو خليد بن سعد صاحب أبي الدرداء، لكن أطبق أهل السام على ابن عامر "جمال القراء" 2/432.

[27]- جمال القراء 2/431.

[28]- المصدر نفسه 2/432.

[29]- هو أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد العطشي البغدادي صاحب كتاب "السبعة في القراءات" وغيره، وأول من سبع السبعة. ترجمته في معرفة القراء الكبار 1/216- طبعة 8 وغاية النهاية 1/139-142 ترجمة 663.

[30]- جمال القراء وكمال الإقراء للسخاوي 2/432.
يتبـــــع






التحكم

  

رد مع اقتباس
قديم 01-07-2010   رقم المشاركه : 5
المعلومات الشخصية
نعيم البيلي
:: مشرف ملتقي الطلاب ::
 
الصورة الرمزية نعيم البيلي








الحالة
نعيم البيلي غير متواجد حالياً

 علم الدولة :

مشاهدةالبومات صور نعيم البيلي


للتواصل

افتراضي

- الأطوار الأولى التي عرفتها القراءة في المناطق المغربية

ولعل من المفيد في ذلك أن نعود إلى تتبع هذه الأطوار من بدايتها، لنرافق امتدادات قراءات الأمصار الإسلامية في اتجاه الأقطار والجهات المغربية، ولتتلمس معالم الطريق التي سلكتها في كل طور من أطوارها الثلاثة قبل أن يجتمع أهلها نهائيا على قراءة امام من أولئك السبعة، ويعتمدوها قراءة رسمية.
أ*- طور القراءة الفردية الحرة

يبتدئ هذا الطور من أول الفتح الإسلامي لهذه الجهات، إذ كان القارئ من الصحابة وغيرهم من التابعين يقرأ ويقرئ بالحرف الذي تلقى به القرآن من شيخه، ولا يعنيه بعد ذلك أن يكون موافقا لما عند غيره أو مخالفا، وعلى هذا الأساس كانت قراءات السلف تختلف فيما بينها في كثير من حروف القراءة وكيفيات الأداء، لكن القراء لهذا العهد لم يكونوا يهتمون كثيرا بالوقوف على مظاهر هذا الاختلاف، لما جاء من النهي عن المراء في القرآن، ولمعرفتهم بنزول القرآن الكريم على الحروف السبعة، والاذن لكل قارئ أن يقرأ كما علم[1]، وينبني على هذا التصور التسليم بأن الذين أسهموا في نشر القرآن وتعليمه بافريقية والمغرب من الصحابة ومن أخذ عنهم من التابعين، لم تكن تجمعهم قراءة واحدة معينة، وانما كانوا يقرأون على أنحاء كثيرة وأنماط أدائية متعددة بتعدد مصادر الأخذ والتلقي، الأمر الذي يتأتى معه القول بتعرف هذه المناطق على معظم ما هو متداول لهذا العهد من حروف القراءة، وما رسم من ذلك في مصاحف الصحابة، كما يمكن القول أيضا باطمئنان بتعرفها خاصة على حروف أهل المدينة وأهل الشام، وأن هذه الحروف سرعان ما غدت متداولة في القراءة عند جمهور القراء والمتعلمين لعدة أسباب:
أولها فيما يخص حروف أهل المدينة، أن عامة الصحابة القراء الذين كانوا يقومون على الإقراء اما مدنيون أو قرأوا بالمدينة.
ثانيها فيما يخص حروف أهل الشام، أن فتح هذه المناطق كان على أيدي الدولة الأموية بالشام، فكانت عامة المؤثرات في القراءة والشؤون العامة شامية، بما في ذلك بعثات التوجيه والإقراء التي تصاحب الجند.
وثالثها سعي الدولة الأموية إلى توحيد القراءة وحروفها على وفاق المصحف العثماني، وخصوصا في عهد إمارة الحجاج بن يوسف الثقفي كما قدمنا، وإن كان هذا لا يعني أنها قد استطاعت أن تحول دون استمرار القراءة بالحروف الشاذة عن هذا المصحف حتى في الشام نفسها أو العراق، لاسيما في حمص والكوفة حيث مركز قراءة ابن مسعود، رغم سطوة الحجاج، فقد بقيت معروفة بين القراء وجمهور الرواة، كما قال سليمان الأعمش (ت 148): "أدركت أهل الكوفة وما قراءة زيد فيهم الا كقراءة عبد الله فيكم ما يقرأ بها الا الرجل والرجلان"[2].
ومعنى هذا أن أصداء تلك الروايات المنقولة عن الصحابة في شواذ الحروف قد ظلت معروفة في قراءة الآخذين عنهم من التابعين لا يرون حرجا في القراءة بها عند الاقتضاء، وهذا عبد الرحمن ابن الأسود المدني ـ وهو معدود في التابعين يروي عن أبي بن كعب وعائشة وغيرهما، وقد غزا افريقية مع ابن أبي سرح[3] ـ يروي ابن أبي داوود من قراءته بهذه الحروف الشواذ، أن أبان بن عمران النخعي قال: "قلت لعبد الرحمن بن الأسود: انك تقرأ (صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين)"[4]. يعني أنه يخالف قراءة الجمهور.
فإذا كان مثل هذا يجري في أكثر السور دورانا على الالسنة في الصلاة، فما الظن بغيره مما فيه مجال لاتساع الخلاف مما يقرأ به من الشواذ. فمن المحتمل جدا أن أمثال هذه الحروف التي اعتبرت فيما بعد شاذة كانت مما يقرأ به الآخذون عن الفاتحين، ولا يجدون أدنى غضاضة في ذلك أو حرج أو إحراج. وكيف وقد تلقاها القارئ موثقة عن شيخه لا يخالجه أدنى شك في صحتها وجواز القراءة والإقراء بها، وانما تعارف الناس على التمييز بين المتواترة وغيرها من الحروف بعدأن دونت القراءات واستفاض نقلها في عهود لاحقة.
ولقد تحدثنا في الفصل الماضي عن طائفة من بعثات الإقراء الرسمية التي كانت تنتدب مع الجند أثناء الفتح أو بعده، ووقفنا على جهودهم في نشر القرآن وتعليمه، ولا شك أن البعثات الأولى منها كانت تتولى الدعوة والإرشاد أكثر مما تتفرغ لتلقين القرآن، ولهذا فلا يمكن الحديث عن أثرها في القراءة والسعي إلى توحيدها على نمط معين، ولهذا فيمكن أن تكون القراءة ظلت مطلقة على مصاحف الصحابة الذين شهدوا زمن الفتح كابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعبد الله بن عمرو، أو على مصاحف الفاتحين كعقبة بن عامر أو عقبة بن نافع وغيرهم.
والبعثة الوحيدة التي يمكن الحديث عن أثرها في توحيد القراءة على وفق المصحف العثماني الإمام هي بعثة عمر بن عبد العزيز، وذلك لوصولها إلى هذه المناطق على رأس المائة الأولى من الهجرة، وهو زمن قطعت فيه القراءة الرسمية شوطا بعيدا في الأمصار الإسلامية باتساع جمهورها وبداية ظهور الأئمة الكبار الذين ذكر أبو عبيد أنهم "تجردوا للقراءة واشتدت بها عنايتهم ولها طلبهم"، لاسيما في بلاد الشام الذين يذكر الحافظ ابن عساكر عنهم أنه "لما قدم كتاب عثمان إلى أهل الشام في القراءة، قالوا سمعنا وأطعنا وما اختلف في ذلك اثنان، انتهوا إلى ما أجمعت عليه الأمة وعرفوا فضله"[5].
فلا بدع في أن ينعكس الموقف الشامي إذن على الجهات المغربية بحكم التبعية السياسية وهيمنة العناصر الشامية في الجملة في زمن بني أمية سواء في معسكرات الجند أو على صعيد البعثات والهيئات التعليمية، فالمفروض أن يكون من أهداف البعثة العمرية البارزة في هذا المجال توحيد القراءة، وتوجيه جمهور القراء إلى حفظ القراءة العامة التي عليها جمهور الأمة في الأمصار الإسلامية في المشرق، وبهذا يمكن اعتبار عمل هذه البعثة في المنطقة الجسر القوي الذي يصل بين الطور الأول الذي سميناه طور القراءة الفردية، وبين الطور الثاني طور الاختيار بين القراءات في ضوء الخط المرسوم في المصحف الإمام. ولعل من تمام الإفادة أن نتعرف بنوع من التفضيل على أفراد البعثة العمرية ومكانتهم في وضع اللبنات الأولى في صرح المدرسة القرآنية في الغرب الإسلامي، ورسم المسار الذي سارت فيه القراءة في مختلف الجهات المغربية نحو اختيار قراءة جامعة يلتقي عليها جمهور القراء في تلاوة كتاب الله. وسيكون هذا التعريف بنشاطهم في ذلك مدخلا للطور الثاني من الأطوار الثلاثة التي عاصرت المناطق المغربية رجالها واستفادت من مدارسها المختلفة، وكان لها أثرها في سيادة هذه القراءة أو تلك مما غلب على بعض جهاتها في مختلف الفترات.
ب*- طور الاختيار بين القراءات والروايات في ضوء المصحف الإمام وأثر

البعثة العمرية.
زود أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز المناطق المغربية بعشرة من خيار فقهاء التابعين لتفقيه أهلها[6] وإقرائهم القرآن[7]، وهؤلاء أسماء رجال البعثة:
1- إسماعيل بن عبيد الأنصاري مولى لهم ـ يعرف بتاجر الله ـ وقد قدمنا أنه هو الذي أسس جامع الزيتونة بالقيروان، وكان "ومن أهل الفضل والعبادة.. مع علم وفقه، صحب جماعة من الصحابة وهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص، وروى عنه من أهل افريقية بكر بن سوادة الجذامي وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم .. وكان من سكان القيروان، انتفع به خلق كثير من أهلها وغيرهم، وبث فيها علما كثيرا، وهو أحد العشرة التابعين .. ركب البحر في غزاة عطاء بن رافع، فغرق وهو متقلد الصحف، وختم اللهــ عز وجل ـ أعماله بالشهادة، وكان ذلك في سنة سبع ومائة"[8].
2- إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر القرشي المخزومي ـ مولى لهم ـ وهو والي عمر بن عبد العزيز على افريقية والمغرب، ويذكر ابن حبان في مشاهير علماء الأمصار أنه كان "من صالحي أهل الشام وخيار الدمشقيين، كان قد ولاه عمر بن عبد العزيز جند افريقية، ومات في خلافة مروان سنة 132"[9].
وهو معدود في المصادر الافريقية في عداد أفراد البعثة العمرية وفي طليعتها[10].
أما ابن عذاري فيذكر أن عمر "بعث معه عشرة من التابعين أهل علم وفضل"[11].
وهذا يقتضي أنه ليس في الجملة، وذكر المالكي أن عمر استعمله على أهل افريقية ليحكم بينهم بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم ــ ويفقههم في الدين ـ قال ـ وهو أحد العشرة التابعين.."[12].
ونستفيد من هذا أن مهمة إسماعيل كانت موزعة بين الولاية والتعليم، ولعل هذا ما جعل تأثيره في افريقية أوسع من تأثير غيره من أفراد البعثة المذكورين فبله أو بعده، وقد "أسلم على يده خلق كثير"[13]، وعلى الرغم من اسناد الولاية إلى غيره بعد وفاة عمر[14] فإنه ظل مقيما بالقيروان نحوا من ثلاثين سنة، الأمر الذي جعله أكثر انصرافا إلى العبادة والتعليم والإقراء، فإذا علمنا انه كان قبل الولاية مشتغلا بتعليم القرآن بالشام، ومؤدبا لأولاد الخليفة عبد الملك بن مروان[15]، فإننا لا نستبعد أن يظل التعليم والتأديب شغله الشاغل بعد اعتزال الولاية.
ومن شواهد اهتمام ابن أبي المهاجر بالقراءة ما رواه عبد الله بن المبارك المروزي عن إسماعيل بن رافع عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه يوحى إليه، ومن قرأ القرآن فرأى أن أحدا من خلق الله أعطي أفضل مما أعطي فقد حقر ما عظم الله، وعظم ما حقر الله، وليس ينبغي لحامل القرآن أن يجهل فيمن يجهل ولا أن يحد فيمن يحد، ولكن يعفو ويصفح"[16].
وكان إسماعيل يروي عن عبد الله بن عمرو وفضالة بن عبيد وعن جماعة من التابعين، أما الرواة عنه فقد شحت المصادر بذكرهم، واكتفت من أهل الشام بذكر أبي عمرو الأوزاعي[17] وسعيد بن عبد العزيز التنوخي[18] ومن أهل افريقية بذكر زياد بن أنعم[19].
ظهور القراءة الجماعية:
ولا نتجاوز هذه الشخصية دون أن نلفت النظر إلى ملاحظة قيمة ينبغي إبداؤها، وهي اقتران اسمه بظهور القراءة الجماعية، أي بقراءة القرآن في جماعة دفعة واحدة، فيما أطلق عليه يومئذ "الدراسة" وهو أمر لاقى من أول ظهوره موجة من الاستنكار، واعتبر من البدع والمحدثات[20].
ولعل أول من ظهرت "الدراسة" في حلقته هو الصحابي الجليل أبو الدرداء عويمر بن زيد، وكانت حلقة حافلة في مسجد دمشق يبلغ تعداد من تضمه ألفا وستمائة ونيفا[21]، وذكر الإمام النووي نقلا عن أبي داود أن أبا الدرداء "كان يدرس القرآن معه نفر يقرأون جميعا"[22]، وذكر الحافظ الذهبي أن أبا الدرداء "هو الذي سن الحلق للقراءة"[23]. ولكن الحافظ ابن عساكر ينسب احداث هذه "الدراسة" إلى هشام بن إسماعيل المخزومي في قدمته على عبد الملك ـ، قال: ـ فحجبه عبد الملك، فجلس بعد الصبح في مسجد دمشق وعبد الملك في الخضراء"[24]، فأخبر أن عبد الملك يقرأ في الخضراء، فقرأ هشام بن إسماعيل، فجعل عبد الملك يقرأ بقراءة هشام، فقرأ بقراءته مولى له، فاستحسن ذلك من يليه من أهل المسجد فقرأ بقراءته" [25].
ويمكن الجمع بين الخبرين بالنظر إلى احتمال أن يكون هشام هذا من رواد حلقة أبي الدرداء، وأن يكون أسلوب الدراسة كان قد انقطع أو تنوسي العمل به منذ وفاة أبي الدرداء سنة 32[26] حتى أعاد هشام احياءه في مسجد دمشق، وغدا منذ هذا العهد مألوفا بالشام حتى حمله الحاملون معهم فيما حملوا إلى افريقية من أنواع المؤثرات.
والذي يهمنا بالنسبة لمترجمنا إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر ما ذكره عنه ابن عساكر وعن بعض أبنائه في هذا الصدد في قوله: "فممن كان يحضر "الدراسة" ممن يوصف بالعلم أو بالرياسة .. إسماعيل ابن عبيد الله بن أبي المهاجر، وقد ولي افريقية لهشام بن عبد الملك[27] وابناه: عبد الرحمن ومروان ابنا إسماعيل"[28].
وعلى هذا فيمكن أن يكون لهذا الوالي وولديه أثر في إدخال هذا النمط من تلاوة القـرآن، وهو نمط استحسنه غير واحد من المتأخرين لقيمته التعليمية ـ كما سيـأتي ـ وربما كان أخذه له عن امام أهل الشام بعد ابن عامر: صاحبه يحيى بن الحارث الذماري ـ امام المسجد الجامع الأموي وشيخ القراءة بدمشق، يقول عبد الملك بن العلاء أحد تلامذته:
"كنا ندرس في مجلس يحيى بن الحارث في مسجد دمشق في خلافة يزيد بن عبد الملك (101-105) إذ خرج علينا أمير دمشق الضحاك بن عبد الرحمن[29]... فأقبل علينا منكرا لما نصنع، فقال: ما هذا؟ وما انتم؟ فقلنا: ندرس كتاب الله، فقال: أتدرسون كتاب الله تعالى؟ ان هذا لشيء ما سمعته ولا رأيته، ولا سمعت أنه كان قبل"[30].
لا نستبعد إذن أن يكون دخول هذا النمط من التعليم بواسطة "الدراسة" أي القراءة الجماعية قد عرف في افريقية ابتداء من هذا العهد، وربما كان ذلك على يد إسماعيل بن أبي المهاجر في عهد ولايته أو بعد ذلك حين غادر الامارة في عهد يزيد بن عبد الملك الذي ولي الخلافة سنة 101 هـ، ويوافق هذا العهد نفسه الذي يذكر أن يحيى بن الحارث الذماري ـ صاحب ابن عامر أحد السبعة القراء ـ قد أحيا هذه الدراسة فيه بمسجد دمشق، هذا إن لم تكن قد بقيت على مستوى محدود من زمن الصحابي الجليل أبي الدرداء (ت 32).
على أنه لا مانع من أن تكون قد دخلت أيضا عن طريق العناصر الشامية التي كانت تتدفق على افريقية والأندلس دون انقطاع، ولاسيما على اثر القلاقل التي عرفتها البلاد الشامية في صدر المائة الثانية، أو في أثناء الحملات العسكرية الكبيرة التي كانت تخرج من هذه الجهات لنجدة بعض الأمراء.
ويذكر ابن عذاري وغيره أنه في دفعة واحدة "خرج مع كلثوم بن عياض اثنا عشر ألفا من أهل الشام سنة 123 على عهد هشام حين ولاه افريقية، كتب إلى والي كل بلد أن يخرج معه بمن معه"[31].
وإذا ثبت هذا أمكن لنا أن نرتب عليه آثاره الحتمية في وجود قراءة جامعة يقرأ القراء المجتمعون بها على هذا النمط الجديد الذي سموه بـ"الدراسة"، ولا يبقى لنا إلا أن نتساءل عن نوع القراءة المشتركة التي اجتمع ويجتمع على القراءة بها هؤلاء الدارسون، وعن الحدود المستعملة فيها؟؟.
قراءة ابن عامر الشامي بإفريقية:
الظاهر الذي تقتضيه طبيعة الأشياء بحكم ما قدمنا من عوامل أن تكون القراءة الشامية هي المرشحة وحدها لهذه الغاية يومئذ بحكم غلبة العناصر الشامية وكون الأمراء على افريقية والأندلس انما ينتدبون منها، ولمكان إسماعيل بن أبي المهاجر قارئا وواليا وواحدا من أعضاء البعثة العمرية.
معنى ذلك أن المدار في هذا كان على قراءة إمام أهل الشام عبد الله بن عامر اليحصبي (ت 118)، وهو شيخ إسماعيل بن أبي المهاجر كما يدل على ذلك هذا الخبر الهام الذي ذكره أبو زرعة الدمشقي في تاريخه قال: "وسمعت أبا مسهر[32] أو حدثت عنه عن عبد الرحمن بن عامر اليحصبي[33] قال: قال لي إسماعيل بن عبيد الله:
"أخوك أكبر مني بخمس سنين قال: وعلى أخيك قرأت القرآن"[34].
فهذا الخبر يدل دلالة صريحة على أن ابن أبي المهاجر كان من حملة القراءة عن إمام أهل الشام في القراءة فلا بدع اذن في أن يكون في طليعة من قام بنشرها في ولايته أو بعدها، وأن تكون هي المعتمدة في هذا النمط المستحدث في القراءة وهو أسلوب "الدراسة" على ما قوبل يه هذا النمط في بعض الأحيان من استهجان.
على أننا لا ننفي التأثير الذي كان يرد على المنطقة الافريقية من البلاد المصرية وغيرها بحكم الاحتكاك وقرب الجوار، ومن الجائز أن تسهم هذه الجهة أيضا في إدخال هذا النمط، اما تأثرا بما ظهر بالشام وفلسطين [35]، واما بصفة تلقائية باعتبار "الدراسة" من الوسائل التعليمية الناجعة في استظهار القرآن أو استذكاره مخافة النسيان، وتدل جملة من الفتاوى التي عرضت على الإمام مالك بن أنس ـ رحمه الله ـ في شأنها على أنها كانت مستعملة بمصر.
فهذا صاحبه عبد الله بن وهب الذي روى عنه الفقه كما روى عن نــافع القـراءة ـ كما سيأتي ـ يقول له مستفتيا: "أرأيت القوم يجتمعون فيقرأون جميعا سورة واحدة حتى يختموها،؟ فأنكر مالك ذلك وعابه وقال: ليس هكذا يصنع الناس،وانما كان يقرأ الرجل على الآخر يعرضه"[36].
والظاهر من استفتاء ابن وهب ـ وهو من قراء المصريين ـ أنه كان في سؤاله يصف أمرا واقعا في بلاده، وهو ما يفهم من قول مالك نفسه عن أهل الأسكندرية فيما ساقه الإمام أبو إسحاق الشاطبي[37] عن مالك في سياق إنكاره لهذا النمط من القراءة قال: "لا يجتمع القوم يقرأون في سورة واحدة كما يفعل أهل الأسكندرية، هذا مكروه لا يعجبني" [38].


