مركز تحميل دليل برامج العاب

روابط مفيدة : للإعلان بالموقع | استرجاع كلمة المرور| طلب كود تفعيل العضوية | تفعيل العضوية

ينتهي في 9/3/2012
ينتهي في 17/2/2012



منتديات حلم عابر

 
العودة   منتديات حلم عابر اكبر موقع تطبيقات للجوال > المنتديات العامة > طبيبك النفسي
 

طبيبك النفسي تجد هنا جميع الحلول لمشاكل الحياة المختلفة .. حلول وعلاج لجميع الامراض النفسية والعصبية و مهارات تطوير الذات ، البرمجة اللغويه العصبيه ، لغة الجسد

البيولوجيا في السواء والمرض

طبيبك النفسي

البيولوجيا في السواء والمرض نود في نهاية هذا الكتاب أن نتعرض بشيء من التفصيل لأحد الموضوعات الهامة في علم النفس،

إنشاء موضوع جديد رد
 
أدوات الموضوع
قديم 21-01-2010   رقم المشاركه : 1
المعلومات الشخصية
 
الصورة الرمزية عابر سبيل









الحالة
عابر سبيل متواجد حالياً

 علم الدولة :

مشاهدةالبومات صور عابر سبيل


للتواصل

افتراضي البيولوجيا في السواء والمرض

البيولوجيا في السواء والمرض
نود في نهاية هذا الكتاب أن نتعرض بشيء من التفصيل لأحد الموضوعات الهامة في علم النفس، وقريبة الصلة من موضوع البيولوجيا وهو موضوع الذكاء، والصورة الأخرى له والمتمثلة في التخلف العقلي. بالإضافة لذلك نرى ضرورة أن نتعرف على الجوانب البيولوجية للأمراض النفسية، لنتعرف على أثر كل من الوراثة والبيئة على حدوث هذه الأمراض. أما فيما يتعلق بالموضوع الأول فالحقيقة أن تناولنا له يرتكز على أمرين: الأول أن موضوع الذكاء من أكثر الموضوعات التي ثار الجدل بشأنها فيما يتعلق بمدى تأثير الوراثة (البيولوجيا) والبيئة عليه. والأمر الثاني أن الذكاء من أكثر المناطق التي ترتبط بالشخصية باعتباره مجموعة من القدرات التي تترك أثرها على الشخصية ككل. وبالنسبة للأمراض النفسية فإن تناولنا لها يأتي في إطار أنها علامة على اختلال التوازن سواء كان بيولوجياً أو نفسياً، ومن ثم ترتبط بدراسة البيولوجيا.