- موقف العلماء من القراءة الجماعية في افريقية:
ومهما يكن فإن مناطق إفريقية لا بد أن تكون قد تعرفت على أسلوب "الدراسة" باعتباره نمطا تعليميا جديدا، وربما أسهمت فيها بنصيب قليل أو كثير عن طريق من دخلها من قراء الشام ممن أخذوا بهذا النمط، أو من قراء بلاد مصر بفعل الاحتكاك وقرب الجوار، أو بسبب هجرة من هاجر منهم إليها.
ولعل أهل إفريقية قد توسعوا في الأخذ بذلك تأثرا بأهل الشام والاسكندرية قبل أن يسود فيهم مذهب مالك، وأن يكثر أتباعه في القيروان والمنطقة، وأما بعد ذلك فقد ناقشوا المسألة وحاولوا في زمن سحنون (ت 240 هـ) أن يبثوا فيها على مذهب مالك بالمنع منها والأخذ على يد من سعى في ترويجها، وفي هذا السياق يقول سحنون فيما حكاه عنه ابنه في الرسالة التي دونها عنه في آداب المعلمين:
"ولقد سئل مالك عن هذه المجالس التي يجتمع فيها للقراءة، فقال: بدعة، وأرى للوالي أن ينهاهم عن ذلك ويحسن تأديبهم"[39].
لكن يبدو أن في قول سحنون وتعبيره بلفظ "هذه المجالس" ما يشعر بأنها أمست في هذه الجهة أيضا أمرا واقعا شائعا، وان كان أهل العلم ما يزالون يتوقفون في إباحته والإذن فيه.
ولقد زاد في الأمر ما ظهر في أثناء النصف الثاني من المائة الرابعة من احداث ما عرف فيما بعد بـ"الحزب الراتب"[40]، وقد ذكروا أن الشيخ المقرئ أبا محمد محرز بن خلف المؤدب (ت 413) هو "أول من سن قراءة القرآن بعد صلاة الصبح بافريقية"[41].
ولم يذكروا لنا شيئا عن الكيفية التي كان يتم بها القيام بهذه الوظيفة التي "سنها" أهي الطريقة الجماعية في الأداء أي "الدراسة"، أم هي تلاوة قارئ واحد والناس يستمعون بعد الفراغ من صلاة الصبح؟ الظاهر أن المراد قراءة الجماعة من القراء دفعة واحدة، ولذلك ظل الأمر محل استشكال، وبقيت الأسئلة حوله تتردد في الميدان الفقهي، ولكن الجواب عنها كما نجده عند الإمام القابسي قد بدأ يأخذ اتجاها جديدا، فقد سئل أبو الحسن علي بن خلف القابسي (ت 403) "عن المجتمعين بعد صلاة الصبح يقرأون الحزب من القرآن متفقين فيه، هل يجوز أم لا؟ فأجاب: ان كان لما يجدون في ذلك من القوة والنشاط في الحفظ والدراسة فلا بأس"[42].
ولا شك أن هذا فقه جديد للقضية المعروضة أملاه الواقع العملي أكثر مما أملاه النظر الفقهي والمذهبي وأقره الشيخ القابسي ـ وهو أحد أساطين المالكية في زمنه ـ ناظرا إلى ما لمس فيه من مصلحة راجحة في الحفز على الاستذكار والاستظهار، وهذا توسط منه في الفتيا بين مذهب المنع ومذهب الترخيص.
ويهمنا من هذا هنا ما يكون لابن أبي المهاجر ـ والي عمر بن عبد العزيز ـ من أثر في وضع اللبنات الأولى لهذه الدراسة المحدثة، لأنه ما من شك عندنا في أن لها تأثيرا كبيرا في توحيد القراءة والأداء على نمط واحد ولا تتأتى مع تباين القراءات، لما يؤدي إليه ذلك من التفاوت في الأداء بسبب الخلاف في أصول القراءات وفرشها. وسواء كانت القراءة التي اعتمدت في هذه القراءة الجماعية قراءة ابن عامر تبعا لما رأينا من المؤثرات الشامية، أم قراءة نافع من رواية ورش أو غيره تبعا لوصول طلائع الرواة عنه إلى افريقية في زمنه ـ كما سيأتي ـ وظهور مدرسة ورش القوية في مصر بعد منتصف المائة الثانية، فان ذلك يفيدنا في تقدير اجتماع كثير من الناس على بعض قراءات السبعة المطابقة لمصحف الجماعة، وقد اختاروها على غيرها لهذا الاعتبار، وسيأتي الحديث عن وصول طائفة أخرى من الروايات عن السبعة وغيرهم إلى افريقية وغيرها لهذا العهد وتلاقحها جميعا ثم تنافسها على الحظوة بالمكانة الأولى في المساجد الجامعة والتعليم والإقراء إلى أن كانت الغلبة لقراءة نافع.


أما باقي رجال البعثة العمرية فهم:
3- أبو ثمامة بكر بن سوادة الجذامي المصري الشامي الأصل

"كان رجلا فاضلا جليلا، روى عن جماعة من الصحابة، منهم عقبة بن عامر وسهل بن سعد الساعدي وسفيان بن وهب الخولاني وأبو ثور الفهمي، وروى عن جماعة من التابعين، منهم سعيد بن المسيب وابن شهاب الزهري، قال أبو سعيد بن يونس:
"كان فقيها مفتيا سكن القيروان، وكانت وفاته بها سنـة 128 ـ رحمه الله تعالى ـ، ويقال انه غرق في مجاز الأندلس، وكان أحد العشرة التابعين"[43]
4- جعثل بن عاهان بن عمير أبو سعيد الرعيني المصري

"هو أحد العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز من التابعين، وولي قضاء الجند بافريقية لهشام بن عبد الملك، ذكره ابن يونس وقال: كان أحد القراء الفقهاء"[44].
وقال ابن حجر وغيره: "بعثه عمر بن عبد العزيز إلى المغرب ليقرئهم القرآن"[45].
روى من التابعين عن أبي تميم عبد الله بن مالك الجيشاني[46] وأخرج له النسائي في سننه عن عقبة بن عامر2 أما الرواة عنه فمنهم عبد الله بن زحر[47] وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم[48] وبكر بن سوادة زميله في البعثة[49] ومن الطريف أنه وحده من بين أفراد البعثة نعت بـ"القارئ"، وقد جاء عن شيخه أبي تميم الجيشاني أنه كان من المختصين بمعاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ، وأنه تعلم عليه القرآن[50].
2- حبان بن أبي جبلة القرشي المصري ـ من موالي بني عبد الدار ـ
كان "من أهل الدين والفضل روى عن جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن عباس وعمرو بن العاص وولده عبد الله، وروى عنه زياد بن أنعم وأبو شيبة عبد الرحمن بن يحيى الصدفي وعبيد الله ابن زحر، سكن القيروان وانتفع به أهلها"[51].
دخل افريقــية مع رجال البعثة العمـــرية وبقي بها حتى توفي بالقيـــروان سنة (125-122)[52]، وقد وهم فيه بعضهم فعده من الصــحابة[53]، كما وهم بعضـهم في جعل مرسله إلى مصر لتفقيه أهلها عمر بن الخطاب[54].
6- سعد بن مسعود التجيبي المصري
"كان رجلا فاضلا مشهورا بالدين والفضل .. وهو من العشرة الذين بعثهم عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله تعالى عنه ـ ليفقهوا أهل القيروان"[55].
صحب جماعة من الصحابة وروى عنهم، منهم أبو الدرداء وغيره، وروى عنه جماعة منهم عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم7 وقد ذكروا أنه بث في القيروان علما كثيرا[56].
7- طلق بن جابان الفارسي

وهو معدود في العشرة من التابعين[57]، إلا أن المصادر التي ترجمت له لا تذكر أحدا من شيوخه في الرواية، إلا أن ابن يونس ذكر أنه يروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن المدني من التابعين[58].
أما الرواة عنه فمنهم عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وموسى بن علي بن رباح، ومن المصريين سعيد بن أبي أيوب[59]، ويظهر أن قدومه في البعثة إلى القيروان كان بعد إقامة طويلة في مصر حتى تفقه عليه أهلها[60] .
8- عبد الرحمن بن رافع أبو الجهم التنوخي المصري

"من فضلاء المؤمنين، روى عن جماعة وروى عنه جماعة، سكن القيروان وانتفع به خلق كثير، وهو أول من استقضي بها بعد فتحها، ولاه عليها موسى بن نصير سنة 80 هـ، وهو أحد العشرة التابعين، توفي بالقيروان سنة 113 هـ رحمه الله"[61].
ومن الرواة عنه عبد الرحمن بن زيــاد بن أنعم وولده إبراهيـم بن عبد الرحـمن وبكر بن سوادة الجذامي. ـ أحد رفاقه في البعثة ـ[62].
9- عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن الحبلي المعافري
"من فضلاء التابعين، بعثه عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله تعالى عنه ـ إلى افريقية ليفقههم في الدين، فانتفع به أهل افريقية، وبث فيها علما كثيرا، توفي بالقيروان سنة 100"[63].
روى عن أبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وعقبة بن عامر وفضالة بن عبيد وغيرهم"[64]. ويظهر من كثرة شيوخه ووفرة رواياته أنه كان من أهم أفراد البعثة في هذا الشأن، ولعله قد عاش في افريقية منذ أول الفتح ثم انتدب مع رجال البعثة الرسمية للتعليم والتوجيه، ولهذا زاد عدد الرواة عنه زيادة ملحوظة بالقياس إلى رفاقه، مع تقدم وفاته، ومن الرواة عنه أبو عقيل زهرة بن معبد القرشي وعبيد الله بن هبيرة وعمرو بن سعيد المعافري وإسماعيل بن زيد الأبلي وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم وأبو كريب جميل بن كريب المعافري القاضي وزميله في البعثة بكر بن سوادة الجذامي[65].
ويظهر أنه أخذ القراءة خاصة عن عقبة بن عامر الصحابي الجليل، لأنه يصفه بأنه "كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن"[66]، وقد وقفت له على حديث مسلسل[67] يرويه عن المنيذر الافريقي.
10- موهب بن حي المعافري
"من أهل الفضل والدين، وهو أحد العشرة التابعين، صحب ابن عباس وروى عنه وعن غيره من الصحابة، وسكن القيروان، وبث فيها علما كثيرا، وفيها كانت وفاته"[68].
ومن الرواة عنه عبد الرحمن بن زياد وعياش بن عباس القتباني[69] ومن روايتهما عنه هذا الحديث قال موهب: "سألت ابن عباس فقلت له: انا لنغزو المغرب وليسوا بأهل كتاب، فنجد في آنيتهم السمن والعسل وفي قربهم، أفنأكل ذلك وننتفع به؟ فقال: لا بأس بذلك، لأن الدباغ طهور لها"[70].
أولئك هم العشرة أعضاء البعثة العمرية، وأولئك هم طليعة الرعيل الأول من القراء والمقرئين بافريفية والمغرب بعد الفاتحين الأولين من الصحابة والتابعين، وقد ترجح لدينا من خلال ما عرضنا من سيرهم وأخبارهم أنهم كانوا يمثلون الجسر الأول الذي مرت عبره القراءة في هذه الجهات من طور القراءة الفردية كما كان يؤديها رجال الفتح دون تقيد أو التزام بقراءة شخص معين أو مصر معين أو رجوع لشيء غير الرواية والسماع، بقطع النظر عن كون المقروء به محل اتفاق أو اختلاف مع قراءة الجماعة كما تضمنها المصحف الإمام ـإلى طور الاختيار بين القراءات المأثورة عن السلف، واستصفاء ما هو موافق من حروفها لقراءة الجماعة ومصحفها المجتمع عليه على غرار ما تحقق في باقي الأمصار الإسلامية في الحجاز والشام والعراق على أيدي كبار الأئمة المتجردين للقراءة خاصة كما رأينا في الطور الثاني من نص أبي عبيد القاسم بن سلام.
واستكمالا منا للصورة عن هذه الحقبة بافريقية نرى أن نتحدث قليلا عن الجيل الأول الذي مثل الطبقة الأولى من قراء افريقية والجهات التابعة لها، من أبناء المنطقة أو من نشأوا فيها أو الواردين عليها ممن نسب إليهم إسهام في القراءة والإقراء أو عرف لهم تأثير ما في مجال الإقراء والتعليم على ما نجده في الكتب التاريخية من قلة الحفل بأخبار هذا الشأن والعناية بتفاصيل كافية فيه، مما ضاع معه تاريخ القراءة في المنطقة، وضاقت معه مساحة الاستفادة من تراجم العلماء المذكورين في كتب التراجم، إذ لا يكاد أحد من أصحابها يتجاوز الحديث عن العموميات والعبارات العامة المقتضبة. على أننا أيضا لا نريد بعملنا تقديم إحصاء عن شخصيات العصر ممن يعزون إلى نقل العلم والرواية، وإنما غرضنا الإلمام بذكر بعض الشخصيات التي كان لها شفوف وتفوق على أهل العصر بتنصيص المصادر على نشاط لها في القراءة أو رحلة مهمة في طلب العلم إلى مصر من الأمصار التي تزدهر فيها، أو رحلة من هذا المصر إلى بعض الجهات الافريقية، مما نرجو أن يساعدنا على تمثل سليم قريب من الواقع التاريخي الذي عرفه تطور القراءات بهذه الجهات.

[1]- وفي حديث علي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تقرأوا القرآن كما علمتم" –السبعة 47.

[2]- كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد 67.

[3]- معالم الإيمان للدباغ 1/161.

[4]- المصاحف لابن أبي داود 60، وهي قراءة أبي وابن مسعود وعمر بن الخطاب كما في البحر المحيط 1/28.

[5]- تهذيب تاريخ دمشق لابن بدران 1/65. وقد وقع بعض التوقف في شأن بعض القراءات المرسومة في المصحف العثماني من الصحابي الجلي أبي الدرداء حين وصل المصحف إلى دمشق، فقال في قوله تعالى في سورة الليل "وما خلق الذكر والأنثى" "وهؤلاء يريدونني أن أقرأ(وما خلق) فلا أتابعهم" وكان يقرؤها هكذا (والذكر والأنثى). يمكن الرجوع إلى البخاري بشرح ابن حجر 10/335 وصحيح مسلم 1/566 وجامع الترمذي بشرح عارضة الأحوذي لابن العربي 11/58.

[6]- رياض النفوس 1/101 – وكذا 1/116- 1/102.

[7]- حسن المحاضرة للسيوطي 1/298.

[8]- رياض النفوس 1/106-107. وفضائله كثيرة ذكر بعضها أبو العرب في طبقات علماء افريقية 25.

[9]- مشاهير علماء الأمصار لابن حبان 179 ترجمة 1418.

[10]- معالم الإيمان 1/203 ورياض النفوس 1/115.

[11]- البيان المغرب 1/48.

[12]- رياض النفوس 1/116 ترجمة 38.

[13]- المصدر نفسه 1/116.

[14]- ولي بعده يزيد بن أبي مسلم، "فسار في البربر بالظلم والغشم، فقتلوه في مصلاه" البيان المغرب 1/48.

[15]- تاريخ الإسلام للذهبي 5/226- وتهذيب التهذيب لابن حجر 1/317.

[16]- كتاب الزهد لابن المبارك 275-276.

[17]- هو إمام أهل الشام في الففه توفي سنة 157 هـ، وسيأتي ذكره عند ذكر الأوزاعية بالأندلس.

[18]- هو أبو محمد التنوخي "من فقهاء أهل الشام وعبادهم وحفاظ الدمشقيين وزهادهم، مات سنة 167 هـ وهو ابن بضع وسبعين سنة". مشاهير علماء الأمصار لابن حبان 184 ترجمة 1466.

[19]- رياض النفوس 1/116– طبقات علماء افريقية لأبي العرب 20– ومعالم الإيمان 1/203-206.

[20]- تاريخ دمشق لابن عساكر 2/49-50 طبعة دمشق 1954.

[21]- تاريخ دمشق 1/315- وغاية النهاية 1/606-607.

[22]- التبيان في آداب حملة القرآن للنووي 57.

[23]- سير أعلام النبلاء للذهبي 2/249.

[24]- يعني دار الإمارة بدمشق.

[25]- تاريخ دمشق 2/49 والتبيان للنووي 57 وينظر في نسبة الدراسة لهشام تاريخ أبي زرعة الدمشقيي 2/713.

[26]- ترجمته في غاية النهاية 1/606-607 ترجمة 2480.

[27]- لم أقف على من ذكر ولاية له بعد عزله في أول عهد يزيـــد. وقد ولي هشـــام ما بين (105-125 هـ).

[28]- تاريخ دمشق 2/50.

[29]- هو أبو زرعة الضحاك بن عبد الرحمان بن عزرب الأشعري البصري من علماء التابعين بالشام وصالحيهم ذكره ابن حبان في "مشاهير علماء الأمصار 115 ترجمة 886 وذكر النووي إنكاره في التبيان 57.

[30]- تاريخ دمشق 2/52.

[31]- البيان المغرب 1/54.

[32]- من الرواة عن نافع وسيأتي في أصحابه.

[33]- هو أخو عبد الله بن عامر القارئ.

[34]- تاريخ أبي زرعة الدمشقي 1/344.

[35]- ينظر في ذلك تاريخ دمشق 2/50 وتاريخ أبي زرعة الدمشقي 2/713.

[36]- نقله النووي في التبيان في آداب حملة القرآن 57.

[37]- هو إبراهيم بن موسى الغرناطي أبو إسحاق الشاطبي صاحب الموافقات (ت 790).

[38]- المعيار المعرب 11/169.

[39]- رسالة آداب المعلمين لابن سحنون 105.

[40]- سيأتي الحديث عن ترسيمه في زمن الموحدين.

[41]- الفوائد الجميلة للشوشاوي.

[42]- المعيار 11/169.

[43]- رياض النفوس للمالكي 1/112-113 ترجمة 36.

[44]- نقله في رياض النفوس 1/114 ترجمة 37.

[45]- تهذيب التهذيب: 2/79 ومعالم الإيمان: 1/202 وحسن المحاضرة: 1/298.

[46]- سنن النسائي 3/233-234 المطبعة التجارية الكبرى بمصر.

[47]- رياض النفوس 1/114.

[48]- معالم الإيمان 1/202 وكذا 1/230-237.

[49]- رياض النفوس 1/114.

[50]- أسد الغابة لابن الأثير 5/152 طبعة طهران (في خمسة أجزاء) 1980.

[51]- رياض النفوس 1/111-112 ترجمة 35.

[52]- رياض النفوس 1/111-112 وتهذيب التهذيب 2/271.

[53]- حسن المحاضرة 1/190.

[54]- نفس المصدر والصفحة.

[55]- رياض النفوس 1/102 ترجمة 39 – معالم الإيمان 1/184-187 – تهذيب التهذيب 12/115.

[56]- معالم الإيمان 1/184.

[57]- طبقات علماء افريقية لأبي العرب 20.

[58]- نقله في رياض النفوس 1/118 ترجمة 39.

[59]- رياض النفوس 1/117-118.

[60]- القراءات بافريقية 147.

[61]- رياض النفوس 1/100. ترجمة 33.

[62]- تهذيب التهذيب 6/168 – الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2/232. معالم الإيمان 1/198.

[63]- رياض النفوس 1/100 ترجمة 30.

[64]- رياض النفوس 1/1-1 وتاريخ رواة العلم بالأندلس لابن الفرضي 1/368-369 ترجمة 631.

[65]- ذكر له المالكي حديثا منثورا في ترجمته منه استنفدنا أسماء بعض الرواة عنه رياض النفوس 1/99-100.

[66]- تاريخ الإسلام للذهبي 2/306.

[67]- حديث مسلسل أكثر رجال سنده أئمة من أهل فاس والمغرب ذكره الشيخ عبد الباقي الأيوبي في كتابه "المناهل المسلسلة " 163 رقم الحديث 155.

[68]- رياض النفوس 1/110 ترجمة 34 ومعالم الإيمان 1/213.

[69]- من رجال الحديث من المصريين توفي سنة 133 هـ ترجم له ابن حجر في تقريب التهذيب 2/95.

[70]- رياض النفوس 1/111.
يتبـــــــــــــــــع






التحكم

  

رد مع اقتباس
قديم 01-07-2010   رقم المشاركه : 6
المعلومات الشخصية
نعيم البيلي
:: مشرف ملتقي الطلاب ::
 
الصورة الرمزية نعيم البيلي








الحالة
نعيم البيلي غير متواجد حالياً

 علم الدولة :

مشاهدةالبومات صور نعيم البيلي


للتواصل

افتراضي

الرواة عن الصحابة وعن التابعين الكبار من قراء المنطقة:
فممن ذكروا بالرواية عن الصحابة وأكابر التابعين:
1- أبو رشدين حنش بن عبد الله السبائي الصنعاني "من أهل الفضل والدين، يروي عن جماعة من الصحابة منهم علي وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبو الدرداء وفضالة بن عبيد ورويفع بن ثابت. ويروي عنه الحارث بن يزيد وابن أنعم وقيس بن الحجاج وعامر بن يحيى وجماعة، ولد بصنعاء اليمن وغزا المغرب، وسكن القيروان، واختط بها دارا ومسجدا ينسب إليه، وله بافريقية آثار ومقامات، وشهد غزو الأندلس مع موسى بن نصير، وعاش بعد الفتح إلى سنة 100 هـ فتوفي بافريقية"[1].
وقد أشرنا من قبل إلى مصحفه الذي كان يتهجد وهو بجواره، فإذا تعايا في آية نظر فيه[2].
وقد ذكر الحميدي ما يدل على وجود طويل له في المنطقة، لأنه دخل في حملة رويفع بن ثابت الأنصاري الذي ولاه معاوية على طرابلس سنة 46 هـ وغزا افريقية من قبل مسلمة بن مخلد، ومات ببرقة وهو أمير عليها[3] ـ، وكان حنش مع علي بن أبي طالب في الكوفة، وقدم مصر بعد قتله فأقام فيها حتى كانت حملة رويفع [4]. وعلى كل حال فقد كان من أقدم "الأطر" العلمية في المنطقة، ولهذا فنحن نعتبره في طليعة قرائها الذين كانت تروى عنهم القراءة وتؤخذ عنهم، وربما كان لنا أن نجزم بالنظر إلى تعدد مصادره وكثرة تنقله وتردده بين أكثر من جهة ومصر، أنه كان قد عرف أكثر من قراءة من قراءات الصحابة فيكون في قراءته قد اختار من مروياته حروفه الخاصة به، لاسيما بعد ظهور المصاحف العثمانية في الأمصار ودعوة القراء إلى القراءة بمضمنها.
2- أبو سعيد المقبري، واسمه كيسان مولى لبني ليث، وكان من فضلاء التابعين، روى عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وأبو هريرة وكان مختصا به، وروى عنه جماعة من المحدثين منهم يزيد بن أبي حبيب وابن أنعم، سكن القيروان وروى عنه أهلها إلى أن توفي سنة 100 هـ [5].
3- أبو غطيف المدني واسمه جندب بن بشر وقيل حبيب، "من فضلاء التابعين يروي عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وهو عمدته في الرواية، حدث عنه ابن أنعم وموسى بن علي بن رباح سكن القيروان واختط بها، وتزوج بنت بكر بن سوادة ـ أحد أفراد البعثة العمرية ـ[6].
4- المغيرة بن أبي بردة الكناني حليف بني عبد الدار .. معدود في التابعين روى عن أبى هريرة وغيره، وروى عنه موسى بن الأشعث البلوي وابن أنعم وولده عبد الله بن المغيرة، وروى عنه من أهل مصر يزيد بن أبى حبيب والحارث بن يزيد وسعيد بن سلمة، وغزا مع موسى بن نصير المغرب والأندلس[7].
8- ومنهم ولده أبو المغيرة عبد الله بن المغيرة القرشي "من فضلاء التابعين، يروي عن أبيه وعن سفيان بن وهب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن أقاموا بافريقية عهدا طويلا[8].
6- ومنهم عمارة بن غراب التجيبي وهو تابعي يروي عن عائشة أم المؤمنين وغيرها، سكن القيروان وروى عنه ابن أنعم، وذكره سحنون في تآليفه[9].
7- ومنهم زياد بن أنعم الشعباني والد عبد الرحمن من فضلاء التابعين، يروي عن ابن عمر وأبي أيوب الأنصاري، وروى عنه ابنه عبد الرحمن، سكن القيروان واختط بها مسجدا في ناحية باب نافع"[10].
8- عبد الرحمن بن السميفع، ويعرف بابن وعلة المصري، كان من أهل الفضل والدين معدودا في التابعين، روى عن ابن عمر وابن عباس، وروى عنه زيد بن أسلم ويحيى بن سعيد الأنصاري والقعقاع بن حكيم وابن أنعم وغيرهم، سكن افريقية، وكان بها مسجده"[11].
9- أبو عبد الله علي بن رباح بن قصير اللخمي، "كان فاضلا جليلا من جملة التابعين، يروي عن جماعة من الصحابة عمرو بن العاص وولده عبد الله وعقبة بن عامر وأبى هريرة وعائشة أم المؤمنين، وروى عنه جماعة كثيرة، قدم افريقية مجاهدا، وسكن القيروان واختط بها دارا ومسجدا .. وانتفع به وتفقه على يديه أهل القيروان، وكان راوية ابن عباس وأبي هريرة"[12].
10- أبو الأشعث ربيعة بن يزيد مولى أبي سفيان، كان معدودا في التابعين، يروي عن عقبة بن عامر الجهني وغيره، ويروي عنه الفرج بن فضالة وعبد الله بن عامر القارئ وسعيد بن عبد العزيز، وكان يعرف بالدمشقي، أوطن افريقية وكان مشهورا"[13]
وممن يروي عن الصحابة عياض بن عقبة بن نافع الفهري[14] وأبو منصور مولى سعد بن أبي وقاص الزهري، وكان مقرئا للقرآن ومفتيا، وأبو علقمة مولى ابن عباس ولي قضاء افريقية[15]، وأبو عثمان مسلم بن يسار المدني مولى الأنصار يعرف بالطبندي [16]، وأبو عمران موسى بن الأشعث البلوي[17]، وميسرة الزرودي[18] وعمرو بن راشد بن مسلم الكناني، ويقال عمارة بن راشد وكان أصله من الشام[19]، وأبو معمر عباد بن عبد الصمد من أصحاب أنس بن مالك[20]، ويحيى بن سعيد الأنصاري القاضي أحد شيوخ المحدثين من أئمة السنة بالمدينة المنورة[21]، وأبو أيوب سليمان بن يسار المدني أخو عطاء بن يسار الفقيه، وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة[22]، وأبو ليلى دخين بن عامر الحجري من الرواة عن عقبة بن عامر وغيره[23]، وأبو عقيل زهرة بن معبد بن عبد الله بن هشام التيمي المدني صحب إسماعيل بن عبد الله أمير افريقية وغزا معه، وكانت له مكانة عند عمر بن عبد العزيز[24]، وأبو قبيل حيي بن هانئ المعافري من أصحاب عقبة بن عامر[25].
وكثير غيرهم ممن ذكر المالكي وغيره من التابعين الذين كانوا البذور الأولى للمدرسة القرآنية في افريقية والمغرب، كما كانوا يمثلون امتدادات الطور الثاني من أطوار القراءة في الغالب لتعدد مصادر الأخذ عندهم ومعاصرتهم للحركة الرسمية التي رافقت المصحف الإمام في عموم الأمصار بغية الوصول إلى توحيد الأخذ بالقراءات المتواترة وترك الشواذ، فكانوا كما أسلفنا صلة الوصل بين هذا الطور والذي يليه مما سنقف عليه، وهو ما سميناه "طور الاستقرار على قراءة مختارة"، إلا أننا ههنا سنسميه احتياطا باسم "طور العمل على توحيد القراءة في المناطق المغربية على قراءة جامعة، وذلك لأن هذا العمل بهذه الجهات كان عملا مضنيا اقتضى من علماء المنطقة وأئمة الإقراء جهادا طويلا استغرق في بعض الجهات أزيد من مائتي عام.
ج- طور العمل على توحيد القراءة في المنطقة المغربية على قراءة جامعة
لا شك أن الإحساس بالحاجة إلى قراءة واحدة جامعة بدأ يظهر منذ أيام الخلفاء الراشدين، ولكن كثرة القراءات المأثورة في حروف القرآن مما كان يقرأ به الصحابة انطلاقا من الرخصة في ذلك مما أقره النبي صلى الله عليه وسلم وأذن فيه وانطلاقا من الحديث الشريف "ان هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا كما علمتم"[26] ـ كان يحول دون قيام هذا المشروع، وكل ما أمكن التفكير فيه والإعداد زمن خلافة عمر، ثم جرى تنفيذه زمن خلافة عثمان، هو توحيد الحروف المتواترة في صورة من الخط واحدة تحتمل ما هو ثابت في القراءة مع إبقاء قدر من المرونة يتسع لوجوه الخلاف التي تقبلها العربية من جهة، وتتفق مع ما هو يقيني ثابت في الرواية والنقل الصحيح مما اشتهر واستفاض، وكان هذا هو الباعث على تجريد المصاحف الأئمة من النقط والشكل[27]. ولقد تأتى بهذا الأسلوب في التدوين حصر الحروف المتداولة بين القراء في دائرة المرسوم في هذه المصاحف التي أرسلت إلى الأمصار المشهورة، وأرسل عثمان معها مبعوثين رسميين يقرئون الناس بما فيها من حروفه لا يتجاوزونه إلى غيره[28]، ولم يلبث القراء أن أخذوا يتحاشون ما خرج عن هذه المصاحف مما يسمى بالشواذ، ويهجرونها في القراءة والإقراء، وظهر في الأمصار الكبرى جماعة من كبار الأئمة تفرغوا لهذا الشأن ـ رأينا طائفة كبيرة من أسمائهم في النص الذي نقلنا عن أبي عبيد ـ وتجردوا لتمحيص الروايات وتجريد الحروف المتواترة في النقل، ونشرها في القراءة والأداء، فعول الناس في كل مصر على مجموعة معدودة معينة من هذه القراءات التي اختارها لهم أولئك الأئمة، وكان ظهور تلك القراءات ابتداء من النصف الثاني من المائة الأولى، إلا أن انتشارها بشكل واسع كان بعد ذلك في أثناء المائة الثانية فما بعدها.
وكان كل إمام من الأئمة المذكورين في مصر على رأس مدرسة، ومدار نشاط كبير في الإقراء، وذا أثر في القراءة لا يقف في حدود المصر الذي ينتسب إليه، وإنما يتجاوزه في أحيان كثيرة إلى الأقطار المجاورة والآفاق البعيدة، الأمر الذي كان يطير بشهرتهم في كل اتجاه، ويجعل الطلاب من كل حدب وصوب يشدون إليهم الرحال رغبة في الأخذ عنهم ووصل أسانيدهم في القراءة بهم، وتحقيقا لمزيد من الضبط وصحة الإسناد.
ولقد كان هذا النشاط على أشده في الأمصار الإسلامية، والبلاد الافريقية والمغربية يومئذ في بداية تكوينها العلمي، انما يصلها من أصداء ذلك ما كانت تسمح به الصلات النسبية بين القيروان وبين الجهات الشرقية سواء من حيث التبعية السياسية، أم من حيث الاستفادة ممن كان يرد عليها من هذه الأمصار من الشخصيات العلمية، أو من كان يشد الرحال إليها لهذه الغاية، وهذا ليس من شأنه بهذا المستوى وحده أن يعطيها من القوة والرسوخ في العلم ما يمكنها من تحقيق "الاكتفاء الذاتي" أو من التعبير عن قدرتها على منافسة الحواضر في المشرق في هذا المجال في اختيار مذاهبها الخاصة، سواء في مجال الفقه أم في مجال القراءة أم في أي مجال، ولذلك فلم يكن منتظرا منها لهذا العهد غير الاتباع التام واقتفاء الآثار، فكان أكثر جهد علمائها وقرائها الوقوف على ما هو سائد من العلوم الشرعية في الأمصار ومحاولة استيعابه ونقله بكامل الأمانة إلى بلدانهم.
طلائع الرحلات العلمية نحو المشرق:
وفي هذا المضمار يمكن تصنيف طائفة كبيرة من الرحلات العلمية التي كانت النوافذ العلمية الأولى التي فتحها الرواد على البلاد الإسلامية المشرقية، وذلك بعد انصرام زمن الصحابة والتابعين أو ابتداء من أواخر هذا العهد. فلقد كان الكلف بالجديد يستهوي هؤلاء الرواد، وكان أكثر ما يستأثر باهتمامهم المجال الفقهي، إحساسا منهم بحاجة هذه المناطق بعد استتباب الأمن فيها وزيادة العمران إلى البث في كثير من القضايا العامة والطارئة وتقديم الفتاوى الشرعية للمشاكل والنوازل استنباطا من الكتاب العزيز والسنة المشرفة بعد تحصيل الوسائل وتكوين الملكات. وهكذا يمكن للمتتبع لتاريخ الحركة العلمية في المناطق المغربية أن يلاحظ أن الحافز الأكبر الذي كان يحرك الهمم في اتجاه المشرق إنما كان أحد أمرين:
- أحدهما أداء فريضة الحج والوقوف على المشاهد الإسلامية بالمدينة المنورة.
- وثانيهما لقاء المشيخة والاغتراف من المناهل العلمية الصافية المعتمدة.
ولقد كانت الرحلة في كثير من الأحيان تمضي على رسلها، فتتحقق للطالب المجد الغايتان معا، وتكون رحلة الحج مناسبة للإقامة بالحرمين الشريفين للتضلع من علوم الرواية، بالإضافة إلى عدول الطالب غالبا عن الطريق القاصد في الذهاب والأياب ليعرج على هذا البلد أو ذاك، وغرضه لقاء المشيخة والسماع من أكابر العلماء، وبذلك كان يجمع الغنم من طرفيه، فيعود من الرحلة الحجازية غالبا محملا بأوقار العلم والرواية.
ثم كان مما يزيد في إغراء الأقران بمثل هذه الرحلات الناجحة، أن الواحد من أهلها لا يكاد يشارف حدود بلده عائدا حتى يجد الأعناق مشرئبة والنفوس متعطشة إلى ما عنده من جديد، لاسيما فيما يخص الفقه المذهبي وقراءة القرآن الكريم، ومن هنا كان لا مناص من أن تفد على المناطق المغربية أصداء الحركة العلمية في المشرق، ثم يتطور الأمر إلى إقبال أبنائها على النهل من ينابيعها، ثم يعودون وقد امتلأت حواصلهم بما جمعوا من روايات وما نالوه من درجات في الفقه والحديث والقراءة وغير ذلك مما كان محور هذه الرحلات.
ثم ان المناطق المغربية كانت مسرحا لتعاقب مختلف المؤثرات عليها، وذلك بحكم اختلاف التبعية السياسية، فقد كانت أول الأمر تابعة في الولاية لبلاد مصر، ثم أصبحت لها إمارتها التابعة للشام ولدار الخلافة بها، إلى أن سقطت دولة بني أمية سنة 132 وانتقلت الخلافة إلى العباسيين بالعراق، فكان كل ذلك يصحب معه آثارا بليغة في التوجهات العامة والمذاهب السائدة واتجاهات الرحلة من الطرفين. وقد رأينا فيما قدمنا ولمسنا جوانب من تلك الآثار من الحجاز والشام ومصر يوم كانت افريقية ولاية شامية.
أما بعد تحول عاصمة الخلافة إلى العراق، فقد دخل في الاعتبار عامل جديد سيؤدي إلى تحول اتجاه الرحلة إلى هذه الآفاق، ويؤدي بالتالي إلى استجلاب مذاهبها في الفقه والقراءة وغير ذلك، بل يؤدي أيضا إلى تحول الناس بصفة عامة إلى اعتناق المذهب الفكري للدولة وتبني اتجاهها في كل شيء وذلك ما أدى إلى دخول هذه المذاهب إلى المناطق المغربية إما عن طريق الدولة والقضاء الرسمي، وإما عن طريق الرحلات العلمية إلى حواضر العراق البصرة والكوفة وواسط ثم بغداد وسامراء وغيرها من المراكز، الأمر الذي أدى بالتبع إلى دخول القراءات السائدة في هذه الأمصار ومحاولة هيمنتها على جمهرة القراء، لاسيما قراءة حمزة بن حبيب إمام أهل الكوفة وأحد القراء السبعة. ونحاول فيما يلي التعرف على المعابر التي عبرت منها هذه المؤثرات إلى افريقية وما إليها فيما يخص جانب القراءة في هذا الطور الذي كانت ما تزال تبحث فيه لنفسها عن قاعدة مشتركة تؤسس عليها مطامحها في اتجاه الوحدة المنشودة.

[1]- رياض النفوس 1/121 ترجمة 41 وجذوة المقتبس للحميدي 201-203 ترجمة 403.

[2]- رياض النفوس 1/181.

[3]- شجرة النور الزكية في طبقات المالكية لابن مخلوف – التتمة 99.

[4]- جذوة المقتبس 201-203 ترجمة 403.

[5]- رياض النفوس 1/123-124 ترجمة 43.

[6]- رياض النفوس 1/122 ترجمة 42.

[7]- المصدر نفسه 1/124-125 ترجمة 44.

[8]- نفسه 1/128 ترجمة 46.

[9]- نفس المصدر والصفحة.

[10]- نفس المصدر 1/129 ترجمة 47.

[11]- رياض النفوس 1/130-131 ترجمة 48.

[12]- نفسه 1/119-120 ترجمة 40.

[13]- رياض النفوس 1/131 ترجمة 49.

[14]- نفسه 1/132-133 ترجمة 50. وترجمة أبي منصور في المصدر نفسه 1/133-134 ترجمة 51.

[15]- المصدر نفسه 1/134-135 ترجمة 51 مكرر.

[16]- نفسه 1/135-136 ترجمة 52.

[17]- نفسه 1/136 ترجمة 53.

[18]- نفسه 1/137 ترجمة 54.

[19]- نفسه 1/137 ترجمة 55.

[20]- نفسه 1/138-139 ترجمة 56.

[21]- نفسه 1/147-148 ترجمة 62.

[22]- نفسه 1/149 ترجمة 63.

[23]- نفسه 1/100 ترجمة 65.

[24]- رياض النفوس1/ 1/142-143.

[25]- نفسه 1/143-144.

[26]- الحديث مروي بصيغ كثيرة عن أزيد من عشرين صحابيا، ونص أبو عبيد على تواتره، ذكره السيوطي في الإتقـان 1/131.

[27]- يمكن الرجوع في سبب تجريدها من النقط والشكل إلى المحكم للداني ص 3- والنشر لابن الجزري 1/33.

[28]- أرسل عثمان المصاحف مع طائفة من القراء "فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المصحف المكي، والمغيرة بن أبي شهاب مع الشــامي، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكــوفي، وعــامر بن عبد القيس مع البصري" (مناهل العــرفان في علوم القرآن) للزرقاني 1/396-397).
يتبـــــــــــع






التحكم

  

رد مع اقتباس
قديم 01-07-2010   رقم المشاركه : 7
المعلومات الشخصية
نعيم البيلي
:: مشرف ملتقي الطلاب ::
 
الصورة الرمزية نعيم البيلي








الحالة
نعيم البيلي غير متواجد حالياً

 علم الدولة :