أولا: الذكاء

يعد الذكاء من الموضوعات الهامة التي شغلت علماء النفس بعامة، والباحثين في القدرات العقلية بوجه خاص. وقد ثار الجدل حول هذا الموضوع ربما إلى الحد الذي لم تشغله موضوعات أخرى من موضوعات علم النفس بنفس الدرجة من الاهتمام. وقد أختلف العلماء حول ماهية الذكاء، وتوقفوا كثيراً عند قضية ما إذا كان موروثاً أم مكتسباً. بمعنى آخر تساءلوا عما إذا كان الإنسان يولد بقدر من الذكاء لا يمكن تجاوزه مهما تعرض للمثيرات البيئية، أم أن ظروف البيئة المناسبة والغنية بالمثيرات يمكنها أن تزيد من ذكاء الإنسان، وتزيد من تنمية قدراته العقلية؟.
والواقع أن موضوع الذكاء موضوع متشابك الأبعاد، ومتعدد الجوانب، ولسنا بصدد دراسته كما لو كنا نقوم بدراسة أحد موضوعات علم النفس بالتفصيل. ولكن ما يهمنا في هذا السياق تناول أثر العوامل البيولوجية المختلفة على الذكاء. ومع ذلك فهناك ضرورة تجعلنا نقف ولو قليلاً حول ما تعنيه كلمة الذكاء، وكيفية قياسه.
- تعريف الذكاء:-
تُعد كلمة الذكاء مصطلحاً علمياً يختلف عن مدلول الكلمة في الحياة اليومية من قبيل أن يصف البعض فرداً ما بأنه ذكي، أو ينعتون آخر بأنه غبي. فما الذي نعنيه بكلمة الذكاء من الناحية العلمية؟.
إن الإجابة على السؤال الذي طرحناه الآن أمر ليس بالبساطة التي يبدو عليها السؤال، لأن الذكاء من الموضوعات التي أختلف العلماء حولها على نطاق كبير. فمنهم من ينظر إليه من ناحية وظيفته، ومنهم من ينظر إليه من ناحية مكوناته. وقد وصل الأمر إلى الحد الذي بسّط فيه البعض تعريفه قائلاً بأن الذكاء هو ما تقيسه اختبارات الذكاء، وكأننا بذلك نعرف الشيء بنفسه، أو كما يقول الشاعر (عرّف الماء بعد الجهد بالماء).
وبداية يرجع الفضل إلى كل من جالتون وبينيه Binet في استخدام وتداول كلمة الذكاء، حيث حاول كل منهما أن يضع من الاختبارات ما يُمكنه من قياس هذه القدرة العامة. وسوف نستعرض على وجه السرعة أكثر تعريفات الذكاء انتشارا، بغرض الوقوف على ما تعنيه الكلمة، ومدى الاختلاف الذي نراه بين العلماء في هذا الصدد. ويُعرف بينيه الذكاء على أنه الميل إلى إتباع والاحتفاظ باتجاه عقلي محدد، والقدرة على إجراء تعديلات للوصول إلى هدف نهائي، مع القدرة على النقد الذاتي. فالذكاء عند يعني القدرة على الحكم السليم. وهذه القدرة تشتمل على أربع عناصر أساسية هي توجيه الفكر في اتجاه معين، والاستمرار في هذا الاتجاه، ثم الفهم والابتكار، وأخيراً نقد الأفكار ووزن قيمتها.
أما شتيرن Stern فيُعرف الذكاء على أنه " القدرة على تحقيق التكيف عقلياً لمشاكل الحياة وظروفها الجديدة. ويعرفه تيرمان Terman على أنه القدرة على التفكير المجرد. ويعرفه كوهلر Kohler على أنه القدرة على إدراك العلاقات. وأخيراً يعرفه وكسلر Wecksler على أنه القدرة الكلية على التفكير العاقل والمنطقي، والسلوك الهادف ذي التأثير الفعال في البيئة. وهذه القدرة العامة تتكون من قدرات مختلفة.
وكما نرى فإن كل تعريف من التعريفات السابقة نظر إلى الذكاء من وجهة خاصة لا تجعلنا قادرين على وضع تعريف شامل ومانع لهذه الكلمة. ومع ذلك يتبين لنا أن تعريف الذكاء تعريفاً جامعاً يجب أن يتضمن أكثر من خاصية عقلية. فالذكاء يجمع مجموعة من الخصائص العقلية، والقدرات، والمهارات، وبعض جوانب السلوك التي تساعد الفرد على الاستفادة من الخبرة السابقة، والسيطرة على المشكلات التي تواجهه خلال تكيفاته اليومية لواقعه. وبشكل عام فإن الذكاء بمعناه العلمي يُشير إلى تكوين فرضي، أي أننا لا نلاحظ الذكاء بطريقة مباشرة، ولا نقيسه قياساً مباشراً، وإنما نستدل على آثاره ونتائجه، مثله في ذلك مثل الطاقة الكهربية أو المغناطيسية التي لا يمكن أن نراها بشكل مباشر، وإنما نتعرف عليها من خلال ما تتركه من آثار ونتائج.
- نظريات الذكاء:-
هناك مجموعة من النظريات التي تتعامل مع الذكاء وطبيعته يمكن إيجازها فيما يلي:-
1- النظريات البيولوجية.
2- النظريات البيئية.
3- النظريات النمائية.
1- النظريات البيولوجية:-
تنظر هذه النظريات إلى الذكاء باعتباره قدرة تقوم على أساس بيولوجي، فهي تراه قدرة عامة موروثة، تطورت مع تطور الفرد والنوع. وتُعرف هذه النظريات الذكاء على أنه القدرة على الاستفادة من الخبرة، ومواءمة العالم المحيط، والمرونة أو القدرة على التعلم. ومن أصحاب هذا الاتجاه دارون، ومورجان، وماكدوجال، وبينيه. وتعود فكرة غلبة العوامل الوراثية في تحديد الذكاء إلى سير فرانسيس جالتون الذي نشر عام 1869 كتابه المعنون "وراثة العبقرية" وأكد فيه أن القدرات العقلية متوارثة بين الأجيال، وأنها تبرز في أسر بعينها، وتسير داخل أجيال متعاقبة في هذه الأسر. (أنظر تفاصيل هذا الرأي في الفصل الرابع من هذا الكتاب).
وتلي جالتون العديد من الباحثين الذين حاولوا تأكيد هذا الرأي، وأصبح الإنسان في رأي الحتميين البيولوجيين مجرد أسلوب من حمض (الدنا) وأن الجينات هي القوة الكامنة خلف العرش السلوكي. وبالتالي فإن الذكاء ما هو إلا مركب وراثي ضروري للبقاء، وأن البيئة تمد الإنسان بمجموعة من المتغيرات فحسب، وهذه المتغيرات تختار الجينات ما تراه مناسباً منها للتكيف مع البيئة التي توجد فيها هذه الجينات. وإلا فكيف لنا أن نفسر حالات متلازمة داون، والبول الفينايل كيتوني، وغيرها من الحالات التي تتسبب الوراثة في سمة الضعف العقلي الموجودة فيها.
وقد سادت نظرية الذكاء الفطري (المحدد وراثياً) لسنوات طويلة، أكدت فيها أن 80-90% من الذكاء محدد وراثياً، الأمر الذي أدى إلى إساءة استخدام هذه النظرية لأغراض سياسية. فقد كان يُشار دائماً إلى أن السود أقل ذكاءً من البيض، ومن ثم أعلن تفوق الرجل الأبيض، مما دفع الدول الاستعمارية إلى استغلال منظور الوراثة هذا، وقامت باستغلال شعوب العالم الثالث، ونهب ثرواتها تحت دعوى أن هذه الشعوب لا تعرف كيف تستفيد من هذه الثروات، وأن الرجل الأبيض إنما جاء من أجل تنمية هذه الشعوب. بل إن هذه المسألة أتاحت داخل الدول الاستعمارية نفسها تبرير التفاوت الطبقي والاجتماعي والاقتصادي القائم بين أفراد مجتمعات هذه الدول. ووصل الأمر إلى دعوة هتلر الشهيرة بسيادة الجنس الآري على سائر الأجناس، وما تلي ذلك من نتائج الحروب.
ومن أكثر القضايا التي أثيرت حول دور الوراثة في تحديد الذكاء الفضيحة العلمية الشهيرة التي نسبت إلى عالم النفس الإنجليزي - بل ومؤسس علم النفس البريطاني - الشهير سيريل بيرت C. Burt، والذي نشر مقالاته العديدة حول تأكيد هذا الدور. وقد وجهت له بعد وفاته (عام 1971) تهمة التزييف العلمي لكل ما توصل إليه من نتائج دراساته التي تشير إلى تأكيد دور الوراثة في الذكاء. فقد ظل بيرت يروّج لمدة عشرين عاماً لهذا التأثير الوراثي من خلال أكبر دراسة أُجريت على التوائم المتطابقة المنفصلة (55 زوجاً) وكانت معاملات الارتباط التي سجلها مرتفعة جداً. وأوضحت الدراسات أن ما كان يفعله بيرت يشير إلى أنه الوحيد الذي تمكن من أن يقيس كمياً تشابه ظروف البيئة التي نشأت فيها أزواج التوائم، مما جعله يشير إلى أنه لا توجد أدنى علاقة إرتباطية بأي حال من الأحوال بين ظروف بيئة التوائم المنفصلة. بل أنه أدعى أنه الوحيد الذي أجرى نفس اختبار معامل الذكاء على أفراد المجموعات التي تناولها حتى أعلى درجات سلم القرابة، وأشار إلى علاقات ترابط لم يسبق لأحد قط غيره تسجيلها.
وحقيقة الأمر أن كل معطيات بيرت قام بتسجيلها ونشرها بأسلوب مفضوح ومثير للشك. فهو لا يعطي أي وصف لكيفية جمع معلوماته ومكانها ووقتها. كما تجاهل تماماً القواعد العلمية لكتابة تقاريره عن هذه الأبحاث، بل إنه لم يُعرّف تعريفاً علمياً اختبار معامل الذكاء الذي أستخدمه، والذي يفترض أنه طبقه على الآلاف من أقارب أزواج التوائم. ومن أكثر المغالطات التي وقع فيها بيرت أنه أعلن أن معامل ارتباط الذكاء على عينة من التوائم (12وزجاً) عام 1955 كان 771,0، ثم أشار عام 1958 إلى أن عدد التوائم بلغ ثلاثين زوجاً، وكان معامل ارتباط الذكاء أيضاً 771,0، بل إنه أشار إلى نفس معامل الارتباط عام 1966 حين بلغ عدد التوائم المستخدمة في الدراسة 53 زوجاً. وهذا الميل الملحوظ لأن تبقى معاملات الإرتباط متطابقة حتى الرقم العشري الثالث، كان ينطبق أيضاً على دراسات بيرت على التوائم المتطابقة غير المنفصلة. وكل هذه النتائج التي تم اكتشاف (فبركتها) وتزييف نتائج دراساته التي أجراها على التوائم، والتي أستخرج منها معاملات ارتباط تؤكد نظريته في وراثة الذكاء، أتضح بعد ذلك أنها نتائج لم تقم على أسس إحصائية سليمة. بل تبين أنه أختلق أسماء وهمية غير معروفة أشار إلى أنها كانت تُعلق على بحوثه في هذا المجال. كما أنه كان يقوم بنقل بعض نتائجه من مكان لآخر بغرض زيادة نسبة النتائج، وذلك من أجل تدعيم نتائجه السابقة. وكان نتيجة كل هذا أن ثارت الشكوك حول ما كان سائداً عن تأثير الوراثة كمحدد وحيد لتحديد الذكاء.
2- النظريات البيئية:-
يرى أصحاب هذه النظريات أن الذكاء يتأثر إلى حد بعيد بالخبرة والتأثيرات الحضارية والبيئية. وأن الطفل الذي يتعرض لبيئة غنية بالمثيرات والتنبيهات يزيد معامل ذكاؤه بدرجة ملحوظة. وقد دعمت هذه النظريات وجهة نظرها من خلال الدراسات التي أُجريت على التوائم المنفصلة والتي تربت في بيئات مختلفة وتعرضت لعوامل بيئية تختلف في ثرائها من حيث المثيرات. ولذلك فإن البرامج التوجيهية وبرامج التدريب يمكنها أن تساعد على نمو ذكاء الطفل حتى لو كان يعاني قدراً ما من النقص العقلي. كما يمكن تنمية معارف الطفل عن طريق الإدراك وتدريب الحواس البصرية والسمعية واللمسية والذوقية مما يزيد من درجة انتباهه للبيئة المحيطة. كما يمكن التعامل مع حاجات الطفل المعوق عقلياً بما يساعد على إشباعها، وبالتالي يقل الإحساس بالعجز، وتزيد القدرة على التكيف.
3- النظريات النمائية:-
لا تمثل تيارات البيولوجيين أو البيئيين كل التيارات التي حاولت الفصل في مدى تأثير كل من الوراثة والبيئة على الذكاء، بل ظهر فريق ثالث قامت نظرياته على محاولة التوفيق بين التيارين السابقين، واضعاً نظريات نمائية هي بحق أقرب النظريات إلى الصحة، وأكثرها توفيقاً في تفسير طبيعة الذكاء. ومن أمثله علماء هذا الاتجاه عالم النفس الأمريكي هب Hebb، وعالم النفس السويسري الشهير جان بياجيه J. Piaget.
أ- نظرية هب:-
حاول هب إيجاد الصلة بين الذكاء والعوامل الوراثية المتمثلة في الأداء الفسيولوجي للمخ من ناحية، وبين الذكاء وتأثيرات البيئة من ناحية أخرى. فهو يرى أن خبرات الطفل في السنة الأولى تقود إلى تكوين تجمعات من الخلايا العصبية في المناطق الاقترانية أو الارتباطية Association areas في المخ. وأن الإدراك يعتمد على فرع مستقل من هذا التجمع العصبي، وينتج عنه ما يسمى بالمخططات العقلية Mental schemas التي تعتمد في تكونّها على الإحساسات وخاصة السمعية والبصرية واللمسية. وتعتبر هذه المخططات بمثابة الإطار الذي تنتظم فيه كل خبرة الطفل لتكوين الفكرة أو المفهوم Concept. وكل ما يمر به الطفل من خبرات تالية إنما يدخل الشعور عن طريق ربطه بكل ما جرى من قبل. ويرى هب أنه كي يحدث النمو العقلي السليم فلابد من وجود المخططات العقلية في زمنها المناسب لأنها الأسس اللازمة للاستمرار في التعلم المتقدم.
ويفرّق هب بين نوعين من الذكاء هما:-
1- الذكاء (أ):