مشاهدةالبومات صور نعيم البيلي


للتواصل

افتراضي

أثر المدارس العراقية في افريقية والقيروان، ودخول قراءة حمزة وأبي عمرو بن العلاء وغيرهما
أدى انتقال قاعدة الخلافة من الشام إلى العراق بعد العقد الثالث من المائة الثانية إلى انتقال الاهتمام من الأفق الأول إلى الثاني، فأمسى اتجاه الرحلات العلمية تبعا لذلك خاضعا لهذا التحول الجديد، إذ غدا الولاة على المنطقة الافريقية والعاملون في ركابهم يختارون وينتدبون من دار الخلافة مباشرة، وأصبح على العاملين في الجهاز الرسمي بمن فيهم من أهل العلم يولون وجوههم نحو العراق، إما للقاء المسؤولين وإما للحصول على بعض الامتيازات من لدن الخلفاء ابتغاء الحظوة لديهم، وتعبيرا عن الولاء للدولة الجديدة .
ولقد كانت أخبار النهضة العلمية والعمرانية التي شهدتها حواضر العراق في المائة الثانية حافزا آخر من الحوافز التي كانت تحرك الهمم إلى ارتياد هذه الأمصار والجهات، للتعرف على علمائها والتفقه على فقهائها وعقد الصلات العلمية معهم، الأمر الذي كان ربما حفز طائفة من علماء العراق أيضا على الخروج إلى افريقية لنشر العلم والمعرفة وتبادل الرواية مع من بها من العلماء، وقد استفادت المنطقة استفادة جلى من هذه الحركة سنقف على مظاهر منها من خلال استعراض طائفة من تلك الاتصالات التي ظلت مستحكمة بين افريقية والحواضر العراقية ابتداء من قيام الدولة العباسية، ومرورا بنشوء إمارة بني الأغلب في افريقية والقيروان، إلى منتصف المائة الثالثة حين بدأ الصراع الحاد بين "المدرسة المدنية" وبين "المدرسة العراقية"، وهؤلاء أهم الشخصيات التي أثرت في هذا المضمار منذ بداية الاتصال:
1- عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وقد ترجمنا لوالده في التابعين، وقد ذكروا أن المترجم أول مولود ولد في الإسلام بعد فتح افريقية، وولي القضاء لمروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية ثم لأبي جعفر المنصور، وطال زمن ولايته، ثم استعفى، وخرج إلى العراق ولقي أكابر العلماء والمحدثين، وأخذ عنه جمهور من أهل افريقية ومصر والعراق منهم سفيان الثوري (ت 161 هـ) وعبد الله بن لهيعة وعبد الله بن وهب وابن غانم والبهلول بن راشد وابن حسان والصمادحي وسواهم من الأعلام[1] ومن شعره يحن إلى القيروان حين طال به المقام ببغداد قبل أن يلي القضاء من قبل المنصور:
ذكرت القيروان فهاج شوقــي وأين القــــيروان من العـــراق
مسيرة أشـهر للعـــيس نــصــا وللخيل المضـــــمرة العـتـــاق[2]
2- البهلول بن راشد الحجري الرعيني مولى لهم العالم الزاهد العابد
ولد سنة 128 هـ، وتلقى العلم بالقيروان، وسمع من عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وموسى بن علي بن رباح وغيرهما .. وكان له مسجد خاص يقرئ فيه، وقد تقدم ذكر زيارة هرثمة بن أعين له في موكبه، وقد "أهدى إليه مزودا مليئا بالدراهم فأبى قبولها"[3].
وكان أخذه للقراءة عن قارئ من القيروان سبق أن ذكرناه في المعلمين هو مسافر بن سنان الواعظ[4] ولقد حدث يحيى بن زكرياء بن الحكم عن أبيه[5] قال:
"قلت للبهلول بن راشد يا أبا عمرو، أرأيت هذه القراءة التي تقرأ عندك أشيء رويته عن السلف فنرويه عنك، أم شيء رأيته؟ فقال لي: ما أخذته عن أحد[6]، إلا أني كنت عند معلمي أخيط وكان يرسلني فأمر على مـسافر بن سنـان في المســجد الجامـع ـ وهو يذكر الناس ـ وقوم من القراء يقرأون، فأقف عليه وأستحلي سماع ذلك، فأبطئ على معلمي، فحاسبت نفسي وقلت لا يسوغ لي هذا ولا يسعني ذلك لأني مستأجر، فكنت آخذ من معلمي "طريحة" أعملها بأجرة معلومة.. فإذا فرغت منها مضيت إلى مجلس مسافر، فأسمع ما يجري في مجلسه من المواعظ والذكر فانتفعت بذلك، وبقيت حلاوة تلك المجالس في قلبي ومنفعتها إلى الآن، ـ قال البهلول ـ وهؤلاء القراء إن أتوني سمعت قراءتهم، وإن غابوا لم أرسل وراءهم"[7].
ومن دلالة هذا الخبر نستفيد أن البهلول كان يقرأ بقراءة خاصة كانت تؤخذ عنه، ويعرضها عليه أصحابه وذلك معنى قوله: "وهؤلاء القراء إن أتوني سمعت قراءتهم" فهو سماع عرض على سبيل الإجازة للقارئ ولهذا أراد السائل التثبت منه كما يدل على ذلك قوله للشيخ: "أشيء رويته عن السلف فنرويه عنك؟" إلا أن هذه الحال ربما كانت قبل رحلة البهلول إلى المشرق حيث اتسعت روايته وغدا معدودا في أعلام رواة العلم بافريقية، فقد رحل إلى العراق كما رحل إلى الحجاز، وسمع من مالك والليث بن سعد وسفيان الثوري وغيرهم[8]. وسمع منه سحنون وعون بن يوسف وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وتوفي سنة 183"[9].
3- علي بن زياد
ومنهم أبو الحسن علي بن زياد العبسي التونسي، ولد بطرابلس وانتقل إلى تونس فسكنها، سمع العلم بافريقية من خالد بن أبي عمران وغيره، ورحل إلى المشرق فسمع من مالك وسفيان الثوري والليث بن سعد وابن لهيعة[10] وغيرهم، ولم يكن في عصره بافريقية مثله"[11].
قال أبو سعيد بن يونس:
"هو أول من أدخل الموطأ وجامع سفيان إلى المغرب، وفسر لهم قول مالك ولم يكونوا يعرفونه، وكان قد دخل الحجاز والعراق في طلب العلم، وهو معلم سحنون الفقه"[12].
ولا يبعد أن يكون لابن زياد أثر أيضا في التعرف على بعض قراءات الأمصار واجتلابها، لاسيما وقد قرأ على سفيان الثوري أحد أكابر رواة القراءة عن حمزة[13]. وقد ذكر من نجباء تلاميذه سحنون والبهلول ابن راشد وأسد بن الفرات وشجرة[14]، ومات ابن زياد في سنة 183 هـ، وهي سنة وفاة البهلول[15].


4- ابن أبي حسان (40-126 هـ)
ومن رواد المدارس العراقية من أهل افريقية أبو محمد عبد الله بن أبي حسان اليحصبي من أشراف العرب الداخلين إلى افريقية. رحل إلى الحجاز والعراق فأخذ عن مالك وابن أبي ذئب[16] وابن عيينة[17] وغيرهم، وأخذ اللغة عن سيبويه والكسائي، وروى عنه سحنون بن سعيد ومحمد بن وضاح القرطبي وجماعة[18].
ومن المحتمل أنه قرأ على جماعة ممن سمينا، لاسيما سيبويه الذي كان أحد رواة قراءة أبي عمرو بن العلاء البصري ـ أحد السبـعة ـ[19] أو الكـسائي علي بن حمزة ـ أحد السبعة أيضا ـ، كما لا نستبعد أيضا أن يكون قد سمع القراءة بالمدينة من نافع أو غيره من المتصدرين بها، إذ تدل روايته عن ابن أبي ذئب المتوفى سنة 159 هـ على أن رحلته إلى المدينة كانت في زمن تصدر نافع بالحرم النبوي لتأخر وفاة نافع إلى سنة 169 هـ.
5- أسد بن الفرات
ومن هذا الرعيل ممن شدوا الرحال في طلب العلم إلى العراق أسد بن الفرات بن سنان القاضي الفقيه، قدم أبوه افريقية به سنة 144 هـ، وتعلم بالقيروان، وكان بعد ذلك يعلم القرآن في بعض القرى[20]، ثم أخذ يختلف إلى علي بن زياد بتونس، ولزمه حتى تعلم منه، وتفقه بفقهه، ثم رحل إلى المشرق فسمع من مالك بن أنس موطأ وغيره، ثم ذهب إلى العراق، فلقي أبا يوسف[21] ومحمد بن الحسن[22] وأسد بن عمرو[23] وكتب عن يحيى بن أبي زائدة[24] وهشيم[25] وأبي بكر بن عياش[26] وغيرهم، وأخذ عنه أبو يوسف موطأ مالك"[27].
ومن النظر في مشيخته يتجلى مقدار اهتمامه بلقاء الأئمة المعتمدين في الرواية، ولا أستبعد أن يكون في خلال وجوده الطويل بالحجاز والعراق قد تلقى القراءة من جملة ما تلقاه، إلا أن اهتمام المؤرخين قد انصرف إلى ذكر الجانب الذي يهمهم أو الجانب الذي غلب عليه، لاسيما وهو يروي عن أبي بكر بن عياش راوية عاصم بن أبي النجود قارئ الكوفة وإمامها. وربما دل على منزلة أسد في القراءة وصية كل من مالك وابن القاسم[28] له، فقد قال له مالك ـ وهو يودعه ـ: "أوصيك بتقوى الله العظيم والقرآن ومناصحة هذه الأمة خيرا... ـ قال أسد ـ "وما ودعت ابن القاسم قط إلا وقال لي: "أوصيك بتقوى الله والقرآن ونشر العلم"[29].
وتصف لنا قولة منسوبة إليه مدى إقبال الناس يومئذ على مذاهب أهل العراق، فقد قال عبد الرحيم الزاهد: "قلت لأسد لما قدم علينا بكتب أهل المدينة وأهل العراق: أي القولين تأمرني أتبع وأسمع منك؟ فقال لي: "إن أردت الله والدار الآخرة فعليك بقول مالك، وإن أردت الدنيا فعليك بقول أهل العراق"[30].
وقد ولي أسد القضاء بالقيروان زمانا لزيادة الله بن الأغلب[31]، ثم ولاه على الجيش الخارج لغزو صقلية فكان فتحها على يده، وتوفي وهو محاصر سرقسطة أعظم مدنها سنة 213 هـ وقيل 214 أو 217، وقبره ومسجده بصقلية، وكان قدومه من المشرق سنة 181 هـ[32].
6- عبد الله بن غانم الرعيني
ومن أعلام أصحاب الرحلة العلمية في المائة الثانية من الأفارقة عبد الله بن غانم بن شراحيل الرعيني القيرواني قاضي افريقية وصاحب مالك بن أنس، روى عن مالك وعليه اعتماده، ودخل العراق فروى بها عن سفيان وجماعة يطول ذكرهم، ولقي أبا يوسف صاحب أبي حنيفة، وكانت رحلته وسماعه من سفيان هو وصاحباه عبد الله بن فروخ الفارسي والبهلول بن راشد في وقت واحد، وكان ابن غانم يتولى القراءة حين السماع عليه. ولما عاد من رحلته ولي القضاء سنة 171 هـ وهو ابن اثنتين وأربعين سنة، وبقي في القضاء إلى أن مات في ربيع الآخر سنة 190 هـ وقيل 196.[33]
7- عبد الله بن فروخ الفارسي
ومنهم أبو محمد عبد الله بن فروخ الفارسي الفقيه المحدث من أعلام علماء افريقية. رحل إلى المشرق فدخل الحجاز والعراق، وسمع من مالك وسفيان الثوري وابن جريح والأعمش واجتمع بأبي حنيفة وذاكره. وناظر زفر بن الحارث صاحب أبي حنيفة في مجلس شيخه حتى قطعه، وذكر عياض أنه "كان اعتماده في الفقه والحديث على مالك وبصحبته اشتهر". وذكر المالكي أنه رجع من رحلته إلى إفريقية فأوطنها، وأقام بها يعلم الناس العلم ويحدثهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفع به كثير، ثم رحل إلى المشرق فوصل إلى مصر، ثم تمادى إلى مكة فحج ورجع إلى مصر فتوفي بها ودفن بسفح المقطم سنة 176 هـ، وكانت لوفاته بمصر فجعة عظيمة في قلوب أهل العلم، وقالوا: طمعنا أن يكون خلفا لنا من الليث [34]" "[35].
8- عنبسة بن خارجة الغافقي
ومنهم أبو خارجة عنبسة الغافقي الإمام المحدث. رحل من القيروان فدخل العراق والحجاز ومصر وسمع من الليث بن سعد ومالك بن أنس وعبد الله بن وهب وسفيان الثوري وابن عيينة وجماعة من أهل المدينة، وعاد إلى بلده، وكان مقامه في حصن على البحر يقال له " ينقة" في ناحية سفاقس في الغربي منها، سمع منه أبو داود العطار[36] وروى عنه عون بن يوسف[37] وجماعة، وكان سحنون يجله، توفي سنة 210 وقيل 220 هـ[38].
9- معاوية الصمادحي
ومنهم أبو عون معاوية بن الفضل الصمادحي الإمام الثقة العالم بالفقه والحديث. سمع من أبيه وابن أنعم، ودخل العراق والحجاز فسمع من سفيان الثوري ووكيع بن الجراح[39] والفضيل بن عياش وقيل روى عن مالك، وسمع ابن القاسم وغيره من أصحابه، وعنه أخذ فرات [40] وعامة فقهاء افريقية وابن وضاح القرطبي وأحمد بن يزيد القرطبي[41]، وكان كثير المرابطة في "المنستير" وكانت له كل يوم ختمة، مات سنة 225 هـ[42].

[1]- سيأتي ذكر هؤلاء الأعلام في أماكن مختلفة من هذا الفصل وغيره.

[2]- معالم الإيمان 1/232- ورياض النفوس 1/156 ترجمة 67 وشجرة النور الزكية61-62.

[3]- ترتيب المدارك 3/94-95.

[4]- ترجمته في رياض النفوس 1/199 ترجمة 85.

[5]- هو زكرياء بن الحكم أبو يحيى اللخمي، كان من أهل العلم سمع من مالك وحيوة بن شريح.. له ترجمة في ترتيب المدارك 3/324 ورياض النفوس 1/238 ترجمة 92 – ومعالم الإيمان 2/68-69.

[6]- لعله يعني أنه أخذ ذلك سماعا دون عرض.

[7]- رياض النفوس 1/199-200.

[8]- رياض النفوس 1/200- 214.

[9]- ترجمته في الرياض 1/214 - ترجمة 86 وترتيب المدارك 87-98- وشجرة النور 60 طبقة 6.

[10]- هو عبد الله بن لهيعة المصري سيأتي.

[11]- شجرة النورالزكية لابن مخلوف 60 الطبقة 5 ترجمة 33.

[12]- نقله عياض في ترتيب المدارك 3/80.

[13]- روى القراءة عرضا عن حمزة وروى عن عاصم والأعمش حروفا. توفي سنة 161 هـ. غاية النهاية 1/308 – ترجمة 1358.

[14]- هو شجرة بن عيسى المعافري، ولي قضاء تونس أيام سحنون (169-262 هـ) ترتيب المدارك 4/101-102.

[15]- ترتيب المدارك 3/84 ورياض النفوس 1/234-237 ترجمة 91.

[16]- هو عبد الرحمن بن المغيرة القرشي من فقهاء المدينة المعتبرين في زمن مالك، مات بالكوفة سنة 159 هـ ترجمته في طبقات الفقهاء للشيرازي 67.

[17]- هو سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي المكي الإمام المحدث (107-198) عرض القرآن على حميد بن قيس المكي وعبد الله بن كثير. ترجم له ابن الجزري في غاية النهاية. 1/308 ترجمة 1358.

[18]- ترتيب المدارك 3/310-315 وشجرة النور 63 الطبقة 5 ترجمة 41.

[19]- سيبويه هو عمرو بن عثمان بن قنبر الفارسي البصري (ت 180 هـ) له رواية عن أبي عمرو بن العلاء رواها له أبو القاسم الهذلي في كتاب الكامل في القراءات، وذكر ابن الجزري في ترجمة عمرو بن سعيد أنه روى قراءة أبي عمرو من رواية يونس بن حبيب وسيبويه من طريق نحوية غريبة .. "غاية النهاية" 1/601 ترجمة 2452.

[20]- تقدم أنه كان يعلم في كتاب بوادي بجردة بتونس، ينظر ترتيب المدارك 3/391 ورياض النفوس 1/254.

[21]- هو يعقوب بن إبراهيم قاضي قضاة بغداد في زمن الرشيد (ت 182 هـ). طبقات ابن سعد 7/330-331. وطبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي 134.

[22]- من أصحاب أبي حنيفة تفقه عليه وعلى صاحبه أبي يوسف القاضي (ت 187 هـ). طبقات الشيرازي 135.

[23]- أسد بن عمرو بن عامر البجلي الكوفي من أصحاب أبي حنيفة (ت 190 هـ). لسان الميزان لابن حجر1/383.

[24]- هو يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة الكوفي الحافظ (ت 183 هـ). خلاصة التهذيب للخزرجي 423.

[25]- هشيم بن بشير الواسطي نزيل بغداد توفي بها في شعبان سنة 183 هـ. طبقات ابن سعد 7/325.

[26]- هو شعبة بن عياش أحد الرواة المشهورين في قراءة عاصم، تقدم التعريف به.

[27]- ترتيب المدارك 3/291.

[28]- هو عبد الرحمن بن القاسم العتقي صاحب الإمام مالك وأحد مشاهير رواة مذهبه بمصر سيأتي في الرواة عن نافع.

[29]- ترتيب المدارك 3/292-293.

[30]- نفسه 3/306.

[31]- ولي زيادة الله افريقية سنة ثلاث أو أربع ومائتين – رياض النفوس 1/255- وترتيب المدارك 3/304.

[32]-ترتيب المدارك3/309 – رياض النفوس 1/255-273 ترجمة 104 – شجرة النور الزكية 62.

[33]- ترتيب المدارك 3/65-79 – ورياض النفوس 1/215-229 ترجمة 87- وشجرة النور 62.

[34]- توفي الليث سنة 175 هـ، وسيأتي في الرواة عن نافع.

[35]- ترتيب المدارك 3/104 – ورياض النفوس 1/178.

[36]- هو أحمد بن موسى بن جرير الأزدي العطار من أصحاب يحيى بن سلام في رواية التفسير سيأتي عن قريب.

[37]- هو عون بن يوسف الخزاعي أبو محمد من أهل القيروان له رحلة إلى المدينة بعد موت مالك. ترتيب المدارك 4/89.

[38]- ترجمته في رياض النفوس 1/241-247 ترجمة 96 وشجرة النور 2-63 الطبقة 5 ترجمة 40.

[39]- وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي (ت 196 هـ) الخلاصة للخزرجي 415 وطبقات المفسرين للداودي 2/357.

[40]- هو فرات بن محمد العبدي من أصحاب سحنون. ترجمته في شجرة النور 72 الطبقة 6 ترجمة 89.

[41]- سيأتي في أصحاب ابن وضاح.

[42]- ترجمته في معالم الإيمان 1/317-319- وترتيب المدارك 4/95 ورياض النفوس 1/231- ترجمة 89.
يتبـــــــــــع






التحكم

  

رد مع اقتباس
قديم 01-07-2010   رقم المشاركه : 8
المعلومات الشخصية
نعيم البيلي
:: مشرف ملتقي الطلاب ::
 
الصورة الرمزية نعيم البيلي








الحالة
نعيم البيلي غير متواجد حالياً

 علم الدولة :

مشاهدةالبومات صور نعيم البيلي


للتواصل

افتراضي

أثر علماء الكوفة وقرائهم في إفريقية والقيروان:
من هذه التراجم وأمثالها مما لم أر داعيا للإطالة به نستطيع أن نتبين إلى أي حد كان الإقبال على الأخذ عن أئمة العراق لهذا العهد وعن أهل الكوفة على الخصوص كالأعمش وسفيان وأبي بكر بن عياش، وهم جميعا في عداد القراء، ومن ذلك يتضح ما كان للكوفة بوجه خاص من تأثير جلي على المسار العلمي بافريقية، ولا شك أن دواعي تأثر هؤلاء العلماء بنوع القراءة السائدة بها متوافرة في هذا الطور الذي هو طور الاختيار بين القراءات المأثورة قبل أن تستقر المنطقة الافريقية على قراءة جامعة، إلا أن القراءة التي كانت مرشحة يومئذ لأن تحظى باهتمامهم وإقبالهم هي التي عليها جمهرة القراء بالكوفة، وقد قدمنا في نص أبي عبيد القاسم ابن سلام أن رؤساء الكوفة في هذا الشأن كانوا ثلاثة هم يحيى بن وثاب ثم الأعمش وعاصم بن أبي النجود قال: ثم تلاهم حمزة رابعا، وهو الذي صار عظم أهل الكوفة إلى قراءته من غير أن يطبق عليه جماعتهم" ثم قال: "وأما الكسائي فإنه كان يتخير القراءات فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضا".
وهكذا نلاحظ أن المدار كان يومئذ على قراءة حمزة، وفي هذا يقول أبو بكر بن مجاهد أول من سبع السبعة وجعل حمزة معهم ـ: "وكان ممن تجرد للقراءة ونصب نفسه لها، وكان ينحو نحو أصحاب عبد الله[1]، لأن قراءة عبد الله انتهت بالكوفة إلى الأعمش، وكان حمزة قد قرأ على الأعمش بها" [2].
ثم أسند ابن مجاهد عن محمد بن الهيثم[3] المقرئ (ت 249هـ) قوله: "أدركت الكوفة ومسجدها الغالب عليه قراءة حمزة، ولا أعلمني أدركت حلقة من حلق المسجد يقرأون بقراءة عاصم"[4].
وهذا يدل إذن على أن أكثر حلقات الإقراء في المسجد الجامع بالكوفة كانت خالصة لقراءة حمزة لا يكاد يزاحمها عليها شيء من القراءات الأخرى وهو ما يساعدنا على تمثل مدى تعرض أصحاب الرحلات العلمية إليها لسماع قراءة حمزة والرغبة في تحصيل حروفها والدخول بها عند العودة إلى المنطقة، وإن كانت كتب التراجم التي بين أيدينا لا تكاد تصرح بشيء في هذا المجال، إلا أن طبيعة الأحداث تقتضي مثل هذا التأثر والتصرف، إذ ليس بالأمر المعتاد أن يقيم طالب العلم في بلد يجد بين قراءة أهله وبين قراءته نحو الفوارق التي بين قراءة حمزة وبين قراءة غيره دون أن يحفزه ذلك على محاولة رصد هذا الخلاف ورواية أصوله وحروفه. وبهذا نقول بكل اطمئنان عن تعرف افريقية والمناطق التابعة لها على قراءة حمزة وتمكنها فيها واحتوائها على جمهرة القارئين وهيمنتها على المتعلمين تبعا لذلك، على نحو ما تم لها ذلك في مصرها، وبين أيدينا من كتب التراجم إشارة واحدة نعتبرها كافية في هذا الصدد لأهميتها، وهي إشارة جاءت عند الإمام ابن الفرضي في سياق حديثه عن أحد أعلام القراء الأندلسيين الذين دخلوا بقراءة نافع إلى افريقية، وهو محمد بن خيرون المقرئ، فقد ذكر أنه "قدم بقراءة نافع على أهل افريقية، وكان الغالب على قراءتهم حرف حمزة.."[5].
ومصدر غلبة هذه القراءة في هذا الطور إذن واضح، ويمكن إجماله في جملة أمور:
أ ـ كثرة الرحلات العلمية إلى العراق.
ب ـ تبني الدولة الأغلبية بافريقية لمذهب أبي حنيفة في الفقه تبعا لدار الخلافة ببغداد.
ج ـ أثر بعض الشخصيات التي وليت القضاء في نشر مذاهب الكوفيين ومن أهمها أسد بن الفرات.
د ـ دخول جماعة من علماء الكوفة إلى افريقية وتولي بعضهم مراكز مهمة كالقضاء وغيره من شؤون الدولة.
فقد دخلها جماعة منهم عبد الله بن المغيرة الكوفي الذي "سمع من سفيان ومن كبار الكوفيين"[6] ودخلها أبو سليمان النحوي صاحب محمد بن يحيى المعروف بالكسائي الصغير[7] الذي ناظره محمد بن سحنون[8]. هذا بالإضافة إلى جماعة كبيرة من علماء العصر بها ممن كانوا ينتسبون لأهل العراق نسبا أو مذهبا، أذكر منهم الشخصيات التالية:
- محمد بن زرزور الفقيه الفارسي "وكان على مذهب أبي حنيفة، وكان حافظا لبيبا (ت291 هـ)[9].
- محمد بن المنيب الأزدي الفقيه وكان يذهب مذهب أهل العراق، عرض عليه القضاء فلم يقبله (ت 293 هـ)[10].
- وأبو عقال بن خير الفقيه، وكان يذهب مذهب أهل العراق، وكتب للقاضي ابن عبدون في أيامه (ت 296 هـ)[11].
- ومحمد بن محمد بن الفرج البغدادي مولى بني هاشم، وكانت له عناية وطلب (ت 290 هـ)[12].
- وزيدان بن إسماعيل الأزدي .. وكان من الثقات في العلم (ت 293 هـ)[13].
- ومحمد بن أبي الهيثم اللؤلؤي الفقيه (ت 294 هـ)[14].
- وسليمان بن حفص الفراء، وكان جهميا يقول بخلق القرآن ويدعو إليه الناس، (ت 296 هـ)[15].
- وأحمد بن محمد بن سيرين الفقيه بمذهب أهل العراق، ولي قضاء برقة للعبيديين [16].
- ومحمد الكلاعي وكان هو وأصحابه على مذهب أهل العراق، وكانوا يعادون حملة الفقه المالكي ويسعون بهم[17].
- وعبد الله بن محمد بن سعيد بن الأشج، وهو فقيه قيرواني عراقي المذهب كان يحتال في تسويغ الربا للصارفة والتجار (ت 286 هـ)[18].
- وأحمد بن يحيى بن طيب المتطبب الفقيه بقول أهل العراق مات مقتولا بمدينة رقادة (ت 297 هـ)[19].
- وأبو اليسر إبراهيم بن محمد الشيباني البغدادي المعروف بالرياضي صاحب المؤلفات الحسان في فنون من العلم منها كتاب في القرآن سماه "سراج الهدى" (ت 298 هـ)[20].
- وخلف بن معمر بن منصور من الفقهاء العراقيين (ت 303 هـ)[21].
- ومحمد بن موسى التميمي من شيوخ العراقيين (ت 307 هـ)[22].
- وأحمد بن عبد ارحمن اللخمي من الفقهاء العراقيين (ت 308 هـ).
- وأحمد بن عبدون بن وهب من العراقيين (ت 308 هـ)[23].
- وأحمد بن مسعود المعروف بـ"دلك"، رحل إلى العراق وجلس إلى داود الظاهري ( ت 270 هـ)[24].
فهؤلاء نحو عشرين شخصية تنحصر وفياتهم بين أواخر العقد التاسع من المائة الثالثة وبين العقد الأول من الرابعة، وقد وقع التنبيه على انتمائهم في الاتجاه الفقهي أو الفكري بوجه عام إلى مذاهب أهل العراق،وذلك معناه كما أسلفنا سيادة تلك المذاهب في الجملة واستئثارها بالسواد الأعظم من العاملين في ركاب الدولة، ومن شأن القراءة والإمامة والتعليم والتوجيه أن تكون تابعة لذلك، ومعنى ذلك أيضا دخول ابن خيرون المقرئ بقراءة نافع إلى وسط علمي درج القراء فيه على قراءة حمزة وحدها، "ولم يكن يقرأ لنافع إلا خواص من الناس"[25]. فكان بذلك رائدها الكبير في افريقية بالقيروان كما سيمر بنا.
ذلك ما يتعلق بقراءة حمزة في افريقية انطلاقا من شيوع الأخذ بمذاهب العراقيين السائدة في الكوفة، فهل كان لمذاهب العراقيين في البصرة مثل ذلك بحكم المنافسة التي كانت معروفة بين المصرين؟.
أثر المدرسة البصرية:
لا نستبعد أن يكون لها نصيب من التأثير، إلا أنه ليس في قوة الأثر الذي للكوفة وعلمائها، وربما كان بعض ذلك راجعا إلى ميل الدراسات في البصرة إلى نوع من التخصص في مباحث النحو واللغة والرواية الأدبية، ومع هذا فقد وصل إلى افريقية شيء من التأثير العلمي في مجال القراءة يمكن ملاحظته من خلال النظر في مستويات الأعلام الذين دخلوها من مدينة البصرة ونشروا فيها مذاهبهم وتركوا آثارهم ماثلة في بعض ما خلفوا من أعمال. ومن أولئك الأعلام نذكر على سبيل المثال:
1- يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة أبو زكرياء التــيمي البــصري الإمـام المفــسر (124-200 هـ)
كان يحيى أحد أعلام رواة العلم بالبصرة، وكان يقول: "أحصيت بقلبي من لقيت من العلماء فعددت ثلاثمائة وثلاثة وستين عالما سوى التابعين وهم أربعة وعشرون، وامرأة تحدث عن عائشة رضي الله عنها"[26].
وأما شيوخه في القراءة خاصة فيمكن استفادتهم مما ذكره ابن الجزري في ترجمته في قوله: "روى الحروف عن أصحاب الحسن البصري[27] عن الحسن بن دينار[28] وغيره، وله اختيار في القراءة من طريق الآثار ... نزل المغرب وسكن افريقية دهرا، وسمع الناس بها كتابه في تفسير القرآن، وليس لأحد من المتقدمين مثله، وكتابه "الجامع"، وكان ثقة ثبتا ذا علم بالكتاب والسنة ومعرفة اللغة والعربية، وصاحب سنة، وسمع منه بمصر عبد الله بن وهب ومثله من الأئمة، توفي في صفر سنة 200 هـ"[29].
ويهمنا مما ذكر ابن الجزري بالنسبة لموضوعنا العناصر التالية:
1- أنه كان صاحب اختيار في القراءة من طريق الآثار، بمعنى أنه كان ينتمي إلى الطور الثاني من أطوار القراءة طور الاختيار بين القراءات دون التزام قراءة قارئ معين من السبعة أو العشرة أو غيرهم.
2- أنه أقام بافريقية دهرا بحيث يمكن أن يأخذ اختياره هذا طريقه إلى الرواية عند أهلها.
3- أنه ألف كتابا في التفسير ضمنه اختياره في القراءة في الغالب، ورواه عنه جمهور من رواة العلم[30].
فمن الرواة عنه ولده محمد بن يحيى، وطريقه عنه هي إحدى أهم الطرق التي روي بها تفسيره في افريقية والأندلس معا[31]، منهم أبو داود أحمــد بن موسـى العطـار (ت 212 هـ)، وهو أشهر الرواة عنه، ومن طريقه روي عنه التفسير المذكور في إحدى طرقه المشهورة[32]. ومنهم أبو عبد الله إسماعيل بن رباح الجزري (ت 212 هـ)[33]. وأبو سنان زيد بن سنان (ت 244 هـ)[34]، ومحمد بن قادم[35]، وأبو الربيع اللحياني[36] وعبد الله ابن محمد بن علي أبو جعفر الدغشي[37]، وعون بن يوسف الخزاعي[38]. وسواهم من أعلام القيروان.
ولا شك أن الرواة عن ابن سلام كانوا أوفر عددا مما ذكرنا، نظرا لشهرته ومكانته في العلم وعلو أسانيده في القراءة وغيرها.
وقد دخل افريقية قارئ آخر من مدينة البصرة ومن تلامذة الحسن البصري أيضا، وهو:

2- عباد بن عبد الصمد أبو معمر البصري[39]
كان يعد في جملة التابعين على اختلاف في ذلك[40]، وذكر أبو العرب أنه كان يروي عن أنس بن مالك وعليه يعتمد، وعن عبد الرحمن بن غنم[41] "[42]. قال المالكي في الرياض:
"وروى عنه كامل بن طلحــة ويحيى بن سليمــان الحفــري[43]، وكان أصـله من البصرة، سكن القــيروان وأوطنــها وروى عنه بعض أهلــها، ثم خرج إلى "قصــطيلية"[44] وأوطنها وأقام بها، وتوفي بها، وكان يروي عن غير واحد من التابعين منهم الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وعطاء بن أبي رباح"[45].
ومن الطريف أن يحيى بن سلام كان يتهمه في روايته عن أنس وغيره ويطعن عليه في روايته[46].
ومن الرواة عنه من أهل افريقية عبد الرحمن بن حريز[47]، وأبو الحجاج رباح بن ثابت الأزدي[48]، وأبو يحيى مقسم بن عبيد الله الأزدي[49].
ومن المحتمل جدا أن أصحابه أخذوا عنه فيما اخذوا بعض ما كان يرويه في حروف القراءة إن لم يكونوا قد أخذوا عنه قراءة الحسن البصري أو غيره من قراء البصرة المشهورين كأبي عمرو بن العلاء وعاصم الجحدري.
3- عبد الله بن يزيد القصير
ومن الشخصيات التي لها صلة بالبصرة من الوافدين على المنطقة عبد الله بن يزيد أبو عبد الله القرشي المقرئ المعروف بالقصير البصري ثم المكي، وهو "إمام كبير في الحديث ومشهور في القراءات، لقن القرآن سبعين سنة، ثقة روى الحروف عن نافع وعن البصريين، وله اختيار في القراءة، روى عنه ابنه محمد شيخ أبي بكر الأصبهاني[50]، قال النقاش: كان بعد أبي عمرو في البصرة يقرئ أبو عبد الله القصير، مات في رجب سنة 213 هـ"[51].
والذي يهمنا منه إلى جانب ما ذكر له من مكانة في القراءات ما ذكر أبو العرب من دخوله افريقية سنة 156 هـ وكيلا لرجل من التجار[52]، وظهر أنه كان كثير التنقل للتجارة، فقد روى المالكي عنه قوله: "رأيت أربعة ما رأيت في الدنــيا مثلـهم: رأيت ابن عون[53] في البصرة فما رأيت مثله، ورأيت سفيان الثوري في الكوفة فما رأيت مثله، ورأيت رباح بن يزيد[54] بافريقية فما رأيت مثله، ورأيت الأوزاعي بالشام فما رأيت مثله"[55]. وينبغي أن ننبه هنا على إمكان إسهام أبي عبد الله القصير في تعريف الأفارقة أيضا بقراءة نافع، لأنه أحد الرواة عنه كما قدمنا، فيكون له تبعا لذلك أثره في اتساع رواية القراءات بالمنطقة. وبذلك تكون قد تعرفت على أكثر القراءات المأثورة، وبالأخص على قراءات السبعة أئمة الأمصار الخمسة الكبرى.
وهذا ما تؤكده بعض المصاحف الأثرية الباقية التي احتفظت بها مكتبة القيروان العتيقة – كما تحدثت عنها بعض الدراسات الحديثة ـ، فهذه المصاحف منقوطة بوجه عام على طريقة أبي الأسود الدؤلي ـ أي: بواسطة الشكل المدور[56] لا بالحركات كما أنها تختلف من مصحف إلى آخر بين الأمصار في النقط[57]. على اللون الأحمر على طريقة أهل العراق[58] وبين إدخال لون ثان لنقط الكلمة بقراءة ثانية على طريقة طوائف من أهل الكوفة والبصرة[59] أيضا"[60]. وفي بعض المصاحف ـ وهو مصحف محبس على يد القاضي عبد الله ابن هاشم[61] بتاريخ 363 هـ ـ أضيف لون ثالث للونين السابقين، بحيث استعمل اللون الأحمر للقراءة الأصلية، واللون الأخضر للقراءة الثانية، وأضيف اللون الأزرق لقراءة ثالثة"[62].
ظاهرة التعدد والسعي نحو توحيد القراءة:
وهناك مصاحف أخرى على هذا النمط أو قريب منه[63]، وكلها تشهد إلى جانب ما سبق ذكره على تعدد مصادر القراءة عند أهل افريقية والقيروان لهذا العهد، وأن ظاهرة التعدد كانت عامة، إلا أنها مع ذلك منسجمة مع الطور الثاني الذي كانت تمر منه عامة الأمصار الكبرى نفسها، وهو طور الاختيار يبن طائفة القراءات والحروف دون التزام بقراءة إمام معين في الغالب الأعم، وهو طور ما لبث أن وجه الاهتمام إلى طائفة من الاختيارات المشهورة بالأمصار لمجموعة من الأئمة وقع الإجماع بين أهلها عليهم، وكثر الآخذون لها عنهم، فتصدى طائفة من رواة العلم لجمع قراءاتهم وذكر أهم رواياتها، وألفوا فيها كتبا ضمنوها ذلك، وكان لهم أثر عميق في التنويه بأصحابها والدعوة إلى الاقتصار في القراءة على ما صح عنهم لتواتره واستفاضته وشهرته بين أئمة الإقراء، وهكذا ظهرت الريادة في التأليف في هذا الشأن في الاقتصار على أئمة مخصوصين من أئمة الأمصار، فألف في ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام (224) كتابه "القراءات" قال ابن الجزري": "جعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئا مع هؤلاء السبعة.. وكان بعده أحمد بن جبير بن محمد الكوفي نزيل أنطاكية[64].
جمع كتابا في قراءات الخمسة من كل مصر واحد (ت 258 هـ)، وكان بعده القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي صاحب قالون[65]، ألف كتابا في القراءات جمع فيه قراءة عشرين إماما، منهم هؤلاء السبعة، (ت 282 هـ)،... وكان في أثره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط.."[66].
وكان ظهور تأليف ابن مجاهد أواخر المائة الثالثة بداية الاستقرار على قراءات السبعة وحدهم، وبداية التراجع في رواية الحروف في الوقت نفسه باجتماع الناس في كل مصر من الأمصار الخمسة على قراءة جامعة غاية ما غدا يسعى إليه جمهورهم التمكن من معرفتها وإتقان أدائها، وهو الطور الثالث الذي نبهنا عليه فيما قدمنا.
وهذا الإمام أبو عمرو الداني في تتبعه لأصحاب الاختيارات في أرجوزته "المنبهة على أسماء القراء والرواة وأصول القراءات" لما بلغ إلى زمن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ) ختم ذكرهم به فقال :
"والطبري صاحب التفســــير له اختيار ليس بالشـهــــير
وهو في "جامعة" مذكــــور وعند كل صحبه مشـــهور
فهـــــؤلاء أهل الاخــتيـــار لأحرف القرآن في الأقطـار[67]
بل ان ابن مجاهد نفسه – وهو إمام القراء في بغداد في زمنه ــ قال له رجل من أصحابه: "لم لا يختار الشيخ لنفسه حرفا يحمل عليه؟ فقال: نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا، أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا"[68].
ومعنى هذا أن الاختيارات الكثيرة التي كانت تروى عن الأئمة وتنسب إليهم ويأخذ بها أصحابهم قد أخذت تضمر وتقل منذ أواخر المائة الثالثة لتفسح المجال في كل مصر للقراءة الرسمية التي أمست قراءة الجماعة به، وأمست تستأثر بالنشاط العام في القراءة والإقراء والتعليم والتأليف والتلاوة وغير ذلك.
لقد كان من السهل على كل مصر أن يستقر على قراءته الجامعة هذه نظرا لسعة جمهور الآخذين لتلك القراءة عن إمامها أو عن جمهور أصحابه، أما بالنسبة للجهات التابعة لتلك الأمصار فقد بقيت فيها الروايات التي دخلتها وانتشرت فيها، وهكذا انتشرت قراءة نافع من رواية ورش مثلا في مصر، ومن رواية الغازي بن قيس في الأندلس، ومن روايات متعددة في افريقية والقيروان بحسب من دخل بها رواية عنه أو عن بعض أصحابه ـ كما سيأتي ـ، وظلت قراءة حمزة أيضا مستأثرة بالســواد الأعظم من الـقراء ـ كما تقدم ـ قبل أن تزحزحها عن مكانتها قراءة نافع بعد الصراع المذهبي المرير الذي مرت منه المنطقة قبل أن تستقر في القراءة والمذهب الفقهي والاتجاه الفكري على قاعدة جامعة كما سنقف عليه بحول الله في آخر الباب.
ولا أريد أن أتطرق إلى الحديث عن هذا الطور بالنسبة لافريقية وما يتبعها من الجهات المغربية قبل أن نتعرف على المسار الذي سارت فيه القراءة في البلاد الأندلسية خلال المدة التي حصرنا حديثنا فيها، وهي المدة التي تبتدئ من زمن فتحها في آخر المائة الأولى، وتمتد إلى أواسط المائة الثالثة، وهو الوقت الذي اكتمل فيه توحيد القراءة بها واعتماد قراءة نافع المدني قراءة رسمية، وسوف نقف في الفصل الآتي بعون الله على هذا المسار وتلك الأسباب والعوامل التي ساعدت على ذلك لنتجه بالبحث إلى غايته في التعريف بالإمام نافع وقراءته ورواياتها وجهود المغاربة في خدمتها واعتمادها والقيام عليها إلى اليوم.

[1]- يعني عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

[2]- كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد 71-72.

[3]- مقرئ ضابط في قراءة حمزة ولي قضاء عكبرة. ترجمته في غاية النهاية 2/274.

[4]- كتاب السبعة 76.

[5]- تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي 2/799 ترجمة 1393. ومثله في غاية النهاية 2/217 ترجمة 3314.

[6]- طبقات علماء افريقية لأبي العرب 161-162.

[7]- من كبار أساتذة ابن مجاهد البغدادي (189-288). ترجمته في غاية النهاية 2/3535.

[8]- رياض النفوس 1/449.

[9]- البيان المغرب1/36.

[10]- نفسه 1/142 ورياض النفوس 1/463 ترجمة 150.

[11]- ترجمة ابن عبدون في البيان المغرب 1/121 وكذا 1/121.

[12]- البيان المغرب 1/136.

[13]- نفسه 1/142.

[14]- نفسه 1/144.

[15]- نفسه 1/119.

[16]- 1/153.

[17]-1/154-155

[18]- معالم الإيمان 2/332.

[19]- البيان المغرب 1/161.

[20]- البيان المغرب 1/162.

[21]- نفسه 1/173.

[22]- نفسه 1/183.

[23]- نفس المصدر والصفحة.

[24]- رياض النفوس 1/454 في ترجمة ابن سحنون.

[25]- غاية النهاية 2/217 ترجمة 3314.

[26]- رياض النفوس 1/188.

[27]- هو الحسن بن يسار إمام أهل البصرة في زمنه وأحد القراء الأربعة الزائدين على العشرة (ت 110 هـ) ترجمته في كتاب مشاهير علماء الأمصار88 ترجمة 642. وغاية النهاية 1/235 ترجمة 1074.

[28]- هو الحسن بن واصل التميمي أبو سعيد المعروف بابن دينار البصري. ترجمته في تهذيب التهذيب 2/275.

[29]- غاية النهاية 2/373 ترجمة 3848.

[30]- يمكن الرجوع في معرفة نوع الاختيار الذي كان يختاره في القراءة في تفسيره والذي كان يشير إليه في التفسير بعبارة "والذي في مصحفنا" – إلى كتاب التفسير ورجاله لابن عاشور ص 28. وما يزال تفسيره إلى اليوم معروفا تحتفظ بمخطوطة له عتيقة جدا مكتبة جامع الزيتونة بتونس تحت عدد 1/44-46 حسب ما جاء عند بروكلمان في تاريخ الأدب العربي 4/10 طبعة دار المعارف بمصر تعريب الدكتور عبد الحليم النجار.

[31]- يمكن الرجوع إلى إحدى رواياتها الأندلسية عند ابن خير في فهرسة ما روى عن شيوخه 56-57.

[32]- ترجمته في معالم الإيمان 2/158-159 وترتيب المدارك 4/395-396 وروايته عند ابن خير – فهرسة 57.

[33]- معالم الإيمان 1/145 - ورياض النفوس 1/333-334 .

[34]- معالم الإيمان 1/1/223-2/108.

[35]- طبقات علماء افريقية لأبي العرب 199

[36]- طبقات علماء افريقية 210-212.

[37]- المصدر نفسه 196-197.

[38]- روايته عنه في رياض النفوس 1/191.

[39]- ترجم له ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل 3/82.

[40]- رياض النفوس 1/138 ترجمة 56.

[41]- هو عبد الرحمن بن غنم الأشعري بعثه عمر بن الخطاب إلى الشام يفقه الناس كما في طبقات ابن سعد 7/441.

[42]- ذكر بعض روايته عن أنس في طبقات علماء افريقية ص 11.

[43]- كامل بن طلحة من الغرب الداخلين إلى افريقية ومن المحدثين – طبقات علماء افريقية 83.
أما الحفري فهو أبو زكرياء يحيى بن سليمان الخراز كان عالما فرضيا (134-237). طبقات علماء افريقية 90.

[44]- مدينة كبيرة قديمة من بلاد الجريد وهي أكثرها نخيلا وتمرا – كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار 155 4.

[45]- رياض النفوس 1/138 ترجمة 56.

[46]-المصدر نفسه 1/138

[47]- نفس المصدر والصفحة.

[48]- رياض النفوس 1/283.

[49]- نفس المصدر 1/295.

[50]- هو محمد بن عبد الرحيم يروي رواية ورش عن أصحابه وأصحاب أصحابه وسيأتي في مدرسة ورش بمصر.