ويقصد به الذكاء الوراثي بصورة كامنة، فهو ذكاء فطري يعتمد على حجم المخ، ويمثل كفاءة الجملة العصبية من تكوين المخططات والاحتفاظ بها وتمازجها. وهو في المدى البعيد تحدده الوراثة والجينات التي تقوم بدورها في تكوين المخ وخلاياه. ويرى هب أن الطفل الذي يولد بخلايا عصبية أقل، يصبح أقرب لأن يكون متخلفاً بشدة من حيث مستوى أدائه العقلي.
2- الذكاء (ب):
ويقصد به الكفاءة العقلية الحاضرة، ويمثل الإمكانات العقلية التي بنيت أثناء سنوات العمر الأولى، والتي لا يمكن أن تنمو إلا من خلال إثارة البيئة المحيطة. ويرى هب أن تطور القدرة العقلية للفرد يتطلب تنبيهات مستمرة من البيئة الخارجية، وبالتالي يكون المستوى الحقيقي للأداء العقلي عبارة عن ما يحصله الفرد بإمكاناته الموروثة كنتيجة للمنبهات التي يتلقاها من البيئة.
ويشير هب إلى طبيعة الذكاء من حيث هو تكوين فرضي لا نقيسه بشكل مباشر من خلال اختبارات الذكاء، ومن ثم فإن الذكاء الذي تقيسه مقاييس الذكاء يجب ألا نعتبره قابلية للتوريث بصورة محضة، لأننا في الواقع نقيس مظاهر الذكاء وليس الذكاء نفسه.
ب- نظرية بياجيه:-
يُعد جان بياجيه (1886-1967) أهم من حاول صياغة قوانين نمو التفكير واللغة وإرتقاء الذكاء عند الطفل عبر مراحل تطوره. ويرى بياجيه أن الذكاء ليس ملكة واحدة متميزة، بل هو موجود في كل العمليات التكيفية عند الحيوانات، والأطفال والراشدين.
ويشير بياجيه إلى أن عملية انبثاق التفكير والصور تتم من خلال مخطط عقلي مناسب. فالطفل أبن السنتين عندما يرغب في الوصول إلى لعبة موجودة على الرف مثلاً، لا يذهب إلى الرف ويحاول الحصول عليها، فيعجز ويأتي بكرسي يقف عليه ليحصل على اللعبة، وإنما يذهب مباشرة إلى الكرسي ويحمله ويعتليه. ومعنى ذلك أنه حصل على مخطط عقلي يناسب طبيعة المشكلة التي يريد حلها.
وتلعب اللغة عند طفل السنتين دوراً رئيسياً في تكوين مخططاته العقلية. إنها تساعده على تصنيف مدركاته وتثبيتها، إذ تُصبح للأشياء والأحداث هوية متميزة عن طريق إعطائها أسماء متمايزة. كما أن الكلمات تعتبر رموزاً للمفاهيم، أي لمجموعات الأشياء والأفعال. والتفكير الذكي لا يمكن أن ينمو إلا في سياق اجتماعي، حيث يساعد الراشدون والأطفال الأكبر سناً الطفل الأصغر على تنمية حصيلته من الأفكار والمفاهيم، وإقامة الصلة بينها عن طريق الكلام.
والخلاصة التي نود التأكيد عليها أن الذكاء إنما هو قدرة موروثة في أصلها، ولكنها قابلة للنمو والتطور، وأن نموها إنما يتم في سياق اجتماعي. وأن المجتمع الأغنى والأقدر على تنمية أطفاله هو المجتمع الأصلح لنمو الذكاء وتزايده. وتتأكد وجهة النظر هذه من خلال التجربة التي أجريت على مجموعتين من الأطفال من ذوي الذكاء العادي. فقد تعرضت المجموعة الأولى لجوانب مختلفة من الإثارة العقلية والتوجيه الفكري التربوي، بينما حُرمت المجموعة الثانية -المجموعة الضابطة- من هذه الاستثارة. وبينت نتائج هذه الدراسة أن المجموعة الأولى زاد معدل ذكاء أفرادها بمقدار عشر درجات خلال عام واحد.
إن الإنسان العادي لا يستعمل في العادة إلا جزءً ضئيلاً من إمكاناته الذكائية. فالطفل يولد بعبقرية متوازنة وبمواهب متكاملة، وبإمكانات كامنة، وبقدرات اجتماعية لا حصر لها. ولا تظهر هذه الإمكانات إلا عندما يُمنح الطفل فرصة متكاملة للنمو. وتصل هذه الإمكانات إلى أعلى مستوياتها عند توفر الظروف البيئية المُثلى التي تفجرها. ويمكن القول بأن بحوث تدريب الذكاء تشير في مجملها إلى أنه بالإمكان أن نصل بالإمكانات المتاحة وراثياً إلى أقصى ما يمكن أن تنطلق إليه، وذلك عن طريق التدريب والتوجيه والتنشيط العقلي والاجتماعي، بشرط أن يتم ذلك في الوقت المناسب من عمر الطفل.
- قياس الذكاء:-
يُعد ألفريد بينيه A. Binet أول من أهتم من علماء النفس بإيجاد أداة تساعده على القياس العقلي. وتلاه العديد من العلماء الذين حاولوا الوصول إلى قياس دقيق لما يعنيه كل منهم بالذكاء. وقد توفرت مجموعة لا بأس بها من اختبارات الذكاء التي تقيس بشكل عام مجموعة من الأعمال والأنشطة المختلفة، سواء كانت أنشطة لفظية أو أنشطة عملية. وهذه الأنشطة في مجملها تُمثل عينة جيدة لمجال واسع من القدرة العقلية. وبالطبع فإن المقام هنا ليس مقام تناول اختبارات الذكاء على تفصيلاتها، ولكننا سنعرض بشكل موجز أكثر هذه الاختبارات شهرة كعينة لما تقيسه هذه الأدوات. وسنعرض كلاً من مقياس ستنافورد - بينيه، ومقياس وكسلر.
1- مقياس ستانفورد - بينيه:-
حاول بينيه من عام 1890 ولسنوات طويلة أن يجد طريقه تُمكنه من قياس الذكاء. وأثناء قيامه بهذه المحاولات واجهت وزارة التعليم في فرنسا مشكلة تتعلق بالتخلف الدراسي، وما يمكن أن يُقدم من مساعدة للتلاميذ الذين يعانون من نقص قدراتهم العقلية، تمهيداً لوضعهم في مدارس خاصة تُقدم لهم تدريبات أعمق على التفكير والتعلم. وقد طلبت وزارة التعليم منه أن يصمم أداة تساعد على التمييز بين التلاميذ ذوي المستوى المناسب للتعليم، والتلاميذ المتخلفين عن متابعة الدراسة لأسباب تتعلق بقدراتهم العقلية.
وظهر أول مقياس للذكاء على يد بينيه عام 1905، ثم قام بتعديله بعد ذلك عام 1908، وعام 1911إذ ظهرت لديه فكرة العمر العقلي Mental Age كوحدة للقياس العقلي. وبدأ في استخدام متوسط درجات أفراد مختلفين من أعمار زمنية محددة كأساس للمقارنة بين القدرات العقلية. أي أن بينيه هدف من هذا التعديل إلى معرفة العمليات العقلية التي ينجح فيها طفل الثانية أو الثالثة مثلا، ثم يتخذ من هذه العمليات دليلاً على وصول الطفل إلى مستو عقلي معين. ووضع بينيه في هذه الصورة المعدلة للاختبار مجموعة من الاختبارات التي تتناسب وكل عمر عقلي. فإذا نجح الطفل في إجراء اختبارات عمر خمس سنوات مثلاً، يكون عمره العقلي في هذه الحالة خمس سنوات، أي أن الطفل له من القدرة العقلية ما يسمح له بإجراء نفس العدد من الاختبارات التي يجريها أغلب أطفال سن الخامسة. ووضع بينيه تعريفاً للعمر العقلي بأنه مجموع الإجابات الصحيحة التي تناسب عمراً زمنياً معيناً.
وفي عام 1912 أستطاع شتيرن أن يقدم معادلة لم يُتح لبينيه استخدامها لوفاته. وأستخدم في ذلك مفهوم النسبة العقلية Mental Quotientالتي أسماها تيرمان فيما بعد بمعامل الذكاء Intelligence Quotient والمعروف اختصارا بـ (I.Q) . ويمكن الحصول على هذا المعامل بقسمة العمر العقلي على العمر الزمني Chronological age وضرب الناتج في 100 .
ويعني هذا أن الطفل الذي يكون عمره الزمني 10 سنوات مثلا، وعمره العقلي 13 سنة من واقع درجاته على الاختبار، يكون معامل ذكائه 130. وهذه النسبة تمكننا من معرفة ما إذا كان الطفل متقدماً في عمره العقلي عن عمره الزمني أم متخلفاً عنه.
وقد أجرى تيرمان عام 1916 أولى محاولات إعادة تقنين الاختبار في جامعة ستانفورد التي أُضيف اسمها للاختبار، وأصبح معروفاً بإسم مقياس ستانفورد - بينيه Stanford-Binet . وقد أُجريت على الاختبار العديد من التعديلات لسنوات طويلة حتى عام 1972 . ويقيس المقياس بشكل عام مجموعة من الوظائف العقلية التي تختلف باختلاف المرحلة العمرية التي يتم فيها قياس الذكاء (من سن سنتين إلى الراشد المتفوق). وتشمل هذه الوظائف بصفة عامة الإدراك البصري، والقدرة على التحليل، والذاكرة، والفهم، والاستدلال، وتكوين المفاهيم المجردة.
2- مقياس وكسلر - بلفيو:-
يُعد مقياس وكسلر-بلفيو Wechsler-Bellevue من أشهر مقاييس الذكاء على مستوى العالم، قدمه عالم النفس الأمريكي ديفيد وكسلر عام 1939 في مستشفى بلفيو للطب النفسي، في محاولة منه لوضع مقياس فردي للذكاء يتجاوز به أوجه القصور التي شابت مقياس ستانفورد-بينيه، والتي تمثلت في مبالغته لعامل السرعة الذي يصلح للأطفال أكثر من البالغين، وتشبع المقياس بالعامل اللفظي. ثم أجرى وكسلر تعديلاً على المقياس ونشره عام 1955 تحت عنوان "اختبار وكسلر لذكاء الراشدين Wechsler Adult Intelligence Scale". وتوجد نسخة من الاختبار لقياس ذكاء الأطفال. ويتكون المقياس من مجموعتين من الاختبارات الفرعية أُطلق على الأولى الاختبارات اللفظية Verbal tests يبلغ عددها 6 اختبارات، وتقيس نسبة الذكاء اللفظي Verbal I.Q، وأُطلق على الثانية الاختبارات العملية Performance tests ويبلغ عددها 5 اختبارات تقيس الذكاء العملي Performance I.Q. وتقيس المجموعتان معاً نسبة الذكاء الكلية Total I.Q.
وتشمل الاختبارات اللفظية ما يلي:-
1- اختبار المعلومات Information.
2- اختبار الفهم Comprehension .
3- اختبار الحساب Arithmetic .
4- اختبار المتشابهات Similarities.
5- اختبار المفردات Vocabulary.
6- اختبار إعادة الأرقام Digit span.
أما الاختبارات العملية فتشمل ما يلي:-
1- اختبار ترتيب الصور Picture arrangement.
2- اختبار تكميل الصور Picture completion.
3- اختبار تصميم المكعبات Block design.
4- اختبار رموز الأرقام Digit symbols.
5- اختبار تجميع الأشياء Object assembly.
- معنى نسبة الذكاء:-
ماذا يعني حصول الفرد على درجة معينة على اختبار الذكاء، أو بعبارة أخرى ماذا تعني نسبة الذكاء، وماذا يعني قولنا أن فلاناً نسبة ذكائه كذا؟. لقد أوضحت معظم الدراسات المتعلقة بقياس الذكاء، والتي أُجريت على عينات كبيرة من الأفراد أن هناك فروقاً بين الأفراد فيما يحصلون عليه من نسب الذكاء. وتبين أن معظم الأفراد يحصلون على نسبة ذكاء تبلغ 100، كما أن البعض القليل يحصل على نسبة أعلى من 100، والبعض القليل الآخر يحصل على أقل من هذه النسبة. ويعني هذا أن نسبة 100 هذه تمثل متوسط أفراد المجتمع، أو أن معظم أفراد المجتمع يكون ذكاؤهم متوسطاً أو عادياً، بينما يتوزع بقية الأفراد في طرفين أحدهما أقل من هذه النسبة، والآخر أعلى منها. ويعني هذا أن هناك فئات مختلفة للذكاء يتوزع عليها أفراد المجتمع بنسب ثابتة تقريباً في كل المجتمعات. وهذه الفئات تأخذ شكلاً يُعرف إحصائياً بمنحنى التوزيع الإعتدالي. ويعني هذا التوزيع أن أعلى نقطة في المنحنى تمثل المتوسط، بينما تقع حول هذه النقطة البقية الباقية من أي شيء يتم توزيعه إعتدالياً. وبالنسبة للذكاء فإن غالبية الأفراد أصحاب الدرجات المتوسطة يقعون في منتصف هذا التوزيع، بينما توجد على يمين هذه المجموعة نسبة قليلة تمثل الحاصلين على درجات أعلى من المتوسط (أذكياء وعباقرة)، وتقع على يسارها نسبة قليلة تمثل الحاصلين على درجات أقل من المتوسط (منخفضي الذكاء، والمتخلفين عقلياً).
- فئات الذكاء:-
في ضوء المنحنى السابق يمكن تقسيم الذكاء إلى ثلاث فئات أساسية هي:-
1- فئة ضعاف العقول: وتشمل هذه الفئة المستويات الفرعية التالية:-
أ- المعتوه Idiot وتبلغ نسبة ذكاء هذه المجموعة أقل من 25.
ب- الأبله Imbecile ويتراوح ذكاؤه بين 25-49.
ج- المأفون Moron ويتراوح ذكاؤه بين 50-69.
2- فئة متوسطي الذكاء: وتشمل هذه الفئة المستويات التالية:-
أ- بيني الذكاء Borderline ويتراوح ذكاؤه بين 70-79.
ب- الغبي Dull ويتراوح ذكاؤه بين 80-89.
ج- متوسط الذكاء Average وتتراوح نسبة ذكائه بين 90-109.
3- فئة الأذكياء: وتشمل المستويات التالية:-
أ- فوق المتوسط Above average ويتراوح ذكاؤه بين 110-119.
ب- ذكي Intelligent ويتراوح ذكاءه بين 120-129.
ج- ذكي أو متفوق جداً Very superior وتتراوح نسبة ذكائه بين 130-139.
د- عبقري Genius ويتراوح ذكاؤه بين 140 فما فوق.
ويمكن تلخيص هذه الفئات الثلاثة، والمجموعات الفرعية لها في الجدول التالي:-
الفئة الأساسية