[51]- غاية النهاية 1/463-464 ترجمة 1931.

[52]- طبقات علماء افريقية 163.

[53]- هو عبد الله بن عون المزني أبو عون الخراز البصري يروي عن عطاء ومجاهد والحسن (ت 161) – الخلاصة 209.

[54]- ترجمته بتوسع في رياض النفوس 1/300-312.

[55]- ريا ض النفوس 1/301.

[56]- هو الشكل باستعمال النقط فوق الحرف أو تحته أو بين يديه – كما سيأتي- ويمكن الرجوع لصفته في المحكم للداني 22.

[57]- النقط يعني الشكل على النمط الذي ابتكره أبو الأسود بالبصرة.

[58]- المحكم للداني 20.

[59]- المحكم 20

[60]- القراءات بافريقية لهند شلبي 191.

[61]- ترجم له في معالم الإيمان 3/80-81. ومحبس المصحف علي بن أحمد الحيان- أو الحنان- على جامع القيروان على يد القاضي المذكور – القراءات بافريقية: ص 3

[62]- القراءات بافريقية 197.

[63]- من أمثلة هذه المصاحف مصحف فضل مولاة أبي أيوب أحمد بن محمد محبس بتاريخ المحرم سنة 295 هـ (القراءات بافريقية 90)، ومصحف المعز بن باديس الصنهاجي (ت 454 حبسه على جامع القيروان (القراءات بافريقية 64)، ومصحف أم ملال عمة المعز على نفس الجامع (القراءات بافريقية 64).

[64]- من أهم رواة قراءة نافع وغيره أخذها عن كردم المغــربي وإسحاق المســيبي (ت258 هـ) ترجمته في غاية النهاية 1/42-43 ترجمة 176.

[65]- سيأتي ذكره في الرواة عنه.

[66]- النشر لابن الجزري 1/23-24.

[67]- سيأتي ذكر هذه الأرجوزة في مؤلفات أبي عمرو الداني.

[68]- نقله الذهبي في ترجمة ابن مجاهد في معرفة القراء الكبار وطبقاتهم على الأمصار 1/217 الطبقة 8.
يتبـــــــــــــــع






التحكم

  

رد مع اقتباس
قديم 01-07-2010   رقم المشاركه : 9
المعلومات الشخصية
نعيم البيلي
:: مشرف ملتقي الطلاب ::
 
الصورة الرمزية نعيم البيلي








الحالة
نعيم البيلي غير متواجد حالياً

 علم الدولة :

مشاهدةالبومات صور نعيم البيلي


للتواصل

افتراضي

الفصل الثالث :
دخول قراءة نافع إلى الأندلس وافريقية وروادها

أولا – دخول قراءة نافع إلى الأندلس والقراءة فيها منذ الفتح الإسلامي لها في أواخر القرن الثاني
بعد أن وقفنا على التطورات التي مرت منها المدرسة القرآنية في المغرب في افريقية والقيروان وما إليها من الجهات ابتداء من زمن الفتح، واستعرضنا مختلف المؤثرات التي وردت عليها في أثناء ذلك وبعده من الجهات الشامية والعراقية ومن خلال الرحلات العلمية إلى هذه الآفاق أو على يد بعض الواردين منها من العلماء والقراء، نريد أن نقف في هذا الفصل على المسالك التي عبرتها قراءة نافع إمام دار الهجرة في القراءة إلى البلاد الأندلسية ثم افريقية والمغرب الأقصى، وقد تعمدنا تأخير الحديث عن رحلات أهل افريقية إلى الحجاز مع أنها واكبت في الزمن تاريخ الحركة العلمية التي تتبعنا نشاطها في اتجاه العراق ابتداء من النصف الثاني من المائة الثانية، وهدفنا من هذا التأخير أولا أن نستكمل الصورة عن باقي الجهات المغربية التي تأخر فتحها كالجهات الأندلسية، ولنربط ثانيا بين تلك الرحلات العلمية الحجازية وبين ما ترتب عنها من آثار في التعريف بالمذاهب المدنية في الفقه والقراءة ورواية الآثار، تمهيدا للدعوة إلى إقرارها واعتمادها عمليا وحمل الناس عليها بالتوجيه والإقناع مرة وبغير ذلك أخرى، إلى أن كانت لها الهيمنة التامة والسيادة المطلقة.
وسيكون حديثنا عن البلاد الأندلسية أولا حتى نلم بمثل ما ألممنا به من تطورات عرفها ميدان الاقراء فيما تحدثنا عنه من جهات، وغرضنا أن نراعي السياق التاريخي الذي سلكته القراءة المدنية في اتجاه المناطق المغربية، لأننا سنلاحظ تحقيق البلاد الأندلسية لنوع من السبق في مجال استقبال قراءة نافع من جهة، ثم في مجال السعي إلى ترسيمها واعتمادها وحدها قراءة رسمية جامعة، ولهذا نرى من الضروري لكي نضع هذه القراءة في إطارها التاريخي في هذه المنطقة، أن نمهد لذلك بالحديث عن التطور الذي عرفه ميدان الاقراء فيها قبل أن تأخذ قراءة نافع طريقها إلى الصدارة في مدارسها التأسيسية، وأن تستأثر بالمقام الأول هنالك، ثم نثني بعده بالحديث عن رواد القراءة المدنية في الأندلس وافريقية محاولين من خلال استعراضهم أن نتبين معالم النقلة الكبيرة التي تحققت من خلالها تلك الوحدة المذهبية الشاملة التي ظلت هذه المناطق تسعى إليها ردحا كبيرا من الزمن، وتتحسس الطريق إليها من خلال الأحداث إلى أن استوفت مقوماتها واستكملت عناصرها وآساسها.
لقد كانت الأندلس على موعد مع الطلائع الأولى من القراء في ركاب الفتح الإسلامي، وكان القراء من الصحابة والتابعين كما رأينا في المصاف الأولى من جميع حركات الجهاد، ولم يحتج الفاتحون للبلاد الأندلسية لمثل ما احتاجوا إليه في افريقية من زمن في تمهيد البلاد وترسيخ أقدام الإسلام فيها، ولذلك فقد تأتى لهم بسهولة إقامة المؤسسات الدينية ونهوضها برسالتها في التوجيه والتعليم والقيادة، ولا شك أن طائفة من "الأطر" التعليمية التي اعتدنا أن نراها مرافقة لحملات الجهاد ما لبثت أن أخذت تباشر مهماتها في توطيد ركائز الإسلام وذلك بإقامة المساجد وعمارتها وتلقين القرآن وإقرائه وإنشاء المكاتب لتعليمه للناشئة، وتوفير المصاحف المساعدة ونحو ذلك مما يساعد على قيام حركة تعليمية رأينا صورا منها عرضناه في الفصل الأول من هذا الباب.
ولقد عملت الخلافة في المشرق بعد الفتح على تشجيع الهجرة إلى هذه المناطق بأعداد كثيفة أحيانا وذلك لتضمن استمرار الولاء لها من جهة، ولتحقق التوازن المطلوب بين العناصر المحلية والعناصر العربية والافريقية التي عبرت المجاز أثناء الفتح وبعده، وكان لهذه الأفواج الوافدة عليها آثار واضحة في ترسيخ الاهتمام بالتعليم والتوجيه وإنشاء المؤسسات التعليمية لذلك، وآثار أخرى في تحديد المسارات القوية التي تمارس التأثير على الأحداث، ومن ثم لا بد لمن يريد التاريخ لتطور القراءة في البلاد لهذا العهد، أن يحاول معرفة أهم العناصر القوية التي كانت بأيديها مقاليد الأمور، بما في ذلك التأثير على الاتجاه العلمي وقيادته على نحو من الأنحاء ليساير التوجهات العامة في البلاد. ولا شك أن أول ملاحظة يمكن أن يلاحظها المتتبع لتاريخ الأندلس منذ أول الفتح وخلال عصر الولاة الذي امتد إلى أواخر العقد الرابع من المائة الثانية، هي التبعية لما هو سائد في بلاد الشام، وهيمنة العناصر الشامية على الحياة، وذلك أمر طبيعي لما نعلمه من تبعية سياسية لهذه المناطق للخلافة بالشام، لأن فتحها كان على أيديهم، ولذلك لم يكد ينتهي الفتح حتى امتلأت الأندلس بالشاميين، ثم توالت الهجرة إليها في ركاب الولاة، فدخلتها جماعات كثيرة تعرض المؤرخون لذكر عديد منها، فقد دخلها جيش من العرب في خلافة عبد العزيز مع واليه عليها السمح بن مالك الخولاني سنة 100 هـ[1]، ودخلها في ولاية عبد الملك بن قطن سنة 122 هـ "نحو عشرة آلاف من عرب الشام، معززين لعرب الأندلس ضد البربر الذين كانوا بشذونة يتزعمهم رجل زناتي"[2].
وفي ولاية أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي الذي وليها من قبل حنظلة بن صفوان عامل افريقية سنة 125 هـ ازداد عدد أهل الشام حتى ضاقت بهم قرطبة، فاضطر إلى توزيعهم على المناطق "فأنزل أهل دمشق" "ألبيرة" لشبهها بها، وأنزل أهل حمص اشبيلية وسماها "حمص" لشبهها بها، وأنزل أهل "قنسرين" جيان وسماها قنسرين، وأهل الأردن بـ"رية" وهي "مالقة" وسماها "الأردن"، وأهل فلسطين "شذونة" وهي "شريش" وسماها "فلسطين"، وأهل مصر "تدمير" وسماها "مصر"[3].
ودخلها قبل ذلك بلج بن بشر القشيري[4] سنة 123 بعهد من هشام بن عبد الملك ومعه نحو من عشرة آلاف من الشاميين، وإلى هذه الوفرة في عددهم يشير لسان الدين ابن الخطيب في رسالة له إلى ملك مصر المنصور بن الناصر بن قلاوون بقوله: "وصرفت أشراف الشام أعنتها إلى التماس خيره، وطارت بأجنحة العزائم تيمنا بطيره، وقصدته الطلائع صحبة بلج بن بشر وغيره"[5].
ثم بلغ الأمر مداه الأقصى في هيمنة العناصر الشامية على الجهات الأندلسية بقيام امارة بني أمية بها بوصول "صقر قريش" عبد الرحمن الداخل إليها، مفلتا من قبضة العباسيين، وطامحا إلى تجديد ما تداعى من ملك أسلافه في المشرق، ومحاولا استثمار ما كان قد بقي بالأندلس من مظاهر الولاء لهم، لإقامة امارة فتية تضع حدا للصراع على النفوذ بالبلاد الأندلسية، وتوحدها تحت راية واحدة تمهيدا لبسط سلطانها وتوسيع مدى حكمها ليشمل ما وراء المجاز من العدوة المغربية في أيام قوتها وعزها، الأمر الذي أصبحت معه قرطبة تنافس دمشق منذ أن دخلها يعسوب الأمويين سنة 138 هـ، ثم ظلت تنافس بغداد في عصر ازدهارها بهجة وعظمة وعمرانا لأزيد من ثلاثة قرون.
العناصر الشامية وغلبتها على الأندلس:
والذي يهمنا من سوق هذه الأحداث ههنا هو إبراز تفوق العناصر الشامية من حيث العدد والنفوذ على غيرها من العناصر، الأمر الذي يستتبع آثاره في تغلب الطابع الشامي بها في جميع المجالات بما في ذلك من قراءة وفقه وتوجيه وتعليم، ولذلك انتشر عندهـم في الفتيـا والقضـاء مذهب أبي عمــرو عبد الرحمــن بن عمــرو الأوزاعـي (ت157 هـ) "أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وحفظا وفضلا وعبادة وضبطا مع زهادة"[6]، وقد ساد مذهبه في الأندلس بلا مزاحم في وقت مبكر مع الطلائع الشامية، حتى ان المقري عبر عن ذلك بمثل هذه العبارة دون أن يلقي لها بالا [7] فقال: "واعلم أن أهل الأندلس كانوا في القديم على مذهب الأوزاعي وأهل الشام منذ أول الفتح"[8].
ومعلوم أن قوله "كانوا على مذهب الأوزاعي وأهل الشام" يتضمن الإشارة إلى اقتداء أهل الأندلس بأهل الشام في مذهبهم في القراءة أيضا، فإذا كان وجودهم المكثف قد استطاع أن يجعلها في المجال الفقهي أوزاعية، فمن باب أولى سيجعل قراءتها على وفاق ما هو سائد في القراءة عندهم، ولا شك أن القراءة الشامية كانت يومئذ قد انضبطت على قراءة إمامها عبد الله بن عامر "فقد كان الناس بدمشق وسائر بلاد الشام حتى الجزيرة الفراتية وأعمالها لا يأخذون إلا بقراءة ابن عامر، وما زال الأمر كذلك إلى حدود الخمسمائة"[9]. ومعنى هذا أن الذين دخلوا بالفقه على مذهب الأوزاعي كانوا في الوقت ذاته يحملون قراءته أو قراءة ابن عامر أو غيره من قراء مدرسته كيحيى بن الحارث الذماري أو غيره ممن تقدم ذكره في النص الذي اقتبسناه عن أبي عبيد في الفصل الماضي.
ومن الطريف أن يكون أبو عمرو الأوزاعي أحد الثلاثة الذين رووا القراءة عن مالك بن أنس، إذ يذكر ابن الجزري في ترجمة مالك أنه "روى القراءة عنه أبو عمرو الأوزاعي ويحيى بن سعيد[10] والحلواني[11] " [12].
رواد من فقهاء المنطقة وقرائها وصلتهم بالمذاهب الشامية في الفقه والقراءة
وقد ذكروا أن صعصعة بن سلام (ت 192 هـ) هو أول من أدخل فقه الأوزاعي إلى الأندلس[13]، وأنه ولي الصلاة بقرطبة، وفي أيامه غرست الأشجار في الجامع وهو مذهب الأوزاعي والشاميين"[14].
وذكروا أن المنتدبين للقضاء أيام عبد الرحمن بن معاوية كانوا يختارون من مشيخة الشاميين كمصعب بن عمران"[15]. وهذا يستتبع أن تحظى مذاهب أهل الشام بالعناية القصوى لأنها غدت هي الطريق إلى تولي مثل هذه المناصب الرسمية، وسيكون اتجاه الرحلات العلمية أيضا تبعا لذلك، ولهذا نجد الرواية عن الأوزاعي تتصدر في تراجم علماء العصر.
فممن دخل الشام من الأندلسيين وروى عن علمائها وقرائها محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن محمد الأندلسي قال الحميدي: "يروي عن الأوزاعي، وروى عن إبراهيم بن أبي عبلة[16] " [17].
ومنهم أسد بن عبد الرحمن السبائي الأندلسي "روى عن مكحول[18] والأوزاعي، ولي قضاء كورة "ألبيرة " في إمارة عبد الرحمن بن معاوية. وكان حيا بعد الخمسين ومائة"[19].
ومنهم الغازي بن قيس القرطبي الذي يروي عن الأوزاعي وغيره[20] وسيأتي عن قريب.
وقد كان الفقهاء على هذا المذهب يشكلون الطليعة العلمية بالبلاد الأندلسية لهذا العهد، وكان يطلق على زعيمهم صعصعة بن سلام "إمام الأوزاعية"[21] مما يدل على كثرتهم وتمايزهم عن غيرهم.
فالقراءة السائدة إذن لابد أن تكون إما قراءة ابن عامر أو غيره من أصحابه والآخذين بمذهبه، إن لم تكن قراءة إمام المذهب نفسه.
وينبغي أن نشير بهذا الصدد أيضا إلى إمكانية دخول بعض الشواذ المعروفة من رواية الشاميين، وقد بقي بعضها معروفا إلى وقت متأخر[22]، وقد سجل أبو عمرو الداني في "المنبهة" أسماء قراء الشواذ بالشام فقال:
ومنــهم من ساكـــني الـــشآم شريح الحمصي[23] ذو التمـــــــام
وابـن أبي عبـــــلة إبراهيــــم[24] وهو شيــــخ ثـــــقة قديـــــم
وابن قطيب[25] وأبو البرهــــسـم[26] عمــران وهو منــهم مــــــقدم
عنه أتت حروف أهل حمــص وهو مخــالف لكل شخــــــص[27]
فهذه الشواذ لهذا العهد كنت معروفة عند أهل حمص وغيرهم، ولكن القراءة الرسمية كنت أوسع منها جمهورا، والحرص عليها من طرف العلماء كان كبيرا، وهذا ما نستفيده من قول أبي زرعة الدمشقي: "كان القراء بدمشق يحكمون القراءة الشامية العثمانية ويضبطونها: هشام[28] وابن ذكوان[29] والوليد ابن عتبة [30] " [31].
فسمى القراءة على وفق المصحف الشامي "شامية عثمانية"، وهي إشارة ضمنية إلى نوع من التفوق عند الأئمة الثلاثة في إتقانها وضبطها والقيام عليها، ولذلك كانت هذه القراءة مشهورة في مصرها لا يكاد يزاحمها فيه شيء، إلا أن الرواة عن ابن عامر كانوا من الكثرة بحيث أدى الاختلاف بينهم إلى تشعب قراءته وتنوع رواياتها وقيام طائفة من أصحابه بنوع من الاختيار بين تلك الروايات الثابتة عنه سعيا إلى توحيد القراءة عليها، وكان للأئمة الثلاثة الذين سماهم أبو زرعة أكبر الفضل في ذلك، وان كان لكل واحد منهم أيضا كان يخالف صاحبيه فيما كان ينتهي إليه من اختيار، وربما خالف الواحد منهم نفسه فيما كان يأخذ به ثم عدل عنه إلى غيره من الحروف، وإلى هذا الطور يشير راوية القراءات أبو العباس أحمد بن يزيد الحلواني فيما حدث به عن شيخه هشام بن عمار وأسلوبه في الاختيار، فقال: "قدمت دمشق سنة 242، بعد وفاة ابن ذكوان، فقرأت على هشام بن عمار وختمت عليه لابن عامر، ورجعت إلى بلدي فبلغني عن هشام حروف لم يأخذ بها علي، فرحلت إليه ثانية وقرأت عليه بتلك الحروف وأجازها لي وختمت عليه ثانية ورجعت إلى حلوان[32]، ثم بلغني عنه حروف لم يأخذ بها علي فرحلت إليه ثالثة، وقرأت عليه بتلك الحروف وأجازها لي وختمت عليه ثالثة، ورجعت إلى حلوان فورد علي كتابه أني أخذت عليك "ثم كيدوني" في الأعراف[33] بياء في الوصل، وهو بياء في الحالين"[34].
فإذا كان هذا شأن الأئمة الآخذين بهذه القراءة والمتصدرين للأخذ على الرواة بها، فما سيكون عليه شأن الذين كانوا يرحلون إليهم من البلاد الأندلسية؟ لا شك أن أولئك الرواة سيعودون بوجوه شتى من الاختلاف عن ابن عامر وغيره مما يحول دون تحقيق وحدة في القراءة والأداء، وبذلك سيبقى الأمر في أمس الحاجة إلى سلوك سبيل قاصد يؤدي إلى توحيد القراءة على نمط واحد، ونحن وإن كنا لا ندري شيئا عن الجهود التي كانت تبذل في هذا الصدد في المائة الأولى التي أعقبت فتح الأندلس، فنحن نعتبر إحساس المسؤولين بوجوب البحث عن قاعدة جامعة تعطي لدولتهم طابعها المميز وصبغتها الخاصة، ولعل التفكير كان منذ البداية منصبا على مذاهب أهل الشام في الفقه والقراءة والتوجيه العام بحكم غلبة العناصر الشامية وتفوقها وانتماء البيت الحاكم إليها، إلا أن الميدان العلمي ما لبث أن عرف تحولا جذريا ف النصف الثاني من المائة الثانية موليا وجهه هذه المرة شطر المدينة المنورة بالحجاز لأسباب وعوامل سنقف عندها عن قريب، فتحول اتجاه الرحلة أو على الأصح اتسع مجـالها فلم يعد يقف عند حدود الـشام .
الرواة عن أهل المدينة لهذا العهد ورواد الرحلة العلمية:
وتطلعت أبصار الأندلسيين إلى الرواية عن أهل دار الهجرة والأخذ لمذاهبهم واختياراتهم والاقتداء بهم في قراءتهم وأنماط حياتهم. ولقد كانت المدينة لهذا العهد حافلة بالحلق العلمية في العلوم الإسلامية وكانت أصداء هذا النشاط تبلغ مسامع أهل العلم إلى الأندلس فتحرك هممهم وأشواقهم، ولاسيما فيما يخص الفقه والقراءة حيث كان يتصدر بالحرم النبوي الشريف مالك بن أنس إمام المذهب ونافع بن أبي نعيم إمام القراءة.
وترامت أخبار هذا النشاط مع الزمن على أيدي الرواد الأولين من أصحاب الرحلات العلمية فتزايد الإقبال واتسع حتى لا يكاد المتتبع لأسماء من رحل إلى المدينة للقاء مالك يضبط عددها لكثرتها وتوزعها على الجهات[35].
ونكتفي هنا بذكر ألمع هذه الأسماء:
ـ الغازي بن قيس القرطبي[36]
ـ سعيد بن عبدوس الطليطلي[37]
ـ زياد بن عبد الرحمن المعروف بـ"شبطون"[38]
ـ سعيد بن أبي هند الطليطلي "حكيم الأندلس: كما كان يسميه مالك[39].
ـ يحيى بن مضر الفقيه القرطبي الشامي الأصل[40]
ـ قرعوس بن العباس القرطبي[41].
ـ محمد بن بشير[42].
ـ طالوت بن عبد الجبار المعافري[43].
ـ عبد الرحمن بن عبيد الله الأشبوني[44].
ـ حسان وحفص ابنا عبد السلام السلمي[45].
ـ عبد الرحمن بن موسى الهواري[46].
ـ محمد بن يحيى السبائي[47].
ـ داود بن جعفر الصغير القرطبي[48].
ـ شبطون بن عبد الله الأنصاري[49].
ـ محمد بن إبراهيم بن مزين الأودي[50].
ـ يحيى بن يحيى الليثي[51].
وسوى هؤلاء كثير ممن شدوا الرحال إلى المدينة فأخذوا العلم بها واشتهروا بالرواية عن مالك والنقل عنه والقضاء والفتيا على مذهبه.
ولا شك أن طائفة كبيرة منهم كانت في الوقت نفسه قد تعرفت على قراءة نافع بالمدينة وأخذت بها كلا أو بعضا لطول تصدره بالمسجد النبوي ذاته حيث كانت حلقة مالك في الفقه والحديث كما سيأتي، ومع قوة هذا الاحتمال فإن المؤرخين للقراءة قد أطبقوا على إسناد الريادة في دخول قراءة نافع إلى الأندلس إلى الغازي بن قيس القرطبي، ولا يخالجنا شك مع ذلك في أن من سمينا من الفقهاء ومن لم نسم ممن كانوا يمثلون مناطق مختلفة من البلاد الأندلسية، لم يرحلوا إلى المدينة في طلب العلم حتى حفظوا القرآن الكريم وتأهلوا لرواية الفقه والحديث، فهم بالدرجة الأولى قراء قبل أن يصبحوا في عداد الفقهاء، وفيهم من كان في مستوى من التبريز فيها كان يخول له القيام بتأديب أبناء الأمراء، كما قيل عن الغازي نفسه قبل رحلته، إلا أن اهتمام المؤرخين لهم والمترجمين كان يتجه إلى الجانب الفقهي باعتبار ما غلب عليهم وقامت عليه شهرتهم، أو باعتبار توجه المؤرخين لهم إلى هذا الجانب لأنه الذي يهمهم، ويهمهم منه خاصة تتلمذهم على مالك وروايتهم عنه، ولذلك فنحن نعتبر أكثرهم ممن أدركوا حياة نافع في زمن تصدره بالمدينة داخلين في زمرة قراء المنطقة الذين تعرفوا على قراءته أو تأثروا بها أو شاركوا في نقل حروفها، إذ ليس من المقبول في مجرى العادة ومنطق الأشياء ـ كما سبق القول ـ أن يقضي قارئ من أهل العلم السنوات العديدة بالمدينة متفرغا للطلب ثم يفوته التشرف بالرواية عن إمامها في القراءة أو السماع منه ولو في أثناء الصلوات، لاسيما إذا كان يخالفه في قراءته فيقرأ بغير الحروف أو الأوجه التي تلقاها في بلده، وذلك أمر لا مناص من تعرض القارئ له ولا بد من ملاحظته بأدنى انتباه، ومن هنا يمكن اعتبار عامة الرواة عن مالك في حياة نافع داخلين في عداد الآخذين عنه ولو بطريق السماع، وإن كان أصحاب الطبقات المؤلفون في القراء لا يذكرون إلا رواية الغازي بن قيس.
ونحن لا نسعى هنا إلى مزاحمة الغازي في هذه الريادة بذكر أحد ممن أخذ عن نافع من الأندلسيين لهذا العهد من مثل يحيى بن يحيى الذي جاء التصريح بروايته عنه، ومثل أبي موسى الهواري صاحب أول كتاب يذكر لأهل الأندلس في تفسير القرآن وأقدم من وصف بالحفظ للتفسير والقراءات[52]، وإنما نريد أن نصل إلى إثبات تعرف طائفة من أفراد هذه الطليعة العلمية على قراءة نافع، إلا أن أحدا منهم لم يثبت أنه تفرغ لروايتها عنه وعرضها عليه وضبطها عنه بالصورة التي تأتى مثلها للغازي ـ كما سيأتي ـ الأمر الذي يعطيه حقا مقام الريادة منفردا به في هذا الباب فلا يزاحمه عليها أحد من أهل زمانه.
ولنا عودة بحول الله إلى تقويم هذه الريادة وعناصرها وكيف كان الغازي من خلالها يضع في البلاد، الأندلسية أصول "المدرسة المدنية" الاتباعية في القراءة والرسم والضبط والعدد وغير ذلك من فروع هذا العلم، ويرسم معالم أولى المدارس التأسيسية في القراءة في المنطقة حسب روايته عن نافع وما أخذه عن أهل المدينة مما أطلق عليه اسم "هجاء السنة" وبلور من خلاله مناهجهم واختياراتهم في رسم المصاحف وضبطها وفي القراءة بوجه عام.
ونريد هنا أن نلقي نظرة مماثلة على الجهات الافريقية لنتعرف على المسار الذي عبرت منه قراءة نافع إليها بعد أن تعرفنا قبل هذا على القراءات التي كانت سائدة بها بعد الفتح إلى ما بعد المائتين.

1- تاريخ افتتاح الأندلس لابن القوطية: النبذ التاريخية المذيل بها ص 207.

[2]- البيان المغرب 2/31.

[3]- تاريخ افتتاح الأندلس لابن القوطية 45- والبيان المغرب 2/33- وتاريخ ابن خلدون /119-120.

[4]- هو ابن أخي كلثوم بن عياض والي افريقية مات مقتولا بالأندلس على أيدي الجند من أهل اليمن، يمكن الرجوع في ذلك إلى تاريخ افتتاح الأندلس لابن القوطية 40-41 والبيان المغرب 2/30-33.

[5]- الأدب الأندلسي للدكتور مصطفى الشكعة ص 577.

[6]- مشاهير علماء الأمصار لابن حبان 180 ترجمة 1425.

[7]- وذلك لأن الأندلس فتحت ما بين سنتي 91-92 وميلاد الأوزاعي سنة 80 هـ، فقوله "لأول الفتح" لا يناسب سن الأوزاعي عند فتحها.

[8]- نفح الطيب للمقري 2/185.

[9]- النشر في القراءات العشر لابن الجزري 2/264.

[10]- هو يحيى بن سعيد الأنصاري من فقهاء المدينة استقضاه أبو جعفر المنصور ومات بالعراق سنة 143 ترجم به ابن حبان في مشاهير علماء الأمصار 80 ترجمة 581.

[11]- الحلواني هو أحمد بن يزيد سيأتي في الرواة.

[12]- غاية النهاية 2/36 ترجمة 2642.

[13]- جذوة المقتبس للحميدي 244 ترجمة 510.

[14]- "تسع وثائق في شؤون الحسبة على المساجد في الأندلس: الوثيقة الأولى ص 22 حوليات كلية الآداب بالكويت السنة 1404-1984 تحقيق الدكتور محمد عبد الوهاب خلاف. (عن مخطوط أحكام ابن سهل).

[15]- تاريخ افتتاح الأندلس لابن القوطية 66/ ومثله في تاريخ علماء الأندلس 1/354 ترجمة 608.

[16]- هو إبراهيم بن أبي عبلة الشامي الدمشقي تابعي كبير له حروف في القراءة واختيار خالف فيه العامة في صحة إسنادها إليه. ننظر أخذ القراءة عن أم الدرداء الصغرى ووائلة بن الأسقع مات سنة (152-153) ترجمته في مشاهير علماء الأمصار 117- وغاية النهاية 1/19 ترجمة 72.

[17]- جذوة المقتبس 42-43.

[18]- من كبار فقهاء الشام (ت 112 هـ) مشاهير علماء الأمصار 114 ترجمة 870.

[19]- جذوة المقتبس 172 ترجمة 320.

[20]- جذوة المقتبس 324 ترجمة 748.

[21]- ترتيب المدارك 1/26-27 والمعيار للونشريسي 6/356.

[22]- قرأ بها الحافظ أبو عمرو على فارس بن أحمد الحمصي كما في غاية النهاية 2/322 ترجمة 3692.

[23]- هو شريح بن يزيد الحضرمي (203هـ) له قراءة شاذة عن أبي البرهسم وغيره. غاية النهاية 1/325 ت 1419.

[24]- تقدم التعريف به أعلاه.

[25]- هو يزيد بن قطيب السكوني له اختيار في القراءة ينسب إليه، روى عن أبي بحرية صاحب معاذ بن جبل وأخذ عنه القراءة، ورواها عنه أبو البرهسم. ترجمته في غاية النهاية 2/382 ترجمة 3881.

[26]- هو عمران بن عثمــان أبو البرهسم الزبيدي الشامي الحضـرمي. ترجمته في غاية النهاية 1/604-605. ترجمة 2471.

[27]- باب القول في الشواذ من الأرجوزة المنبهة لأبي عمرو الداني تحقيق الدكتور الحسن وكاك.

[28]- هو هشام بن عمار الدمشقي الإمام المقرئ المحدث (153-245 هـ) أحد الراويين المشهورين لقراءة ابن عامر أخذها عن أصحاب أصحابه له ترجمة حافلة في غاية النهاية 2/354-356 ترجمة 3787.

[29]- هو عبد الله بن ذكوان الراوي الثاني لقراءة ابن عامر مع هشام وشيخ الاقراء بالشام وإمام جامع دمشق أخذ قراءة ابن عامر عن أصحاب أصحابه أيوب بن تميم وغيره (173-242) غاية النهاية 1/404 ت 1720.

[30]- الـوليد بن عتبـة بن بنــان الدمشقـي مقرئ حاذق (176-240) يروي عن أيـوب وغيره. غاية النهايـة 2/360.

[31]- غاية النهاية 2/360 ترجمة 3806.

[32]- بلد بالــعراق هو أوله وآخر حد الجــبل من جهة الشــام، يمكن الرجوع إلى معجم ما استعجم للبكـري 1/463.

[33]- الآية رقم 195 ونصها "قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون" قال الداني في التيسير ص 70-71: وأثبت ابن عامر في رواية هشام الياء في الحالين في قوله "ثم كيدون" في الأعراف، وحذف الياء في الحالين في رواية ابن ذكوان بخلاف عن الأخفش عنه".

[34]- نقله علم الدين السخاوي في جمال القراء وكمال الإقراء 2/458.

[35]- يمكن الرجوع إلى طبقات الرواة عن مالك في ترتيب المدارك لعياض بخصوص الأندلسيين 2/178-179 ثم على حروف المعجم مع عامة الرواة عنه في الجزء نفسه 2/180 إلى 224 وهم نيف على ألف اسم كما ذكر عياض.

[36]- هو رائد قراءة نافع وأول من دخل بها إلى الأندلس وسيأتي الحديث عنه.

[37]- ترجمته في ترتيب المدارك وأخبار رحلته في 3/113.

[38]- هو أول من أدخل إلى الأندلس موطأ مالك متفقها بالسماع منه (ت حول 199هـ) – ترجمته في ترتيب المدارك 3/116-122 وتاريخ افتتاح الأندلس لاين القوطية 65. ــ وجذوة المقتبس 218-249 ونفح الطيب 2/251.

[39]- ولي الوزارة لبنـي أمية وولي القضاء وتوفي صدر أيام عـبد الرحمــن بن معــاوية. ترتيب المــدارك 3/123-125.

[40]- كان من متزعمي ثورة الربض من الفقهاء فأخذ وصلب سنة (189هـ) ترتيب المدارك 3/126 والبيان المغرب لابن عذاري 2/77.

[41]- هو من الطبقة الوسطى من أصحاب مالك ترتيب المدارك 3/325-326.

[42]- محمد بن بشير القاضي من عرب مصر، ولي القضاء للأمويين. ترجمته في ترتيب المدارك 3/327-339.

[43]- كان جليل القدر في الفقهاء ترجمته في ترتيب المدارك 3/340-342 والمعجب في تاريخ المغرب 36.

[44]- ترجمته في ترتيب المدارك 3/344.

[45]- هما من أهل سرقسطة، وكان حسان أسن من حفص وكان من أهل العلم والدين، وكان حفص متفننا في العلوم بليغا حاذقا، يحكى أنه لزم مالكا سبعة أعوام .. وكان الحكم بن هشام يستقدمه كل عام يؤم به في رمضان "ترتيب المدارك" 3/344.

[46]- هو من أكابر أصحاب مالك من أهل أستجة رحل أول خلافة الإمام عبد الرحمن بن معاوية فلقي مالك بن أنس وابن عيينة ونظراءهما من الأئمة ولقي الأصمعي وأبا زيد وغيرهما من رواة الغريب وداخل العرب في محالها وكان فصيحا .. حافظا للفقه والتفسير والقراءات وله كتاب في تفسير القرآن ـ قال عياض ـ رأيت بعضه رواه جماعة من أهل قرطبة، وكان القائم بالقضاء أيام الحكم (180-206) ـ ترتيب المدارك 3/343.

[47]- ترجمته في ترتيب المدارك 3/345.

[48]- نفسه 3/346.

[49]- نفسه 3/344.

[50]- كان قاضي الجماعة لعبد الرحمن الداخل بقرطبة ولاه عليها في محرم سنة 170. وقد استعفى من القضاء ورحل حاجا فأدى الفريضة وروى عن مالك بن أنس (ت 183). والذيل والتكملة لابن عبد الملك 6/105 ترجمة 272.

[51]- سيأتي ذكره في الرواة عن نافع وبيان أثره في ترسيم الاتجاه المدني في الفقه والقراءة.

[52]- ترتيب المدارك 3/343


يتبــــــــــع






التحكم

  

رد مع اقتباس
قديم 01-07-2010   رقم المشاركه : 10
المعلومات الشخصية
نعيم البيلي
:: مشرف ملتقي الطلاب ::
 
الصورة الرمزية نعيم البيلي








الحالة
نعيم البيلي غير متواجد حالياً

 علم الدولة :