نسبة الذكاء


المجموعة



أقل من 25


معتوه


ضعاف العقول


25-49


أبله



50-69


مأفون



70-79


بيني


متوسطو الذكاء


80-89


غبي



90-109


متوسط



110-119


فوق المتوسط


الأذكياء


120-129


ذكي



130-139


ذكي جداً



140 فما فوق


عبقري








فئات الذكاء



ثانياً: التخلف العقلي


(Mental Retardation)

إذا كنا قد تناولنا في الجزء السابق مفهوم الذكاء وطرق قياسه والعوامل المحددة له، فإن الأمر يتطلب منا أن نستكمل الجانب الآخر من الذكاء، والذي لا يقل أهمية عنه، بل يعد مكملاً للصورة العامة لهذا الموضوع، ونعني بذلك التخلف العقلي.
- تعريف التخلف العقلي:-
الحقيقة أن الفارق بين الشخص العادي والشخص الذي يعاني تخلفاً عقلياً إنما هو فارق في الدرجة، وليس في النوع. أي أنه فارق كمي وليس فارقاً كيفياً. فالمتخلف عقلياً يقع في التوزيع الإعتدالي للذكاء على يسار متوسطي الذكاء، أي أنه يقل عن المتوسط. فماذا نعني إذن بالتخلف العقلي؟.
يُعد التخلف العقلي نقصاً في مستوى الذكاء، فهل يعني هذا أن الأمر مجرد نقص في الدرجة أم أن هناك نواح أخرى تفرق ما بين الفرد العادي والفرد المتخلف عقلياً؟. إن الشخص المصاب بالتخلف العقلي شخص لا يسير نموه العقلي بصورة طبيعية تتناسب مع نموه الجسمي، أي أنه ينمو بدنياً بصورة أكبر مما ينمو عقلياً. وبعبارة أخرى لا يسير عمره العقلي مع عمره الزمني، حيث يتأخر الأول عن الثاني. ولذلك فإن المتخلف العقلي يمكن اعتباره شخصاً يملك عقلاً كبقية الأفراد العاديين، ولكن هذا العقل أقل نضجاً وإنتاجاً وإدراكاً، كما أنه أقل تكيفاً وكفاءة في التعامل مع البيئة، فهو يعاني من صعوبات في التعلم واكتساب الخبرات، وحل المشكلات. إنه لا يستطيع باختصار أن يتواءم مع ما يمر به من ظروف بيئية مختلفة، وتنقصه القدرة على التعامل الجيد مع البيئة بشكل عام، سواء نفسياً أو عقلياً أو اجتماعيا.
وبشكل عام فإن مسألة تعريف التخلف العقلي بصورة قاطعة ومحددة تعد مسألة صعبة. لأن التعريف عادة ما يعتمد على نسبة الذكاء دون النظر للأسباب أو المظاهر المختلفة التي تتعلق بهذه المشكلة، من قبيل المظاهر الطبية والاجتماعية والنفسية وما إلى ذلك. فقد يصاحب التخلف العقلي قصور في البنية الجسمية أو عجز بدني. كما قد يصاحبه صعوبات في التكيف الاجتماعي، مع صعوبات تربوية وتعليمية. ومن هنا تكمن صعوبة التعريف إذ لابد أن يتضمن كل هذه المظاهر.
ويمكن أن نُعرّف التخلف العقلي بصورة عامة على أنه نقص أو تأخر أو توقف أو عدم اكتمال النمو العقلي المعرفي. أو أنه مستوى من الأداء العقلي يكون دون المتوسط، وينشأ أثناء فترة النمو التطور والارتقاء، ويصاحبه خلل أو أكثر من جوانب النضج والتعلم والتوافق الاجتماعي.
ومن المعروف أن مستوى ذكاء الفرد ينمو ويزداد بسرعة في السنوات الأولى من عمره، ثم يزداد بشكل أكثر ثباتاً في المرحلة العمرية 13-15 سنة، ويبطؤ نموه تدريجياً في سن 16-18، وبعد هذه السن لا تحدث زيادة يمكن قياسها. وقد ذكرنا من قبل أن مستوى ذكاء الفرد يظل ثابتاً تقريباً طوال حياته، باعتبار أن الذكاء يقاس دائماً بمقارنة أداء الفرد بمتوسط أداء الأفراد الذين يقعون في نفس الفئة العمرية التي ينتمي إليها هذا الفرد.
والطفل المتخلف عقلياً هو الطفل الذي لم يصل نموه العقلي إلى غايته. بمعنى أنه يقل عن المتوسط كما سبق وذكرنا. وهذا الطفل يتصف بالنقص في جوانب العقل الثلاثة: الإدراك ، والوجدان، والسلوك. ولذلك فهو أقل قدرة على الفهم وتكوين التصورات والمفاهيم والمعاني المجردة. كما أنه أقل قدرة على الانفعال بشكل سليم لما يتعرض له من مثيرات. وأخيراً فإن سلوكه يتسم بالقصور وقلة الكفاءة، والعجز عن التصرف بشكل سليم. وهو بهذا المعنى يصبح عاجزاً عن التكيف مع ظروف البيئة الطبيعية، وغير قادر على الاستقلال الذاتي، ويحتاج إلى رعاية الآخرين.
- تصنيف التخلف العقلي:-
تُعد مسألة تصنيف التخلف العقلي مشكلة عامة مثلها مثل العديد من قضايا التصنيف في أي مجال. ونحن لا نكاد نجد اتفاقا عاماً بين العاملين في هذا المجال على تصنيف محدد يمكن التعامل معه. فقضية التخلف العقلي شغلت وتشغل العلماء على اختلاف تخصصاتهم، ولذلك فإننا نجد العديد من التصنيفات التي ترجع كثرتها إلى اختلاف مفهوم التخلف العقلي عند كل فئة من المشتغلين بهذا الموضوع. ويصبح من المحتم علينا أن نتعرض لهذه التصنيفات على اختلافها، علها تساعدنا في إقامة تصور أكثر اتساعا وفهماً لهذا الموضوع.
ويمكن إيجاز التصنيفات المختلفة للتخلف العقلي في الفئات التالية:-
1- التصنيف وفقاً لمستوى الذكاء I.Q. level classification.
2- التصنيف وفقاً لأسباب التخلف العقلي Etiological classification.
3- التصنيف وفقاً للتشخيص الإكلينيكي Clinical classification.
4- التصنيف وفقاً للقدرة على التعلم Educational classification.
أولا: التصنيف حسب مستوى الذكاء:-
يهتم أصحاب هذا التصنيف بالفروق التي تعتمد على نسبة الذكاء أكثر من أي فروق أخرى. بمعنى أنه تصنيف يعتمد على الفروق في الكم أكثر من الفروق في الكيف أو النوع. ووفق هذا التصنيف يمكن تقسيم فئات التخلف العقلي إلى ما يلي:-
1-فئة المعتوه:Idiot
وهي فئة أقصى حالات الضعف العقلي، ويكون مستوى الذكاء فيها أقل من 25. ويتميز المعتوه بعدم القدرة على إدراك الأمور إدراكاً واضحاً، كما أنه لا يستطيع أن يحمي نفسه من الأخطار التي يمكن أن يتعرض لها وتهدد حياته. وتعوزه القدرة على المحافظة على ذاته، ولا يستطيع أن يؤدي أي عمل، فهو في حاجة لمن يطعمه أو يلبسه أو يعتني به. ويمكن للمعتوه أن يتعلم بعض الكلمات ذات المقطع الواحد. ومن الناحية القانونية يعد غير مسئول عن تصرفاته أو سلوكه. وبالإضافة إلى نقص مستوى الذكاء توجد في هذه الفئة عادة مظاهر أخرى للتخلف كنقص النمو الجسمي، وتخلف النمو الاجتماعي والانفعالي. وعلى الرغم من النقص الشديد في مستوى الذكاء لدى المعتوهين فإن بعضهم قد تكون لديه بعض الملكات الاستثنائية فتظهر لديه مهارات موسيقية أو مهارات خاصة بالرسم بشكل متميز ويُطلق عليهم "المعتوهين العباقرة" Idiot savants.
2-فئة الأبله:Imbecile
وتمثل هذه الفئة المرتبة التالية من التخلف العقلي، ونسبة ذكاء أفرادها تتراوح بين 25-50. ويتميز الأبله عن المعتوه في إمكانية تعليمه طبيعة الأخطار المادية التي تتهدده، مع القابلية لتعلم بعض الأعمال البسيطة والمعتادة التي يحتاجها في حياته اليومية. ومع ذلك فهو غير قادر على الكسب، ويحتاج لمن يعتني به. كما يمكنه تعلم بعض الكلمات ذات المقطع الواحد.
3- فئة المأفون: Moron
ويبلغ مستوى ذكاء هذه الفئة ما بين 50-70، ويتميز الطفل المأفون عن الأبله في إمكانية تعليمه بعض الأعمال التي يمكن أن تدر عليه دخلاً يساعده على كسب قوته. ومع ذلك فهو غير قادر على التكيف مع المواقف الجديدة الخارجة عن نطاق خبرته السابقة. كما تنقصه بعض نواحي النضج العقلي مثل القدرة على التخطيط للمستقبل، ولا يحتمل الواجبات والالتزامات الاجتماعية. ويمكن تعليمه المباديء الأولى للقراءة والكتابة، والعمليات الحسابية البسيطة.
4- الفئة البينية: Borderline
ويتميز أطفال هذه الفئة بأنهم أعلى من الأطفال المأفونين، وأقل من الأطفال العاديين، حيث يتراوح مستوى ذكائهم بين 70-80/90. وعادة ما يطلق على هذا الطفل بالطفل الغبي Dull child. وتضم هذه الفئة ما يُطلق عليهم الأطفال بطييء التعلم Slow learners حيث يواجهون بعض الصعوبات في النواحي التعليمية. ويختلف هؤلاء الأطفال عن الأطفال العاديين في مجال السمات العقلية وخاصة الإدراك السمعي والبصري، إذ يعاني كثير منهم من ضعف السمع والأبصار وعيوب الكلام. ومثل هؤلاء الأطفال قد ينضمون إلى الفصول العادية بالمدارس، أو تكون لهم فصولهم الخاصة.
ثانياً- التصنيف حسب الأسباب:-
في مثل هذا التصنيف يتم التعامل مع الأسباب التي أدت إلى القصور العقلي، وتشمل هذه الأسباب الفئات التالية:-
1- العوامل الوراثية:- ويتم التقسيم وفقاً للسبب الوراثي الذي أدى إلى التخلف العقلي من قبيل مرض داون، أو حالات متلازمة كلاينفيلتر وغيرها من الحالات التي ترجع إلى خلل وراثي سواء كان هذا الخلل في الجينات أو في عدد وطبيعة الكروموسومات.
2- الإضطرابات الفسيولوجية: وهي الحالات الناتجة من خلل عمليات التمثيل الغذائي للخلية سواء كان وراثياً أو نتيجة الإصابة بالمرض. ومن أمثلة هذه الحالات مرض البول الفينايل كيتوني، ومرض ويلسون (اضطراب التمثيل الغذائي للنحاس)، والأمراض الناتجة من عدم توافق فصائل دم الأبوين وما إلى ذلك من أسباب.
3- إصابة المخ: Brain damage وهي الحالات الناتجة من تعرض المخ للإصابة سواء كانت أثناء الولادة، أو الإصابات التي يتعرض لها الفرد بعد ذلك في سنوات العمر المبكرة.
ثالثاً- التصنيف الإكلينيكي:-
يتم التقسيم هنا وفقاً لبعض المظاهر التشريحية والوظيفية والشكلية التي تصاحب التخلف العقلي. ويتضمن التصنيف فئتين أساسيتين هما التخلف العقلي الأولي، والتخلف العقلي الثانوي.
1- التخلف العقلي الأولي:-
ويعني التخلف العقلي الأولي Primary أن السبب في هذا التخلف يحدث بصفة مبكرة ونتيجة أسباب وراثية. وتشمل حالات هذه الفئة ما يلي:-
أ- حالات داون:-
وهي الحالات التي أشرنا لها من قبل وتنتج من وجود كروموسوم زائد في الكروموسومين رقم 21 . ويكون مستوى الذكاء ما بين الأبله (25-50) والمعتوه (أقل من 25).
ب- صغر حجم الجمجمة:-
وهي حالات تكون الجمجمة فيها صغيرة الحجم Microcephaly وكذلك المخ. ونقصد بصغر حجم الجمجمة عدم تناسبها مع بقية حجم الجسم بصورة واضحة. وعادة ما تكون درجة التخلف من نوع الأبله (25-50).
ج- استسقاء المخ:-
وحالات استسقاء المخ Hydrocephalus يزيد فيها حجم الرأس والمخ نتيجة وجود زيادة في كمية السائل النخاعي Cerebrospinal fluid الذي يحيط بالمخ والحبل الشوكي، ويعمل على تغذيتهما وحمايتهما من الصدمات. وعادة ما يصاحب هذه الزيادة انسداد في مجرى هذا السائل. ويكون مستوى الذكاء في هذه الحالات منخفضاً للغاية (درجة معتوه) كما يصاحبها نقص في النمو الجسمي والوظائف العقلية بشكل عام.
ج- القصاع:-
يرجع مرض القصاع Cretinism إلى نقص إفراز الغدة الدرقية عند الطفل لأسباب وراثية.
د- الشلل المخي:-
ويُقصد بحالات الشلل المخي Cerebral palsy وجود شلل بالأطراف الأربعة من الجسم، مع نقص وظائف النمو، ووجود حالات الصرع، مع تخلف عقلي شديد.
هـ- العته العائلي المظلم:-
وحالات العته العائلي المظلم Amaurotic family idiocy تتميز بضمور العصب البصري مما يُفقد الطفل القدرة على الإبصار تدريجياً، مع شلل في أجزاء الجسم، بالإضافة إلى التخلف العقلي.
و- حالات اضطراب التمثيل الغذائي:-
وهي الحالات التي تنتج لأسباب وراثية تؤثر على التمثيل الغذائي لبعض المواد ومن أمثلتها حالات البول الفينايل كيتوني.
2- التخلف العقلي الثانوي:-
وعادة ما تكون أسباب التخلف في هذه الفئة ثانوية Secondary أو بيئية مكتسبة. كأن تُصاب الأم أثناء الحمل بالحصبة الألماني، أو نتيجة إصابات أثناء الولادة، أو إصابة بالأمراض في سنوات العمر المبكرة كالالتهاب السحائي، أو الحمى الشوكية، أو نتيجة إصابات الرأس.
رابعاً- التصنيف التعليمي أو التربوي:-
وهو تقسيم يهم المشتغلين في مجال التعليم، حيث يصنفون فيه التخلف العقلي وفقاً لمدى قابلية الطفل للتعليم والتحصيل الدراسي. ويضم هذا التصنيف الفئات التالية:-
1- ضعاف العقول: Feeble minded وهم الأطفال الذين لا يمكنهم الاستفادة من التعليم سواء كان ذلك في المدارس العادية أو في المدارس الخاصة بذلك.
2- المعاقون عقلياً: Mentally handcapped وهم الذين توجد لديهم بعض القدرات التي تساعد على تعلم المهارات الاجتماعية أو المهنية، كما يمكنهم الاعتماد على أنفسهم إلى حد ما، ويمكنهم كسب قوتهم.
3- بطيئو التعلم : Slow learners وهم الأطفال الذين يجدون صعوبة في مواءمة أنفسهم للمناهج التعليمية بالمدارس العادية بسبب قصور بسيط في مستويات ذكائهم، أو نتيجة لضعف القدرة على التعلم، وعادة ما يلتحقون بالمدارس العادية.
ونود أن نشير إلى أن هذه التصنيفات الأربعة على اختلاف أنواعها قد تؤدي إلى بعض اللبس عند تناولها، ولذلك فقد تم الإتفاق بشكل عام على تقسيم أكثر شمولاً وبساطة وضعته الجمعية الأمريكية للقصور العقلي Mental deficiency عام 1973، واستقرت عليه الجمعية الأمريكية للطب النفسي، وأشارت إليه في التصنيف الإحصائي الثالث للأمراض النفسية والمعروف اختصارا باسم (D.S.M III) وتبنته كذلك في التصنيف الإحصائي الرابع. ويشمل هذه التصنيف الفئات الخمسة التالية:-
1- التخلف العقلي البسيط: Mild M.R.
وتشمل فئة التخلف العقلي البسيط الأفراد الذين يتراوح معامل ذكائهم بين 50-70 (مستوى المأفون) وتضم ما يقرب من 80% من حالات التخلف العقلي. ويتميز الفرد الواقع في هذه الفئة بالمهارات الاجتماعية والقدرة على التواصل، مع نقص بسيط في الوظيفة البصرية الحركية وذلك في سن ما قبل المدرسة. كما يتميز بالقابلية للتعلم الدراسي بما يصل به إلى مستوى الصف السادس الابتدائي. كما تكون لديه المهارات الاجتماعية والمهنية التي تمكنه من حماية نفسه. ومع ذلك فهو يحتاج إلى التوجيه والرعاية في الفترات التي يتعرض فيها للشدائد والضغوط الاجتماعية والاقتصادية. وقد لا يتم تمييز هؤلاء الأطفال عن الأطفال العاديين في السنوات الأولى من العمر (سن ما قبل المدرسة).
2- التخلف العقلي المتوسط: Moderate M.R.
وتشمل هذه الفئة الأفراد الذين يتراوح ذكاؤهم بين 35-50. وتشمل حوالي 12% من حالات التخلف العقلي بشكل عام. ويتميز الفرد في هذه الفئة بالقابلية للتدريب Trainable ولكنه لا يستطيع التقدم في الدراسة أكثر من الصف الثاني الابتدائي. كما لا يستطيع الاستفادة من التدريب على بعض المهارات الاجتماعية والمهنية. ويستطيع أيضاً أن يساعد نفسه، ولكن لابد من رعايته تحت ظروف الضغط بوجه عام.
3- التخلف العقلي الشديد: Severe M.R.
ويشمل الأفراد الذين يتراوح ذكائهم بين 20-35، ويمثلون حوالي 7% من إجمالي حالات التخلف العقلي. ويتميز طفل هذه الفئة بضعف في النمو الحركي، ولا توجد لديه مهارات الاتصال في سن ما قبل المدرسة، وإن كان يستطيع ذلك في السنوات التالية. كما يمكنه في مرحلة البلوغ التدريب على العادات الصحية الخاصة بالنظافة، وضبط المخارج. أما بعد هذا السن فيمكنه القيام ببعض الأعمال البسيطة، ولكن تحت الرعاية والملاحظة الشديدة والمستمرة.
4- التخلف العقلي الغامر: Profound M.R.
وتشمل هذه الفئة من يقل ذكاؤه عن 25، وتبلغ نسبة هؤلاء 1% من مجموع المتخلفين عقلياً. ويتميز الطفل بتخلف شديد في التآزر البصري الحركي، ويحتاج إلى رعاية شديدة في سن ما قبل المدرسة. أما بعد ذلك فينمو حركياً وقد يستجيب لبعض التدريب البسيط لمساعدة نفسه. كما قد يتعلم بعض الكلمات في سن البلوغ، ولكنه يحتاج إلى الرعاية المستمرة طوال حياته.
5- التخلف العقلي غير المحدد: Unspecified M.R.
وهذه الفئة تضم أؤلئك الذين تظهر عليهم مظاهر التخلف العقلي، ولكن لا يمكن تطبيق اختبارات الذكاء عليهم إما لشدة تخلفهم، أو لعدم تعاونهم. وبالتالي لا يمكن معرفة وتحديد مستوى ذكائهم.
أسباب التخلف العقلي
ذكرنا في التصنيف الإكلينيكي للتخلف العقلي أن الأسباب قد تكون أولية (وراثية) أو تكون ثانوية (بيئية مكتسبة). ونظراً لأن التخلف العقلي تتعدد أسبابه بشكل كبير فيمكننا أن نتناول هذه الأسباب حسب مراحل تطور الفرد بدءً من مرحلة الإخصاب، وحتى مرحلة الولادة والسنوات اللاحقة لها. ولا يعني هذا أن أسباب التخلف العقلي تكون مجرد سبباً واحداً فقط داخل كل مرحلة، وإنما قد تكون أسباب عدة توجد في أكثر من مرحلة. ويمكن تقسيم الأسباب إلى ما يلي:-
1- أسباب ما قبل الإخصاب (قبل تكوين الجنين).
2- أسباب بعد الإخصاب (أثناء نمو الجنين).
3- أسباب أثناء الولادة.
4- أسباب أثناء الطفولة المبكرة.
5- أسباب ما بعد الطفولة المبكرة.
وقبل أن نبدأ في عرض هذه الأسباب نود الإشارة إلى أننا تناولنا العديد منها في الفصل الخاص بالعوامل البيولوجية المحددة للشخصية، ومن ثم فإننا سنتعرض لها هنا على نحو سريع، ويمكن الرجوع إليها بالتفصيل في الفصل الخاص بذلك، مع الإشارة بالتفصيل للعوامل الجديدة.
1- أسباب ما قبل الإخصاب:-
ويقصد بهذه الأسباب مجموعة العوامل والاستعدادات الوراثية التي تكمن في تكوين كل من الأم والأب، فتحملها البويضة والحيوان المنوى للجنين. ومثل هذه الأسباب يمكن تحديدها قبل أن يتكون الجنين، إذ أننا نتوقع حدوثها عن طريق الانتقال الوراثي للصفات من الوالدين إلى الطفل. وتنتج هذه الأسباب من وجود جينات تحمل صفات مرضية، وعادة ما تكون هذه الإضطرابات متنحية وراثياَ. وتؤثر هذه الجينات على النمو العقلي نتيجة ما تسببه من تغيرات في صفات الجهاز العصبي والمخ. ويمكن تقسيم هذه الأسباب إلى ما يلي:-
1- اضطراب تمثيل الأحماض الأمينية:-
تعد الأحماض الأمينية كما نعرف المركبات الأساسية للبروتين في الجسم. ومن أشهر الإضطرابات التي تحدث في تمثيلها غذائياً مرض البول الفينايل كيتوني الذي ذكرناه من قبل. والذي يؤدي إلى تراكم مواد ضارة بالجهاز العصبي ويسبب التخلف العقلي. وتبلغ نسبته 1:15000، ويمكن تشخيصه مبكراً ومن ثم علاجه.
2- إضطراب تمثيل الدهون:-
وهذا الاضطراب ينقسم إلى نوعين: الأول يتميز بزيادة نسبة الدهون في الجهاز العصبي، وزيادة تخزينها. والثاني يتميز بنقص الدهون في الجهاز العصبي مما يؤدي إلى فقدان الغشاء الدهني Myeline sheath الواقي لمحور الخلية العصبية Demylination. ومن أمثلة هذه الإضطرابات ما يلي:-
أ- مرض تاي-ساكس: Tay-sachs وهو أحد الأمراض الوراثية المتنحية التي تنتشر بين اليهود، ويظهر في سن 4-8 شهور. ويكون مصحوباً بفقدان البصر، والتشنجات، ويؤدي إلى الوفاة المبكرة.
ب- مرض جوشر: Gaucher's disease وهو مرض متنح وراثياً وينتشر في اليهود أيضاً، وتظهر علاماته في السنوات الأولى من العمر، ويتميز بتدهور شديد في القدرة العقلية والنمو بوجه عام.
3- اضطراب تمثيل الكربوهيدرات:-
ومن أشهر الأمراض الناتجة عن هذا الاضطراب المرض المعروف بزيادة نوع معين من السكر في الدم، وهو سكر الجلاكتوز Galactose. وهو أحد الأمراض المتنحية وراثياً، ويتميز بظهور نسبة عالية من هذا السكر في البول، ولذلك يسمى بمرض جلاكتوز الدم أو الجلاكتوزيميا Galactosaemia. وتبدأ أعراضه في الظهور بعد أيام قليلة من عملية الرضاعة الصناعية، وتكون الأعراض جسمية في البداية مثل الصفراء والإسهال، والقيء، وتضخم الكبد. وتظهر أعراض التخلف العقلي متأخرة، ولكن عادة ما يموت الطفل مبكراً إذا لم يتم اكتشاف الحالة وعلاجها في وقت مبكر.