مشاهدةالبومات صور نعيم البيلي


للتواصل

افتراضي

ثانيا دخول قراءة نافع إلى افريقية والمغرب
إذا انتقلنا بالحديث إلى الجهات الافريقية والمغربية لنواصل متابعة رصدنا لمسار الرحلات العلمية نحو المشرق، أمكننا أن نلاحظ نوعا من التحول أيضا بالنسبة إليها نحو الحجاز، وبالخصوص بعد موت عدد من كبار أعلام الكوفة وأئمتها في الفقه والحديث والقراءة كانت تشد إليهم الرحال في هذا الشأن كسليمان بن مهران الأعمش (ت 148)، وحمزة بن حبيب الزيات (156-158)، وسفيان الثوري (-161) وأبي حنيفة (-150) الأمر الذي جعل الاهتمام يتوجه نحو أئمة الحجاز، وقد رأينا في الفصل الماضي جماعة من العلماء تأتى لهم الجمع بين الأخذ عن المدرسة "المدنية" والمدرسة "العراقية" معا، فكانوا بذلك بحسب ما غلب على كل واحد منهم ـ الرعيل الأول الذي مثل صلة وصل بين المدرستين وربط المنطقة بهما عن طريق ما حصله من علوم وروايات ومناهج في الفكر والعمل الفقهي، إلا أن مما يلفت النظر أن مدرسة الإمام مالك قد أخذت منذ العشرة السادسة من المائة الثانية تلقى إقبالا منقطع النظير، فكانت تجمع في روادها بين الأقطار الإسلامية من افريقية والأندلس إلى مصر والشام والعراق واليمن وخراسان وغيرها[1]، فكانت رحلة الطالب تحقق له إلى جانب أداء الفريضة وزيارة الديار المقدسة، لقاء مثل هذه الأصناف من طلبة العلم في الحلقات العديدة التي كانت تملأ رحاب المسجد النبوي.
وقد كانت حلقة نافع بن أبي نعيم في هذا المسجد لا تقل عن حلقة مالك الفقهية في الكثرة والازدحام ونوعية العارضين للقراءة عليه من أقطار البلدان الإسلامية، مما كان يتيح لمرتاد هذا المسجد أن يحصل في آن واحد على قراءة أهل المدينة وفقهها معا متنقلا بين حلقتي نافع ومالك، حتى إذا عاد من رحلته اتجه إلى ما قدر له من غلبة القراءة أو الفقه أو رواية الحديث أو نحو ذلك مما يقصده الطلاب فيه.
وبهذا يمكن اعتبار الجم الغفير من رواة الفقه المالكي الذين تلقوه عن مالك ما بين زمن تصدره حول (117)[2] ووفاة نافع (ت 169 هـ) هم في الوقت ذاته من رواة قراءة نافع على نسبة ما أتيح لكل واحد منهم بحسب اهتمامه ومدة مكثه بالمدينة، ولاسيما إذا اعتبرنا قيام نافع بإمامة الناس في الصلاة بالمسجد النبوي ستين سنة[3]. وبهذا يكون أدنى ما يأخذه رواد هذا المسجد من قراءته ما سمعوه منه في أثناء الصلوات.
وبناء على هذا فيمكن تصور دخول الرواية عن نافع إلى المناطق المغربية كلا أو بعضا على مستويات مختلفة مع هؤلاء الأفواج الذين كانوا يدخلون المدينة المنورة سنويا، بالإضافة إلى طلبة العلم الذين يطيلون المقام بها، فإذا صح هذا لنا أمكن لنا أن نربط بين تاريخ الرحلات العلمية إلى المدينة وبين تعرف المناطق المغربية وغيرها على قراءة نافع وانتشارها فيها بالتدريج، على الرغم من عدم ذكر كتب التراجم لأصحاب تلك الرحلات في عداد القراء، وذلك لما ذكرناه من توافر الهمم على الاهتمام بقراءة القارئ الذي تستمع إليه، لاسيما إذا كانت هنالك فروق ملحوظة بين قراءته والقراءة التي يأخذ بها المستمع.
- أهم الرواة الذين أخذوا الفقه والحديث عن الإمام مالك بن أنس من أهل افريقية:
ومن هذا المنطلق نسوق هذه الأسماء المدرجة في هذه القائمة التي تمثل أهم الرواة عن مالك من أهل افريقية، وإن كنا لا نعني التأكيد منها على كل فرد فرد لتقديم إحصاء شامل عن المحتمل أخذهم للقراءة عن نافع، وغرضنا فحسب أن نلفت النظر إلى تزايد الاهتمام بمذاهب أهل المدينة منذ نهاية النصف الأول من المائة الثانية، وكثافة عدد الطلاب الذين شدوا الرحال في اتجاه المدينة لهذا العهد، لما سيكون لهذا الأمر من أثر عميق وملموس في التحول إلى مذهب مالك وتأصيله في المناطق الافريقية والمغربية، ولما سيكون له بالتبع من تشجيع لقراءة أهل المدينة بالأخذ بها والدعوة إليها، نظرا لوفرة القراء بها من هؤلاء العائدين، ولوصول كثير منهم إلى مواقع النفوذ والتأثير بحيث استطاعوا حمل القراء "الرسميين" عليها بكافة الوسائل كما سيأتي. ونكتفي هنا بسوق أسماء هذه الطبقة الذين تلقوا الرواية عن مالك أو كبار أصحابه ممن كان لهم شأن في نصرة مذهبه ونشره والقيام عليه:
ـ أبو مسعود عبد الرحيم ـ وقيل العباس ـ بن أشرس الأنصاري من أهل تونس، سمع من مالك وابن القاسم[4].
ـ عمر بن سمك بن حميد مولى موسى بن نصير رو عن مالك[5].
ـ عبد الله بن عثمان الابزاري أبو طالب المعافري سمع من مالك وعبد الله بن فروخ[6].
ـ عباس بن الوليد الفارسي التونسي، لقي مالكا وكثيرا من المحدثين كانت رحلته مع أسد بن الفرات[7].
ـ عبد الله بن أبي حسان اليحصبي أبو محمد، سمع من مالك وابن أبي ذئب[8].
ـ عمر بن الحكم اللخمي، سمع من مالك، وروى عن الأوزاعي[9].
ـ البهلول بن عمر بن صالح التجيبي من جملة أصحاب مالك من أهل افريقية[10].
ـ زرارة بن عبد الله أبو عبد الله، روى عن مالك والليث بن سعد وابن فروخ وغيرهم[11].
ـ رباح بن ثابت أبو الحجاج الأزدي، سمع من مالك وابن أبي ذئب[12].
ـ محمد بن معاوية الخضرمي أبو عبد الله، سمع من مالك موطأه، وكان له سن وإدراك[13]
ـ الحارث بن أسد القفصي، سمع من مالك وكان ثقة[14].
ـ عبد المؤمن بن المستنير الجزري، روى عن مالك وأصحابه[15].
ـ علي بن يونس بن عياض الليثي، سمع من مالك وابن عيينة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم[16].
ـ حاتم بن عثمان المعافري، سمع من مالك، وكان يمضي بمسائل ابن غانم إليه[17].
ـ يزيد بن محمد الجمحي، لقي مالك بن أنس وإبراهيم بن محمد من أهل المدينة[18].
ـ يحيى بن زكرياء بن محمد بن الحكم التجيبي، مذكور في جماعة أصحاب مالك[19].
ـ محمد بن عبد الله بن قيس أبو محرز الكناني، من أصحاب مالك، ولي القضاء لابن الأغلب[20].
ـ أبو القاسم الزواوي، سمع من مالك وروى عنه الحديث[21].
ـ محمد بن عبد الأعلى الكندي، سمع من مالك وروى عن الليث[22].
ـ سقلاب بن زياد الهمداني، سمع من مالك[23].
ـ عبد الملك بن أبي كريمة أبو زيد الأنصاري، سمع من مالك والثوري وغيرهما[24].
ونكتفي بهذه الأسماء التي ذكر أصحابها بالرواية المباشرة عن مالك، وغرضنا من ذكرها ما نبهنا عليه من احتمال نقلها لقراءة نافع وإن لم تشتهر بالقراءة والاقراء، ولكن بناء على ما ذكرنا من اعتبار لمجرى العادة في عدم إمكان دخول عالم في مستوى أولئك الأعلام لهذا البلد أو ذاك في رحلة طلب العلم، دون أن يلفت نظره نوع القراءة السائدة في البلد، لاسيما حين تكون مخالفة لما يأخذ به، وحين تكون أيضا قراءة إمام الحرم النبوي وإذا كان قد قيل عن افريقية انها "كانت قبل رحلة سحنون ـ سنة 188- قد عمرها مذهب مالك بن أنس، لأنه رحل منها أكثر من ثلاثين رجلا كلهم لقي مالك بن أنس وسمع منه"[25]، فإن منطق الأشياء يقضي أن لا يقل عدد من تشرفوا بالعرض على نافع من أهل هذه الجهات عن هذا العدد إن لم يفقه، إلا أن المصادر التاريخية إنما كانت تعنى في الغالب بالفقهاء، ولأن كثيرا من أولئك الفقهاء إنما نسبوا إلى ما غلب عليهم لهذا العهد، إذ لم يكن التصدر لاقراء القراءة خاصة قد أخذ طريقه بعد فيما يظهر، وكان انصراف تلك الطبقة من الفقهاء العائدين بالرواية عن أهل المدينة إلى نصرة المذهب المالكي والتمكين له قد اقتضى منهم نوعا من التفرغ له، وحدد مجال عملهم في مقاومة التيار العراقي الواسع النفوذ.
غير أن انصرافهم لمقاومة هذا التيار قد أفاد بصورة غير مباشرة في توجيه "الرأي العام" وتعريفه بقيمة هذه الروايات الجديدة التي بدأت تدخل في ركاب هؤلاء الرواة ومن جملتها رواية طائفة منهم للقراءة المدنية.
الإمام سحنون بن سعيد التنوخي وأثره في ترسيم مذهب أهل المدينة بإفريقية والمغرب في الفقه والقراءة:
وقد تحدث عياض عن جهود أولئك الرواد في الميدان الفقهي وما تكللت به من نجاح في هذا الميدان فقال: "ان افريقية وما وراءها من المغرب كان الغالب عليها في القديم مذهب الكوفيين، إلى أن دخل علي بن زياد وابن أشرس والبهلول بن راشد وبعدهم أسد بن الفرات وغيرهم بمذهب مالك، فاخذ به كثير من الناس ولم يزل يفشو إلى أن جاء سحنون[26] فغلب في أيامه، وفض حلق المخالفين"، واستقر المذهب في أصحابه فشاع في تلك الأقطار"[27].
وتعبير عياض بقوله "فض حلق المخالفين" لا يعني بالضرورة أنهم منعوا من إقامة حلقهم ونشر مذاهبهم في الفقه والقراءة وعلوم الرواية عموما، لأن الدولة كانت يومئذ لهم، وكان أمراء بني الأغلب في أول دولتهم يناصرون مذاهبهم ـ كما أسلفنا ـ ويختارون منها "أطر" القضاء والإمامة وغيرها، الأمر الذي أدى إلى وقوع صراع حميم بين فقهاء المالكية أو "المدنيين" كما كانوا يسمون: وبين أولئك "العراقيين" في النحلة والمذهب الفقهي، حيث "كان فقهاء المالكية في جميع أقطار الشمال الافريقي وقفوا ضد تسرب مبادئ المعتزلة، بل انهم اتخذوا موقف عداء من الدولة الأغلبية لانحيازها لفقه أهل العراق ومبادئ المعتزلة"[28].
وإنما يريد بفض حلق المخالفين استقطابه مع هؤلاء "المدنيين" لجمهور طلاب العلم بصورة صرفت الأنظار إليهم، وزهدت بشكل عام في المذاهب الوافدة من العراق، إيثارا لمذاهب أهل المدينة دار الوحي والهجرة. ولقد بلغت هذه الحلق في مسجد القيروان الجامع أوجها في عهد سحنون على أيدي أولئك الرواد حتى قال فيهم الشاعر أبو القاسم الغنزاري من قصيدة طويلة نقتطف منها هذه الأبيات:
فهل للقيروان وساكنيهـــــا عديل حين يفتخر الفخــور
عراق الشرق بغداد وهـــذي عراق الغرب بينهما كثــــير
ولست أقيس بغدادا إليهــا وكيف تقاس بالسنة الشهور
-------------------------------
بها حلق العلوم لهـــا دوي يجاوبها الكتاب المستنــــير[29].
قائمة بأسماء أهم علماء الأندلس الذين رحلوا للأخذ عن سحنون بالقيروان وغيره
ولإعطاء صورة عن مبلغ الإقبال على الأخذ عن سحنون وعظم حاشيته العلمية في مسجد القيروان نورد فيما يلي هذه القائمة التي جمعناها من تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي وغيره مرتبة على الهجاء دون توسع في الحديث عن أولئك الرواة وما يمكن أن يتحملوه من آثار عن "المدرسة القيروانية" وما ينقلون إليها عن "المدرسة الأندلسية".
ـ إبراهيم بن زرعة مولى قريش يكنى أبا زياد روى عنه سحنون بن سعيد – تاريخ علماء الاندلس 1/33 ترجمة 2.
ـ إبراهيم بن يزيد بن قلزم من أهل قرطبة سمع من يحيى بن يحيى وغيره، ورحل فسمع من سحنون 1/34/35.
ـ إبراهيم بن شعيب الباهلي من أهل البيرة، روى عن يحيى بن يحيى وغيره، ورحل إلى سحنون ـ 1/35 ترجمة 6.
إبراهيم بن خالد من أهل البيرة، وهو أحد السبعة الذين اجتمعوا فيها. من رواة سحنون في وقت واحد ـ 361.
إبراهيم بن خـلاد اللخمي من أهل البيرة أحد السبعة المذكورين من رواة سحنون ـ 1/36 ترجمة 8.
ـ إبراهيم بن محمد بن باز يعرف بابن القزاز من أهل قرطبة ـ سيأتي في مدرسة ورش بالأندلس ـ 1/37 ترجمة 10.
ـ إبراهيم بن قاسم بن هلال القيسي من أهل قرطبة، رحل حاجا فسمع من سحنون بن سعيد ـ 1/38 ترجمة 12.
ـ إبراهيم بن النعمان أندلسي سكن القيروان سمع من سحنون توفي بمدينة سوسة سنة 283هـ 1/39 ترجمة 13.
ـ إبراهيم الزاهد الأندلسي كان خياطا، وكان له سماع من سحنون ـ 1/44 ترجمة 22.
ـ أبان بن عيسى بن دينار الغافقي من أهل قرطبة يكنى أبا القاسم، رحل فلقي سحنون ـ 1/58 ترجمة 51.
ـ أحمد بن الوليد بن عبد الخالق الباهلي من أهل طليطلة، سمع من سحنون وولي قضاء طليطلة ـ 1/62 ترجمة 59.
ـ أحمد بن محمد بن عجلان من أهل سرقسطة له رحلة ولأخيه سمعا فيها من سحنون ـ 1/1/62 ترجمة 60.
ـ أحمد بن سليمان بن أبي الربيع من أهل البيرة وهو أحد السبعة أصحاب سحنون ـ 1/65 ترجمة 67.
ـ إسحاق بن عبد ربه من أهل باجة، سمع من يحيى بن يحيى ورحل فسمع من سحنون ـ 1/40 ترجمة 224.
ـ إسحاق بن إبراهيم بن عبد الكريم من قرية يالش يعرف بالشاري، سمع من سحنون وغيره ـ 1/141 ترجمة 225.
ـ أصبغ بن خليل من أهل قرطبة من أصحاب الغازي بن قيس ويحيى بن يحيى – 1/150-151 ترجمة 245.
ـ بقي بن مخلد القرطبي ـ 1/169 ترجمة 281.
ـ بشر بن جنادة أبو سعيد 1/178 ترجمة 296.
ـ تمام بن موهب القبري 1/180 ترجمة 300.
ـ حرم بن غالب الرعيني 1/213 ترجمة 359.
ـ زكرياء بن قطام الطليطلي 1/271 ترجمة 444.
ـ سعيد بن النمر الغافقي 1/296 ترجمة 472.
ـ سعيد بن عياض الطليطلي 1/293 ترجمة 477.
ـ سعيد بن مسعدة الحجاري 1/293 ترجمة 479.
ـ سعيد بن حسان الجمحي 1/293 ترجمة 480.
ـ سليمان بن نصر المري 1/325 ترجمة 543.
ـ الصباح بن ابي عبد الرحمن 1/352 ترجمة 605.
ـ عبد الله بن الفرج النمري 1/372 ترجمة 639.
ـ عبد الله بن مسعود الطليطلي 1/273 ترجمة 641.
ـ عبد الله بن إبراهيم بن وزير 1/373 ترجمة 642.
ـ عبد الله بن حمدون الأسلمي 1/ 375 ترجمة 649.
ـ عبد الله بن أبي عطاء الأندلسي 1/377 ترجمة 651.
ـ عبد الرحمن بن عيسى بن دينار 1/442 ترجمة 781.
ـ عبد الأعلى بن وهب القرطبي 1/474 ترجمة 835.
ـ عبد الجبار بن محمد بن عمران 2/485 ترجمة 839.
ـ عبد الوهاب بن عباس بن ناصح 2/486 ترجمة 841.
ـ عبد الملك بن محمد ـ الذيل والتكملة للمراكشي 5/37.
ـ محمد بن أيمن ـ الذيل والتكملة 6/135.
ـ يحيى بن أيوب ابن الفرضي 2/904.
ـ عبد المجيد بن عفان البلوي 2/498 ترجمة 864.
ـ عبد البصير بن إبراهيم من قرية أنطليش 2/501 ترجمة 780.
ـ عثمان بن أيوب بن أبي الصلت 2/512 ترجمة 887.
ـ عمر بن موسى الكناني 2/541 ترجمة 939.
ـ عمر بن زيد من أهل طليطلة 2/541-542 ترجمة 940.
ـ عميرة بن عبد الرحمن العتقي 2/553 ترجمة 967.
ـ عيسى بن عاصم بن مسلم الثقفي 2/557 ترجمة 974.
ـ عيسى بن الأشج من أهل أستجة 2/557 ترجمة 975.
ـ علكدة بن نوح الرعيني 2/576 ترجمة 1009.
ـ فرج بن أبي الحزم من أهل وشقة 2/587 ترجمة 1030.
ـ محمد بن أحمد بن عبد العزيز القرطبي 2/634 ترجمة 1102.
ـ محمد بن عامر القيسي 2/630 ترجمة 1103.
ـ محمد بن عبد الواحد الطليطلي 2/638 ترجمة 1106.
ـ محمد بن عبد الله بن قنون 2/638 ترجمة 1107.
ـ محمد بن يوسف بن مطروح 2/639 1111.
ـ محمد بن إدريس بن أبي سفيان 2/641 ترجمة 1115.
ـ محمد بن عميرة العتقي 2/242 ترجمة 1117.
ـ محمد بن عجلان 2/243 .
ـ محمد بن محمد التطيلي 2/650.
ـ محمد بن سليمان 2/658.
ـ محمد بن الأبح 2/648.
ـ محمد بن وضاح 2/650.
ـ محارب بن قطن 2/810.
ـ مطرف من قيس 2/833.
ـ وليد بن قزلمان 2/871.
ـ وهب بن نافع 2/875.
ـ هارون بن سالم 2/884.
ـ هاشم بن محمد اللخمي 2/887.
ـ يحيى بن حجاج 2/802.
ـ يحيى بن قاسم 2/904.
ـ يحيى بن عمر 2/906.
إلا أن سحنون قد استطاع فيما يبدو بحسن تأتيه للأمور أن يلطف من عداء المالكية للدولة، واستطاع أن يفرض لهم اعتبارا خاصا لدى ولاة الأمور، وسلاحه في ذلك حاشيته العلمية الممتازة التي كانت تقود وراءها قاعدة واسعة من طلاب العلم بالقيروان وتستأثر بإعجاب ولاة الأمر والعامة على حد سواء، ولذلك قيل في سحنون:
"كان أيمن عالم دخل المغرب، كان أصحابه مصابيح في كل بلدة، عد له نحو سبعمائة رجل ظهروا بصحبته، وانتفعوا بمجالسته"[30].
وعلى الرغم من تعدد المناهل والمصادر التي كانت المنطقة الافريقية تستقي منها لأزيد من قرن ونصف فإنه مع حاشيته العريضة هذه قد استطاع أن يحول الاهتمام إلى مذاهب أهل المدينة تحويلا سريعا وعاما، وأن يرسخ في ضمن ذلك الميل إلى جميع ما هو مدني والنفور مما سواه، بما في ذلك الأخذ بقراءتهم وتفضيلها على غيرها ولقد قيل عنه خاصة "أخذ بمذهب أهل المدينة في كل شيء"[31] ، وأنه "تأدب بأدب أهل المدينة حتى في العيش"[32].
ففي عهد تصدره إذن - ما بين عودته من رحلته سنة 191 وبين وفاته سنة 240هـ تمت النقلة العظيمة في افريقية والجهات المغربية التابعة لها إلى مذاهب أهل المدينة، وتم وضع الأسس العتيدة لها بالمنطقة.
ونحن وإن كنا لا نجد من ربط بين هذا التحول وبين آثاره على المدرسة القرآنية هنالك، فإننا باستقراء الأحداث والاستعانة ببعض الشذرات من الإشارات في المصادر نستطيع تقدير هذه الآثار وتمثل معالمها جلية واضحة بذلك.
وأول ما ينبغي أن نستحضره هنا تلك الرسالة التعليمية التي أملاها سحنون على ولده محمد وحررها بقلمه في "آداب المعلمين"، فهذه الرسالة في نظرنا تشكل "برنامج عمل" أو المنهاج التربوي الذي رسمه سحنون وسعى بمعرفة حاشيته العلمية إلى تطبيقه وتعميمه والدعوة إليه بكل سبيل.
ـ وثاني ملاحظة يمكن أن نقف عندها هي هذه الدعوة من سحنون إلى اعتماد قراءة نافع في التعليم حتى نكاد نشم من عبارته أنه يريد قصر القراء والمتعلمين عليها، فها هو حين يذكر واجبات القائم بالتعليم يقول:
"وينبغي أن يعلمهم إعراب القرآن، وذلك لازم له، والشكل والهجاء والخط الحسن، والقراءة الحسنة والتوقيف والترتيل، ويلزمه ذلك ... ويلزمه أن يعلمهم ما علم من القراءة الحسنة وهو مقرأ نافع، ولا بأس إن أقرأهم لغيره"[33].
فالقراءة الحسنة إذن على رأي سحنون هي قراءة نافع، وتوصيته هذه بها دليل على أنها قراءته المختارة وقراءة أصحابه، وإلا ما كان لتوصيته بها ما يزكيها من واقع الحال، وفي هذا ما يدل على أن هذه القراءة قد أصبح لها جمهور معتبر في أيام سحنون، إلا أن المنافسة ما تزال بينها وبين غيرها من القراءات، وبالأخص بينها وبين قراءة حمزة، وطالما أن الأمر كذلك فإن ما تقدم ذكره من نسبة الريادة في قراءة نافع إلى محمد بن خيرون الذي قدم من رحلته إلى مصر فنزل القيروان ـ قال ابن الفرضي ـ: "وهو الذي قدم بقراءة نافع على أهل افريقية وكان الغالب على قراءتهم حرف حمزة، ولم يكن يقرأ لنافع إلا خواص الناس .."[34].

[1]- يمكن الرجوع إلى القائمة الطويلة التي تضم أزيد من ألف اسم من أسماء مشاهير الرواة عن مالك في ترتيب المدارك 2/180-124.

[2]- تصدر مالك في حياة شيخه نافع مولى عبد الله بن عمر (ت 117 هـ).

[3]- سيأتي ذلك في الفصل الخاص بترجمة نافع.

[4]- ترجمته في رياض النفوس 1/252-253 ترجمة 101 ـ وترتيب المدارك 3/85-86 ـ والديباج المذهب 152.

[5]- ترجمته في طبقات علماء افريقية لأبي العرب 97 ـ ورياض النفوس 1/153 ترجمة 102.

[6]- طبقات أبي العرب 100 ـ ورياض النفوس 1/253-254 ترجمة 103 ـ وترتيب المدارك 3/316.

[7]- ترجمته في رياض النفوس 1/248-251 ترجمة 99 ـ وشجرة النور الزكية لابن مخلوف 62.

[8]- معالم الايمان 2/58-62 ـ وترتيب المدارك 3/310-315 ـ ورياض النفوس 1/284-289 ترجمة 109.

[9]- ترجمته في رياض النفوس 1/247 ترجمة 97.

[10]- ترجمته في رياض النفوس 1/281-282 ترجمة 106.

[11]- طبقات أبي العرب 78 ـ ومعالم الايمان 2/65-66 ـ ورياض النفوس 1/282.

[12]- طبقات أبي العرب 76 ـ ومعالم الايمان 2/62-63 ـ ورياض النفوس 1/283 ترجمة 408.

[13]- رياض النفوس 1/290 ـ وترتيب المدارك 3/323.

[14]- رياض النفوس 1/290- 291 ترجمة 111 ـ وترتيب المدارك 3/322-.

[15]- طبقات أبي العرب 111. ـ ورياض النفوس 1/291 ترجمة 112 ـ.

[16]- رياض النفوس 1/292-294 ترجمة 113.

[17]- رياض النفوس 1/232-233 ترجمة 90.

[18]- معالم الايمان 2/69-71 ـ ورياض النفوس 1/239 ـ ترجمة 93.-

[19]- طبقات أبي العرب 77 ـ ورياض النفوس 1/240 ترجمة 95.

[20]- طبقات أبي العرب 84-85 ومعالم الايمان، 2/29 ـ ورياض النفوس 1/274-280 ترجمة 105.

[21]- رياض النفوس 1/248 ترجمة 98 ـ وترتيب المدارك 4/414-415.

[22]- طبقات علماء افريقية لأبي العرب 87 ـ ورياض النفوس 1/251 ترجمة 100 ـ.

[23]- طبقات أبي العرب 62 ـ ورياض النفوس 1/230 ترجمة 88.

[24]- رياض النفوس 1/232 ترجمة 121 ـ.

[25]- ترتيب المـدارك 4/51 ـ وترجمة سحـنون وتاريخ رحلته في ترتيب المدارك 4/45 ومعــالم الإيمـان 2/77.

[26]- هو عبد السلام بن سعيد التنوخي القيرواني، رحل في طلب العلم إلى مصر سنة 178 مقتصرا عليها، ثم عاد إلى بلده، ورحل بعد موت مالك بنحو عشر سنين سنة 188هـ فسمع بمصر والمدينة من كبار أصحابه، وانصرف إلى افريقية سنة 191هـ، وهو صاحب "المدونة الكبرى" على مذهب مالك توفي سنة 240. ترجمته في طبقات أبي العرب 101-104 ورياض النفوس 1/345-375 ترجمة 126 ـ وترتيب المدارك 4/45-104 ـ والمعالم 2/77.

[27]- ترتيب المدارك 1/25-26.

[28]- أسباب انتشار المذهب المالكي للدكتور عباس الجراري ـ ندوة القاضي عياض 1/180.

[29]- رياض النفوس 2/490-493.

[30]- ترتيب المدارك 4/74.

[31]- نفسه 4/53.

[32]- رياض النفوس 1/364.

[33]- رسالة آداب المعلمين ص 102. وقد أبقيت لفظ "القراءة الحسنة" كما هو في النص، وأحسب أن اللفظ محرف عن "القراءة السنية" إشارة إلى ما سيأتي من قول مالك بن أنس: "قراءة نافع سنة".

[34]- تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي 2/799 ترجمة 1393 ـ وتبعه ابن الجزري في الغاية 2/217 ت 3314.

يتبـــــــــــــع






التحكم

  

رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد رد  

مواقع النشر

العبارات الدلالية
أبي, الإمام, المغاربة, رواية, سعيد, سلسلة, عند, قراءة, نافع, ورش

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


close أنت غير مشترك في حلم عابر. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا
You are not a member yet . to join us please click here

جميع الأوقات بتوقيت القاهرة . الساعة الآن 01:40 PM .

 
 

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
تعريب » حلم عابر للجوال
اي مشاركة في الموقع و المنتدى تعبر عن رأي كاتبها دون ادنى مسئولية على ادارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لموقع حلم عابر أكبر موقع تطبيقات للجوال