4- اضطراب الكروموسومات:-
أشرنا إلى أن اضطرابات التمثيل الغذائي المتسببة في التخلف العقلي تكون نتيجة لوجود جينات مرضية متنحية. ولكن قد يرجع التخلف العقلي إلى اضطراب في الكروموسومات ويأخذ هذا الاضطراب شكل نقص أو زيادة أو تشوه في الكروموسومات الجسمية أو الجنسية. أو نتيجة لوجود جينات سائدة. ويمكن تقسيم أنواع الاضطراب الكروموسومي إلى ما يلي:-
أ- زيادة عدد الكروموسومات الجسمية، مثلما يحدث في مرض داون (47 كروموسوم).
ب- نقص عدد الكروموسومات الجسمية مثل المرض المعروف باسم مواء القطة Cat Cry Syndrome الذي ينتج من نقص كروموسوم رقم 5، ويتميز بصرخة يطلقها الطفل تشبه مواء القطة، نتيجة اضطراب في الحنجرة. وتكون درجة التخلف العقلي شديدة، وبعض المرضى به يعيش حتى سن البلوغ.
ج- تغير في الكروموسومات الجنسية مثل متلازمة كلاينفيلتر (XYY)، ومتلازمة تيرنر (XO).
د- مرض كروموسوم إكس الهش، وهو أحد الأمراض المرتبطة بالجنس، ويسبب التخلف العقلي للذكور، بينما تحمله الإناث. وتبلغ نسبته في حالات التخلف العقلي حوالي 2-20%.
أما الأسباب المتعلقة بالجينات السائدة فتشمل الأمراض التالية:-
1. التصلب الحدبي Tuberous sclerosis ويحدث بنسبة 2:000,20 وتأخذ أعراضه ظهور طفح جلدي على هيئة حبيبات تتركز في المنطقتين المحيطتين بالأنف، وتظهر على شكل فراشة Butterfly rash، كما قد توجد أورام بالقلب والكليتين والكبد. مع حالات الصرع.
2. زملة أعراض ستيرج ويبر Sturge-Weber syndrome وتظهر فيه تشوهات في الأوعية الدموية الجلدية، تأخذ شكل الورم الوعائي في الجلد (الوحمة) Navous، مع تغيرات أخرى، ويصاب ثلثا المصابين به بالتخلف العقلي.
3. التورم الليفي العصبي Neurofibromatosis ويسمى بزملة أعراض فون ريكلنجهاوسين Von Recklinghausen syndrome. وتبلغ نسبة المرض 1:3000، وتظهر فيه مساحات مصبوغة على الجلد تسير في مسار الأعصاب الجلدية، كما قد تظهر فيه أورام بالجلد فيما بعد. ويصاب ثلث الحالات بالتخلف العقلي.
ثانياً- أسباب ما بعد الإخصاب:-
بعد تكوين البويضة المخصبة ودخولها في طور الانقسام، يمكن أن تتعرض لتغيرات في البيئة (الداخلية والخارجية) تؤثر على تكوين الجنين وخاصة جهازه العصبي الذي يعد أكثر الأجهزة تأثراً بهذه التغيرات، ويكون مسئولاً عما يصيب الطفل من تخلف عقلي. وتشمل أسباب هذه المرحلة ما يلي:-
1- إصابة الأم بالأمراض:-
ومن أمثلة ذلك ما سبق وذكرناه في المحددات البيولوجية للشخصية من قبيل إصابة الأم بالحصبة الألماني، أو بالزهري، أو غيرها من الأمراض البكتيرية أو الفيروسية.
2- تعرض الأم للسموم:-
ومن أمثلتها تعرض الأم أثناء فترة الحمل للعديد من المواد الضارة كتناول الكحوليات، أو العقاقير الطبية غير الآمنة على الجنين، أو التعرض لأشعة إكس، أو للإشعاع الذري. وغير ذلك من العوامل التي تؤثر على نمو الجنين بشكل عام، وجهازه العصبي بشكل خاص.
ثالثاً- أسباب الولادة:-
وتشمل أسباب هذه المرحلة مجموعة من المتغيرات سبق وذكرناها، وهي:-
أ- الولادة المتعسرة.
ب- الشد على رأس الجنين.
ج- قلة أو انعدام الأكسجين.
وقد ينتج في هذه الحالات إصابات بالمخ يكون بعضها واضحاً وظاهراً من حيث التغيرات التشريحية في المخ، والبعض الآخر يكون المخ فيها مصاباً بدرجة لا يمكن رؤيتها حتى ميكروسكوبياً. ومثل هذه الحالات يطلق عليها إصابة مخية طفيفة Minimal brain damage وتظهر أثارها بعد ذلك في مجموعة من الأعراض التي تشمل خللاً في وظائف الجهاز العصبي، تظهر في اضطراب الإدراك، وعمليات التصور والتخيل واللغة والذاكرة، والانتباه، وعجز القدرة على التعلم، مع الإفراط الحركي Hyperactivity. وعادة ما يكون معامل ذكاء الأطفال المصابين بهذه الحالة أقل من المتوسط أو في المتوسط، ولكن توجد لديهم أوجه قصور في النواحي التعليمية أو السلوكية، مع ضعف القدرة على التكيف.
رابعاً: أسباب الطفولة المبكرة:-
قد يتعرض الطفل في سنواته عمره الأولى (الخمس سنوات الأولى) للإصابات أو الحوادث أو الأمراض التي تؤثر على جهازه العصبي أو المخ على وجه التحديد. وهذه الإصابات يمكن أن تؤخر من مستوى ذكائه، ويحدث نوع من التدهور في القدرات العقلية التي كانت موجودة قبل التعرض لهذه الإصابات. ومن أمثله ذلك ما يلي:-
1- الإصابة باليرقان:-
اليرقان أو الصفراء Jaundice هو ارتفاع نسبة المادة الصفراء Billirubin في الدم نتيجة تكسر كرات الدم الحمراء أياً كان سبب هذا التكسير. وقد يحدث في الأطفال حديثي الولادة ولا يستمر فترة طويلة (ثلاثة أيام فقط) ويعتبر في بعض الحالات أمراً طبيعياً، ولذا يسمى بالصفراء الفسيولوجية Physiological jaundice. ولكن في بعض الأحيان يحدث هذا المرض نتيجة عدم توافق دم كل من الأب والأم، نتيجة اختلاف عامل ريسيس، ويكون نتيجة ذلك تكسر شديد في كرات الدم، ينتج عنه زيادة كبيرة لمادة الصفراء، فتتجمع في الخلايا العصبية وتؤدي إلى تلف الجهاز العصبي والمخ، مما يتسبب في ظهور العديد من العلامات المرضية كالتشنج، وضعف الأطراف، والتخلف العقلي.
2- إلتهابات المخ:-
من الإصابات المرضية التي تصيب الأطفال في سن مبكرة التهاب المخ أو ما يُسمى بالحمى الشوكية Encephalitis، أو التهاب الأغشية المبطنة للمخ (السحايا) وتسمى بالحمى السحائية Meningitis. وكل هذه الالتهابات تحدث تلفاً بالغاً في خلايا المخ والجهاز العصبي، مما يؤدي إلى العديد من المظاهر المرضية التي يمكن أن تستمر مع الطفل إذا لم يتم علاج الحالة في وقت مبكر وبشكل فعال. وتشمل هذه الأعراض شلل في بعض أو كل الأطراف، التشنجات، ضعف النمو العقلي.
3- إصابات الرأس:-
قد يتعرض الطفل في سنواته الأولى لبعض الحوادث في البيت أو في الطريق تتسبب في إصابة رأسه، كأن يقع من مكان مرتفع، أو تصدمه سيارة، أو يرتطم رأسه بأجسام صلبة بشكل شديد ومتكرر. وعادة ما يفقد الطفل وعيه نتيجة هذه الإصابات نظراً لما يحدث في المخ من ارتجاج Concussion أو نزيف دموي. ويؤدي تلف المخ الناتج من هذه الإصابات إلى توقف النمو العقلي للطفل، بعد أن ظهرت بوادر جيدة لمستوى ذكائه.
4- تسمم الجهاز العصبي:-
أدى تلوث البيئة المتزايد إلى العديد من المشكلات الصحية، التي يمكن اعتبار تسمم الجهاز العصبي للأطفال واحداً من أهم أخطارها. ومن أبرز هذا التلوث التعرض لمادة الرصاص (مادة غير عضوية تدخل في الطلاء والأصباغ والطباعة)، ويتلوث بها الجو نتيجة عوادم السيارات. وتسمى الحالات الناتجة من ذلك بتسمم الرصاص Lead poisoning الذي يمكن أ، يصيب الأطفال نتيجة نتيجة وجودهم في بيئات ملوثة بعوادم السيارات أو المصانع، أو نتيجة استعمال ألوان غير آمنة صحياً. وتتراكم مادة الرصاص في الجسم لأنها لا تفرز منه، ويؤدي تراكمها هذا إلى تلف الجهاز العصبي فتحدث التشنجات، وشلل الأطراف، بالإضافة إلى توقف النمو العقلي.
و لا يتوقف الأمر على مادة الرصاص فقط، بل إن استعمال المبيدات الحشرية والزراعية غير المصرح بها صحياً، يمكن أن يؤدي إلى أشكال عديدة من تسمم الجهاز العصبي. وقد زادت في الآونة الأخيرة الشكوى من استعمال مواد كيماوية لتحسين إنتاجية بعض الخضر والفاكهة، أو لإنضاجها بشكل مبكر وسريع. ولا تخضع هذه العمليات لأي رقابة مما يعرض الأطفال والكبار للآثار الضارة لهذه المواد. كما بدأ التحذير من استعمال الألوان الصناعية والمواد الحافظة في المواد الغذائية بشكل عام، ومأكولات وحلوى الأطفال بشكل خاص، وكلها مواد من شأنها أن تؤدي إلى العديد من المشاكل الصحية، بما في ذلك الجهاز العصبي.
5- الإصابة بالصرع:-
تُعد الإصابة بمرض الصرع Epilepsy في الطفولة المبكرة أحد الأسباب التي تؤدي إلى القصور العقلي أو توقف النمو العقلي للطفل. وأسباب الصرع وأنواعه عديدة لا مجال لمناقشتها في هذا المقام، ولكن استمرار هذه الحالات دون العلاج المناسب لها، وتكرارها لفترات طويلة تؤدي إلى مزيد من تلف خلايا المخ نظراً لنقص الأكسجين الذي ينتج من تشنج عضلات الصدر، وتوقف التنفس أثناء النوبة الصرعية. وقد يكون الصرع مصاحباً للتخلف العقلي منذ البداية مثلما يحدث في العديد من الأمراض الوراثية المصحوبة بأعراض أخرى ناتجة من تلف المخ، أو يكون الصرع متأخر الحدوث مما يتسبب في توقف أو تأخر النمو العقلي.
6- مرض القصاع:-
وهو المرض الناتج من نقص إفراز الغدة الدرقية، وقد سبق أن تناولناه من قبل.
7- الأمراض الذهانية المبكرة:-
قد يصاب الطفل في سنواته المبكرة بالأمراض الذهانية (العقلية) التي تكون أسبابها وراثية أو عضوية. ومن الأمثلة الشهيرة لهذه الأمراض مرض الذاتوية الطفلية Infantile autism الذي يتميز بنقص الاستجابة للآخرين، مع تخلف مهارات التواصل معهم (صعوبات بالغة في الكلام والفهم). ويأتي الطفل المصاب بهذا المرض بحركات واستجابات سلوكية غريبة (تحاشي النظر إلى أي شخص من حوله، جمود الإستجابة الإنفعالية) مع نقص شديد في النمو اللغوي (استخدام الجمل والضمائر بشكل معكوس). وعادة ما يصيب المرض الطفل قبل سن الثلاثين شهراً، ويصاحبه تخلف في النمو العقلي، حيث يقل مستوى الذكاء عن 50 فيما لا يقل عن 40% من الحالات، بينما يكون مستوى الذكاء 70 في نسبة لا تزيد عن 30% . وعادة ما يحتاج الطفل إلى الرعاية المستمرة والشديدة إذ أنه لا يكون قادراً على الاعتماد على نفسه.
خامساً: أسباب في الطفولة المتأخرة:-
قد يتمتع الطفل بنمو جسمي وعقلي وانفعالي طبيعي في السنوات الخمس الأولى من حياته، ثم يتعرض بعد ذلك إلى العديد من المؤثرات التي توقف عملية النمو في جزء أو كل هذه المظاهر. ويفقد الطفل ما تعلمه وأتقنه من مهارات حركية أو لغوية أو اجتماعية. ويمكن لكل العوامل التي تصيب الطفل في الطفولة المبكرة أن تحدث في الطفولة المتأخرة، كالإصابة بأمراض المخ، أو إصابات الرأس وغيرها.
ومن الأمراض الذهانية التي تصيب الأطفال في الطفولة المتأخرة المرض المعروف بمتلازمة هيللر Heller's syndrome، أو ذهان تحلل الدماغ الطفولي Disintegrative Psychosis. ويتميز هذا المرض العضوي بتلف كتواصل لخلايا القشرة المخية، وتحلل أنسجة المخ. ويصاب بهذا المرض أطفال طبيعيون تمتعوا بقدر جيد من النمو الطبيعي بعد الولادة، ولفترة تمتد إلى عدة سنين، ثم تظهر بعدها وبشكل تدريجي ومتزايد علامات المرض والتي تشمل بعض الشذوذ في سلوك الطفل وعاداته. ثم يبدأ التدهور المتواصل فيما حققه الطفل من قدرات عقلية سابقة، بالإضافة إلى فقدانه للمهارات الحركية والاجتماعية والتعليمية والانفعالية التي كونها من قبل. وبعد ذلك تظهر علامات مرضية أخرى كالإفراط الحركي، وتكرار الحركات، ونمطيتها Hyperactivity & Stereotypy. وقد يصاب الطفل في النهاية بنوبات الصرع التي تزيد من تدهور حالته العقلية.
ثالثاً: الأمراض النفسية
تُعد الأمراض النفسية مثلها مثل الأمراض العضوية علامة على اختلال الاتزان الداخلي للكائن الحي، ولكن هذا الاختلال يكون في الجانب النفسي، فهل للبيولوجيا علاقة بهذا الموضوع؟، وبعبارة أخرى هل يؤدي اختلال الاتزان البيولوجي إلى الاختلال النفسي، فيتسبب بذلك في حدوث الأمراض النفسية؟.
لقد ذكرنا من قبل أن المرض البيولوجي -العضوي- يمكن أن يُؤثر على الجانب النفسي للإنسان. كما أن الضغوط البيولوجية تقلل من قدرة الفرد على احتمال الضغوط الأخرى، بما في ذلك الضغوط النفسية. ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، لأن اختلال الاتزان النفسي قد ينتج أيضاُ من ضغوط نفسية. وقد أشرنا من قبل إلى أن الأمراض النفسية بوصفها علامة على اختلال الاتزان تمر بنفس المراحل الثلاثة التي ذكرها سيلي في نظرية الضغوط. وأنها تتزايد في الشدة من مرحلة إلى أخرى وصولاُ إلى حالة التفكك الكامل للأنا، مع الاضطراب الشديد في وظائفه وعلاقته بالواقع.
وقبل أن نُنهي هذا الفصل نود أن نشير إلى دور البيولوجيا في إحداث بعض الأمراض النفسية كحالات للاستدلال على هذا الدور. ولذلك فإننا سنتناول القلق باعتباره أحد الأمراض العصابية، والفصام باعتباره أحد الأمراض الذهانية. وذلك نظراً لأنهما الأكثر انتشارا، والأكثر تأثيراً -وخاصة الفصام- في استقرار الشخصية.
أولاً- القلق:-
على الرغم من أن العديد من العلماء فسروا القلق على أساس بيئي بحت، إلا أن هذا النموذج من التفسير لم يكن كافياً لفهم هذا المرض. وقد يكون ذلك راجعاً إلى أن الأساس البيولوجي لهذا المرض قد تمت دراسته في وقت متأخر، نظراً لغياب التقنيات العالية التي تُمكننا من دراسة الجهاز العصبي، والمخ على وجه التحديد. ومع توافر هذه التقنيات أصبح من السهل وضع الأساس البيولوجي لهذا المرض. ومع ذلك فإن الجانب البيولوجي وحده لا يمكن أيضاً أن يقدم لنا تفسيراً كاملاً للقلق، ومن ثم يجب النظر إلى المرض على أساس أنه نتاج لتفاعل بين قوى ثلاثة هي: القوة البيولوجية، والقوة النفسية، وقوة الضغوط. وسنقصر تناولنا في هذا الجزء على القوة البيولوجية فقط.
تُعد القوة البيولوجية أكثر القوى الثلاثة قدرة على توضيح أساس القلق، وينبع هذا التفسير من أكثر من دليل. فقد تبين أن كثيراً من مرضى القلق أخبروا أطباءهم المعالجين بوجود أفراد آخرين في عائلاتهم يعانون من نفس المرض. وبدأت الدراسات في تناول أقارب هؤلاء المرضى في محاولة لاستكشاف أثر الجانب الوراثي له، والتأكد من أن المرض قد يتم توارثه عن طريق جينات معينة. وأُجريت الدراسات الإحصائية لتوضيح مدى انتشار هذا الاضطراب في نفس الأسرة. وتبين أن احتمال الإصابة بالمرض يزيد لدى الأفراد ذوي القرابة الوثيقة بالمريض، وأن هذه الزيادة لا يمكن ردها إلى الصدفة وحدها.
وأشارت نتائج الدراسات التي أُجريت على شجرة النسب العائلي إلى أن الاستعداد للإصابة بالقلق يتمشى إلى حد كبير مع وجود نمط وراثي لواحد من الجينات السائدة. وأن هذا النمط من شأنه أن يسمح للمرض بالانتقال من أحد الأبوين، ولا يستدعي أن ينتقل بالوراثة من كل من الأبوين في العائلة نظراً لأن الجين المتسبب في المرض جين سائد.
أما الدراسات التي أُجريت على التوائم في هذا المجال فقد أشارت إلى أن قوى الوراثة أكثر تأثيراً من العوامل البيئية من حيث نشأة المرض. ويعني هذا أن التوائم المتطابقة أكثر تأثراً بالعوامل الوراثية، بينما لا يظهر المرض بنفس القدر عند التوائم غير المتطابقة. فلو كان المرض راجعاً إلى التعلم أو ضغط البيئة لوجبت إصابة كل من كلا التوأمين بنسبة متساوية بغض النظر عن كونهما متطابقين أو غير متطابقين، نظراً لأن كل منهما نشأ في نفس البيئة ونفس العائلة، وتعرض لنفس الظروف البيئية والاجتماعية.
والحقيقة أن الضعف الوراثي المتسبب في الإصابة بمرض القلق يمكن أن نرجعه إلى وجود الجينات المرضية التي تتسبب في اختلال التوازن الكيميائي للجهاز العصبي، وهذا الاختلال إنما يرتبط بالموصلات العصبية Neurotransmitters، والنهايات العصبية Nerve endings التي تقوم بتكوين هذه الموصلات، وكذلك بمستقبلات Receptors الجهاز العصبي، التي تستقبلها.
ثانياُ- الفصام:-
يُعد الفصام أحد الأمراض الذهانية التي تؤثر على تكامل الشخصية بشكل كبير. ويتميز هذا المرض باضطرابات تشمل العديد من الوظائف العقلية كالإدراك والتفكير، والوجدان والسلوك. وإذا لم يتم علاج هذا المرض في وقت مبكر أدى إلى تدهور الشخصية بكاملها. وتوجد منه أنواع عديدة، تنتشر في فئات عمرية مختلفة، ويتميز كل نوع منه بمجموعة محددة من الأعراض التي تميزه عن بقية الأنواع.
والفصام هو المرض العقلي الذي بُذل فيه من البحث الوراثي والبيوكيميائي أكثر مما بُذل في أي مرض آخر، في محاولة لاكتشاف سببه المتمثل في وجود جين مضطرب يؤدي إلى التغيرات الكيميائية التي تكمن وراء الإصابة به. وقد أُجريت من أجل هذا الغرض العديد من دراسات الأسرة، والتوائم والتبني على مرضى الفصام وعائلاتهم. فمن المعروف أن هذا المرض يسري عائلياً، ومن ثم حاولت هذه الدراسات أن تكشف دور الوراثة والبيئة في نشأة المرض. فإذا كانت هناك نسبة كبيرة من أقارب الفصاميين ذوي القرابة الوثيقة مصابين بنفس المرض فهذا يعني أنه ينجم عن عوامل وراثية. أما إذا زادت نسبة المرض في أفراد عائلات التبني فهذا يعني أنه نتاج عوامل بيئية.
وأشارت معظم الدراسات التي أُجريت في هذا المجال أن الفصام ينتج من عوامل وراثية، حيث يكون ظهوره أكثر بين أفراد العائلات ذوي القرابة الوثيقة. كما أنه إذا أصبح أحد التوائم المتطابقة مريضاً بالفصام، فإن التوأم الآخر يكون في المتوسط معرضاً للإصابة بالفصام هو الآخر، بما يقرب من معدل 50%. أما التوائم المتآخية (غير المتطابقة) فإن معدل الإصابة بينهم يقل عن التوائم المتطابقة إذ يبلغ ربع معدل الإصابة عندهم، ولكنه ينتشر بمعدل أكبر مما هو عليه بين عامة الأفراد.
وعلى الرغم من هذه النتائج التي تؤكد دور الوراثة في الإصابة بمرض الفصام، إلا أن هذه الوراثة لا تتبع أياً من قوانين مندل الوراثية المعروفة، الأمر الذي حدا ببعض العلماء للقول بأنه أياً كان تأثير العوامل الوراثية في مرض الفصام، فإن هذا التأثير لا يتعدى أن يزود الفرد بإمكان حدوث المرض، وأن ثمة عوامل أخرى لابد من توافرها لكي يتحول ذلك الإمكان إلى إصابة فعلية حقيقية. وبمعنى آخر فإن المورثات الجينية لابد أن تلتقي بعوامل بيئية أخرى منشطة، يؤدي تفاعلها مع العوامل الوراثية إلى ظهور المرض.
وما نود أن نخلص إليه من تناولنا لأثر العوامل الوراثية في الإصابة بالمرض النفسي على وجه الخصوص، وأي مرض آخر على وجه العموم هو أن الوراثة إنما هي وراثة استعداد، أي وراثة لإمكانية الإصابة بالمرض، وليس لحتمية الإصابة به. ويعني هذا أن أنه كي يظهر المرض لدى من يحمل استعداد الإصابة به، فإن الأمر يتطلب توافر عوامل أخرى تنشط هذا الاستعداد وتُظهره. وما لم تتوفر هذه العوامل يبقى لدى الفرد الاستعداد دون الإصابة بالمرض. وهذا الأمر يختلف عن العديد من الأمراض الوراثية التي ناقشناها في هذا الكتاب من حيث هي أمراض وراثية. فالمرض المحدد وراثياً مرض لابد أن يظهر سواء توفرت له العوامل المنشطة في البيئة أم لا. ولذلك فإن هذه الأمراض تأخذ أحد أشكال القوانين العامة للوراثة، سواء كانت سائدة أو متنحية، أو مرتبطة أو متأثرة بالجنس. فأياً كانت طبيعة المرض فهو بالضرورة سوف يظهر. ويختلف الأمر في الأمراض النفسية، فهي أمراض أقل ما نقوله عنها أن الوراثة تلعب فيها دوراً، ولكن ما حجم هذا الدور، وما شكله القانوني وفقاً لقوانين الوراثة، فإن هذا السؤال لا يمكن الإجابة عليه بشكل تام ودقيق. ومن هنا تأتي التفرقة بين المرض الوراثي، والمرض الذي تلعب فيه الوراثة دوراً ما، أياً كان حجم هذا الدور.

hgfd,g,[dh td hgs,hx ,hglvq hgs,hx









التوقيع


على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء
..........................
أنا مصر عندي أحب وأجمل الأشياء

 

التحكم

  

رد مع اقتباس
قديم 22-01-2010   رقم المشاركه : 2
المعلومات الشخصية
فارس الإحساس
:: ماهمني بشر ::
 
الصورة الرمزية فارس الإحساس








الحالة
فارس الإحساس غير متواجد حالياً

 علم الدولة :

مشاهدةالبومات صور فارس الإحساس


للتواصل

افتراضي رد: البيولوجيا في السواء والمرض

تسلم الأيادي عابر سبيل

دوما تأتينا بكل جديد ومفيد

رائع هو موضوعك

وأروع ما أحتواه
موضوع كامل عن البيولوجيا في السواء والمرض

ننتظر جديدك ياغالي






التحكم

  

رد مع اقتباس
قديم 28-01-2010   رقم المشاركه : 3
المعلومات الشخصية
beautymony
& I MiSs yOu &
 
الصورة الرمزية beautymony







الحالة
beautymony غير متواجد حالياً

 علم الدولة :

مشاهدةالبومات صور beautymony


للتواصل

افتراضي رد: البيولوجيا في السواء والمرض









التوقيع

 

التحكم

  

رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد رد  

مواقع النشر

العبارات الدلالية
البيولوجيا, السواء, والمرض

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


close أنت غير مشترك في حلم عابر. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا
You are not a member yet . to join us please click here

جميع الأوقات بتوقيت القاهرة . الساعة الآن 02:24 AM .

 
 

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
تعريب » حلم عابر للجوال
اي مشاركة في الموقع و المنتدى تعبر عن رأي كاتبها دون ادنى مسئولية على ادارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لموقع حلم عابر أكبر موقع تطبيقات للجوال